ذلك أن كثيرًا من الأمور تخضع للملاحظة المباشرة أو الحساب المحض، هنالك يلتقي المرءُ التقاءً مباشرًا بالبينة ويكون الالتجاء إلى السلطة لطلب البينة هو عبث لا معنى له وكسل يستوجب اللوم، إنه أشبه بالتيمم وقد حضر الوضوء! ذلك أن الملاحظة المباشرة أعلى يقينًا من السلطة وتجُبُّ أيَّ سلطة، هكذا كانت ثورة «النهضة» ضد سلطة أرسطو وسلطة الكتاب المقدس، تلك الثورة التي أعقبت تطورًا علميًّا حقيقيًّا لم تشهد البشرية مثلَه في العصور السوالف، لقد كان رأي أرسطو في العصور الوسطى يؤخذ مأخذ
[ ٧٦ ]
التسليم حتى في الأمور الإمبيريقية التي تمكن معرفتُها بسهولة بواسطة الملاحظة، وكأن ذهن أرسطو أصدق رؤية من نواظر الخلق!
كذلك كان يستَشهَد بالكتاب المقدس كسلطةٍ لا مُعقِّب لها، حتى في المسائل التجريبية والرياضية ومن الطريف أن قيمة ال pi (النسبة بين طول محيط الدائرة وقطرها، ط) كانوا يدعون أنها ثلاثة استنادًا إلى فقرات معينة بالعهد القديم! غير أن قيمة ط هي مسألة رياضية يحددها علم الحساب (وهي اثنان وعشرون على سبعة) والالتجاء فيها إلى السلطة هو أمر غير ذي صلة.
وكيف تنسى البشرية زمنَها الذي ضاع ودماءَها التي أُريقت من جراء الخضوع لسلطة الكنيسة طيلة العصور الوسطى، حين ارتهن الناسُ لديها حواسَّهم وملكاتهم الإدراكية التي أُودِعوها لتكون أوثقَ الأدلة وأصدقَ الرسل، وأُخذوا على الاعتقاد بأن الشمس تدور حول الأرض فهكذا يقول الكتاب المقدس ولو كان كتابُ الكون يقول غير ذلك، وأخذوا على الاعتقاد بأن تاريخ البشر على الأرض لا يعدو السبعة آلاف سنة، ولو دَلَّ علمُ الحفريات على أنهم أقدم من ذلك بما لا يُقاس.