كثيرًا ما تتخذ المسائل المعقدة تراتبًا هرميًّا بحيث يتعذر حسم مسألة معينة قبل أن يتم حسم مسألة أخرى، مثال ذلك ما يجري في كثير من محاورات أفلاطون؛ في محاورة الجمهورية، على سبيل المثال، يتحول مسار الحديث إلى مسائل ميتافيزيقية وإبستمولوجية مجردة؛ وذلك لأننا لا يتسنى لنا الإجابة عن أسئلة عملية عن معاقبة المجرمين أو تربية الأطفال حتى نعرف أولًا ما هي «العدالة»، ولن نعرف ما هي العدالة حتى نعرف المقصود بمفهوم «الخير»، وهذه بدورها تتطلب تحليلًا كاملًا لعلاقة الأفكار بالعالم الفيزيقي!
هكذا نتبيَّن أن الوصول إلى اتفاق عقلاني قد يتطلب العودة بالحوار إلى أسئلة أكثر أساسية، ثمة إذن تحولٌ مشروع عن موضوع الحوار في بعض الأحيان: ذلك هو التحول إلى مسألة جذرية تمهد المسرح لمناقشة الموضوع المَعْنِيِّ وتُفْضي إليه، إنها لا تُغَشِّي عليه بل تزيده وضوحًا، ولا تذهب به طي النسيان بل تؤدي إليه وتضعه في نصابه.
[ ٦٢ ]
أما مغالطة الرنجة الحمراء فليست من ذلك في شيء؛ لأن الموضوع الجديد الذي يُلقَى به في مسار الجدل ليس أكثر أساسيةً بل أكثر بريقًا وشحنًا انفعاليًّا فحسب، ولأن الموضوع الجديد لا يُفضي بطبيعته إلى الموضوع الأصلي بل يُقْصِي عنه ويُنْسِيه ويصرف دونه الانتباه والذاكرة.