من الحق أن قدرًا كبيرًا من معرفتنا يقوم على إدراك التشابه بين الأشياء؛ ومِن ثَمَّ تصنيفها في فئات، ويقوم على التعميم من أمثلةٍ محددة إلى صورٍ عامة أو مبادئ مجردة، وعلى التعلم من سابقات الوقائع من أجل تعزيز الفائدة وتجنب الضرر، وعلى تطبيق معرفتنا بشيءٍ ما في تناولنا لشيءٍ آخر مشابه. في القياس الفقهي مثلًا يُستخدم الأنالوجي استخدامًا مشروعًا ولا غنى عنه، ويُعَرَّف بأنه «إلحاق جزئي بجزئي آخر في حُكمه لمعنى مشتركٍ بينهما، مثال ذلك أن نقول: النبيذ كالخمرة فهو حرام.» (^١)
وفي مجال القضاء كثيرًا ما يُستخدم القياس على سابقةٍ (أو سوابق) قضائيةٍ لوجود مماثلة مع القضية الراهنة، بل إن معنى القوانين وروحَها لا تتبلور ولا تبزغ إلا بكدح القضاة في تطبيقها على الحالات الخاصة قاضيًا تلوَ آخر، وحالةً تلو أخرى، ويكون الأنالوجي في ذلك هو قوام الفهم ومِلاك التأويل.
_________________
(١) في تعريفات الجرجاني: «القياس في اللغة عبارة عن التقدير، يُقال قِست النعل بالنعل إذا قدَّرتُه وسويته، وهو عبارة عن ردِّ الشيء إلى نظيره.» وفي الشريعة عبارة عن المعنى المستنبَط من النص لِتعَدِّيه الحكمَ من المنصوص عليه إلى غيره، وهو الجمع بين الأصل والفرع في الحكم.
[ ١٣٦ ]
وليس من قبيل المبالغة أو الغلو أن نقول إن كل صور الاستدلال وإعمال العقل، وكل ضروب الإدراك الحسي والذهني، إنما تستند إلى قدرتنا على تمييز أوجه التشابه ذات الصلة ومعاينة القواسم المشتركة من خلال هذا التدفق الكاليدوسكوبي لأشياء العالم وأحداثِه ومَرائيه.