المنطق غير الصوري هو استخدامُ المنطق في تَعرُّف الحجج، وتحليلها وتقييمها، كما تَرِد في سياقات الحديث العادي ومداولات الحياة اليومية: (^١) في المحادثات الشخصية، والإعلانات، والجدل السياسي والقضائي، وفي شتى ألوان التعليقات التي نصادفها في الصحف والإذاعة المرئية والمسموعة وشبكة الإنترنت وغير ذلك من وسائل الإعلام.
كان الدافع من وراء نشأة هذا المبحث الجديد هو الرغبة في إيجاد سبلٍ لتحليل الاستدلال العادي وتقييمه، سُبُلٍ يمكن أن تندرج كجزءٍ من التعليم العام، ويمكن أن تُرْشِد تفكير الناس وترتقي بالمناقشات والمساجلات اليومية، من هذه الوجهة تلتقي هموم المنطق غير الصوري بهموم «حركة التفكير النقدي» Critical Thinking Movement التي تهدف إلى تطوير نموذج للتعليم يولي اهتمامًا أكبر بالتساؤل النقدي، ويُفضِي إلى فهم علاقة اللغة بالمنطق، فيُمكِّن الطالبَ من تحليل الأفكار ونقدِها والدفاع عنها، ومن التفكير الاستقرائي والاستنباطي، ومن استخلاص نتائج وقائعيةٍ حصيفةٍ قائمة على استدلالاتٍ سليمة مُستقاة من قضايا، معرفية أو اعتقادية، واضحةٍ لا لبس فيها. (^٢)
ترتبط نشأةُ المنطق غير الصوري بالحركات الاجتماعية والسياسية في ستينيات القرن العشرين، وما صَحِبها من دعوةٍ إلى تعليمٍ عالٍ أوثق اتصالًا بالحياة والتصاقًا بالواقع المعيش، هنالك ألحَّت الحاجة إلى تطبيق التحليل المنطقي على أمثلةٍ حَيَّةٍ ملموسةٍ من تفكير الحياة اليومية، والتخلِّي عن الأمثلة المصطنعة والحجج المفتعلة التي تعجُّ بها كتبُ المنطق القديمة، على أن المنطق غير الصوري لم يتأسس كفرعٍ بحثي مستقل إلا في أواخر السبعينيات من أعمال رالف جونسون وأنتوني بلير، الفردية والمشتركة، وإصدارِهما صحيفة «المنطق غير الصوري».
وعلى الرغم من مرور أكثر من ربع قرنٍ على نشأة المنطق غير الصوري، فإنه ما زال في طور التكوين، تصطَرِع فيه تياراتٌ متباينة وتتنازعه اتجاهاتٌ مختلفة، وما زال يتلمسُ طريقه ويفتش عن هوِيَّته، وما زال يتساءل عن جدوَى نظرية المغالطات ومبادئ المنطق الصوري بالنسبة إليه، وعن أهمية استخدام الرسوم البيانية، وعن دور نظريات التواصل
_________________
(١) The Cambridge Dictionary of Philosophy.Cambridge University Press، ١٩٩٥، p. ٣٧٦.
(٢) Groake Leo، "Informal Logic".The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall ٢٠٠٨ Edition)، Edward N.Zalta (ed.)، first published on Mon Nov ٢٥، ١٩٩٦.
[ ١٤ ]
والاعتبارات الديالكتيكية والحوارية في تقييم الحُجج، وما زال في كلِّ ذلك يلتمسُ العونَ من أفرعٍ بحثيةٍ قريبةٍ ويتداخل معها: علم البلاغة (الخطابة)، علم اللغة، الذكاء الصناعي، علم النفس المعرفي، التواصل الكلامي … إلخ.
كان اهتمامُ المنطق غير الصوري في بداياته مُنْصَبًّا على «المغالطات المنطقية» logical fallacies، غير أنه تجاوزَ مبحثَ المغالطات وجعل يوسِّع من حقله كلما تَبَيَّن له أن دراسة الحجج المصوغة باللغة العادية تتطلب ارتيادَ أصقاعٍ جديدة من البحث، تتضمن هذه الدراسةُ المكونات التالية:
التمييز بين الأصناف المختلفة من الحوار التي يمكن للحجة أن تَرِد فيه (النقاش العلمي مثلًا غير التفاوض أو عقد الصفقات).
تحديد المعايير العامة للحجة الصائبة (الاستنباطية والاستقرائية …)
دراسة مفهوم اللزوم - أو الترتُّب - المنطقي، الذي يُفسِّر لنا متى يصح أن نقول إن هذه الجملة تترتب منطقيًّا عن تلك.
دراسة المغالطات المنطقية وأهميتها في تقييم الحجج.
دراسة المواضع التي يصِحُّ فيها ما نأخذُه عادةً مأخذ المغالطة (الاحتكام الصائب إلى السلطة، الهجوم المبرَّر على شخص الخصم، التفكير الدائري الصحيح … إلخ).
تَفَهُّم الدور الذي تضطلع به المشاعر (الباثوس) والشخصية (الإيثوس) وغيرهما من المفاهيم البلاغية في تحليل الحجة وتقييمها.
تبيان الواجبات الجدلية المنوطة بالحجج في أنواعٍ معينةٍ من السياقات.