إذا نظرنا إلى المنطق الاستنباطي للقضايا فإن المصادرة على المطلوب («ق» إذن «ق») صائبةٌ استنباطيًّا، أين يكمن الخطأ إذن؟! ومتى تكون المصادرة على المطلوب أو الحجة الدائرية مغالطة؟
[ ٣١ ]
إذا عدنا تاريخيًّا إلى المعلم الأول، أرسطو، نجده يتناول المصادرة على المطلوب تناولًا مزدوجًا:
في «التحليلات (الأنالوطيقا) الأولى» يتناول المصادرة على المطلوب في ضوء قوله المأثور بأن البرهان يمضي مما هو أكثر يقينًا أو أوثق معرفةً: فإذا حاول المرء أن يثبت ما هو غير واضح بذاته عن طريق افتراضه والتسليم به بادئ ذي بدء، فإنه بذلك يصادر على المطلوب الأول، أو يُسِلِّم بالمسألة الأصلية، إنه يفترض ما ينبغي عليه إثباته، يُعَد هذا توصيفًا إبستيميًّا للمغالطة: فأن تُصادر على المطلوب هو أن تنتهك المبدأ الإبستيمي القائل بالأولوية المعرفية للمقدمات فوق النتيجة في أيِّ برهان من البراهين.
غير أن أرسطو في «الطوبيقا» (المواضع الجدلية) يتناول المصادرة على المطلوب من حيث هي واردة في نزاع جدلي بين طرفين أو خصمين: تقع المصادرة على المطلوب عندما يطلب صاحب دعوى ما «ق» إلى خصمه المعارِض أن يُسلِّم ب «ق» إلى خصمه المعارِض أن يُسلِّم ب «ق» كمقدمةٍ عليه قبولها، ويُعَدُّ هذا توصيفًا جدليًّا للمغالطة.
يُقدِّم أرسطو خمس طرق يمكن للحجة بها أن تصادر على المطلوب، ويتفاوت تناوله للمغالطة بعض الشيء بحسب السياق الذي يتناول فيه المغالطة: السياق الإبستيمي (في تناوله للبرهان على سبيل المثال) أو السياق الجدلي (كما في الطوبيقا).
ربما يكون ذلك هو الخيط الذي يمكن أن يوصلنا إلى فهم اللغز: متى تكون الحجة الدائرية خطأ منطقيًّا؟ يبدو أن هناك عاملًا إضافيًّا يحسم أمر الحجة الدائرية ويحدد نصيبها من الصواب المنطقي: ذلك هو «السياق» context، ونعني به السياق الجدلي الذي تنسلك فيه الحجة، أو سياق الجدل القائم بين متحاورَين لكلٍّ منهم التزاماته الاعتقادية الخاصة.
من هنا يجب أن نميز بين «الدلالة» (السيمانطيقا) و«التداولية» (البراجماطيقا) في المنطق، مثلما ميَّز أرسطو قديمًا بين السياق الإبستيمي والسياق الجدلي، تُعرَّف «السيمانطيقا» Semantics أو علم دلالة الألفاظ، أو المعاني، بأنها الدراسة التي تتناول علاقة العلامات اللغوية بالعالم الواقع خارج اللغة extra-linguistic world،
[ ٣٢ ]
أما «البراجماطيقا» (التداولية) pragmatics فتُعرَّف بأنها العلاقة بين العلامات اللغوية ومستخدميها من بني البشر، فليست اللغة بأية حال شيئًا مُخزَّنًا بالمعاجم وكتب النحو، بل هي شيء في استخدامٍ متصل بين بني الإنسان، وللبشر طرائقهم في تداول اللغة فيما بينهم بما يتجاوز الدلالة المباشرة للعلامات ويتجاوز النحو وتركيب الجملة بحد ذاته، من أهم الموضوعات التي تندرج في مبحث التداولية: الأفعال الكلامية speech acts، والإضمار الحواري conversational implicature، التفرقة بين المعجم والموسوعة، وبين الاستعمال والذِّكر … إلخ.
في ضوء هذه التفرقة الأساسية بين الدلالة والتداولية يمكننا أن نمضي فنقول إن الحجج الدائرية ليست مغالطة بالضرورة، وإنما يتوقف الأمر على السياق الحواري للحجة وعلى الالتزامات الاعتقادية لدى المتحاورين، يمكننا بتعبير تقني أن نقول إن المصادرة على المطلوب أو الحجة الدائرية هي «مغالطة تداولية» pragmatic fallacy: أي قصور يتعين تقييمه بالنظر إلى الطريقة التي استخدمت بها الحجة في سياق حواري معين، لا تكون المصادرة على المطلوب مغالطة إلا إذا فشلت في تحقيق وظيفة مهمة من وظائف الحجة هي الوظيفة البرهانية؛ أي إذا لم تغير شيئًا في درجة الثقة التي يكِنُّها الخصمُ في النتيجة المعنِيَّة (المسألة المطلوب إثباتها)، الأمر هنا يتوقف على ما يعتقده متلقِّي الحجة وعلى درجة الثقة التي كان يُوليها للمسألة التي يتم البرهنة عليها، الأمر هنا يتفاوت بحسب الالتزامات الاعتقادية الأصلية للطرف المتلقي، فإذا كانت الحجة تكرر النتيجة في المقدمات (أي تثبت المسألة بذاتها أو تفترض ما يطلب الخصم إثباتَه) متوجهة بذلك إلى خصم لا يعتقد أصلًا في هذه النتيجة ولا يلتزم بها، فإنها عندئذٍ لا تؤدي وظيفتها البرهانية المنوطة بها، وهي بهذا المعنى وفي هذا السياق تعتبر مغالطة.
أما عندما تُقدَّم نفس الحجة (من الوجهة السيمانتية/ هُوِيَّة سيمانتية) إلى طرفٍ متلقٍّ يعتقد في النتيجة ويلتزم بها اعتقاديًّا، فإنها في هذا السياق التداولي المختلف لا تعتبر مغالطة.
ولمزيد من التبيان نقول: إنَّ من أهم وظائف الحجة «الوظيفة البرهانية» probative function، أي وظيفة إزالة الشك (أو خفضه)، والتي تفترض الإطار التالي للحوار: ثمة طرف «المُتلقِّي» لديه شكوك أو تساؤلات تتصل بنتيجة معينة، وثمة طرف آخر «صاحب الحجة أو الداعي» مهمته في الحوار هي إثبات هذه النتيجة إثباتًا يُقنع المتلقي ويرضيه
[ ٣٣ ]
وفقًا لمقتضيات عبء البرهان المناسبة لنوع الحوار وللحالة المعْنِيَّة، فالآن إذا طرح الداعي حجةً دائريةً من الصنف الذي لا يتسنى فيه خفض شكوك المتلقي أو تدعيم المقدمات إلا بإثباتها من النتيجة، عندئذٍ تكون الحجة مصادرة على المطلوب، مثال ذلك هذا الحوار بين مؤمن وشاك:
- سيظل القرآن الكريم إلى يوم القيامة محفوظًا من كلِّ التصحيف والتحريف.
- ما الدليل على ذلك؟
- الدليل أن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
من البين أن هذه الحجة تنطوي على مصادرة على المطلوب لأن المتلقي ليس لديه التزامٌ عقائدي بالقرآن، ومِن ثَمَّ فإن الدليل المطروح لا يضمن عنده أن يبقى القرآن محفوظًا بما فيه ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾.
أما عندما ترد هذه الحجة بحذافيرها في سياق تداولي آخر يجري بين داعٍ مؤمن ومُتلقٍّ مؤمن أيضًا ولديه التزام عقائدي بالقرآن، هنالك تضطلع الحجة بوظيفتها البرهانية وتكون حجة صائبة مائة بالمائة وبريئة من أية مصادرة على المطلوب، هكذا تتجلَّى أهمية أن يُتقن «الداعية» (^١) منطق الجدل، وألا يغفل لحظةً هويةَ المخاطَب والتزاماته الاعتقادية المبدئية، وأن يتجنَّب تأييد المذهب «من داخله» (المصادرة على المطلوب)، ويلتزم دائمًا بالحجج التي تُؤيد المذهب «من خارجه».
ها نحن بإزاء حجة واحدة (من حيث الصورة السيمانتية) تُصادر في حالة ولا تصادر في أخرى؛ وذلك لاختلاف السياق التداولي، إنها ترد في سياق تداولي فتكون مغالطة ومصادرة على المطلوب، وترد في سياق تداولي آخر فتكون صحيحة لا شِيَةَ فيها، نَخْلُصُ من ذلك إلى أن المصادرة على المطلوب هي مغالطة تداولية بالدرجة الأساس. (^٢)
في كتابه «نسق في المنطق» a system of logic ذهب جون ستيوارت مِل إلى أن جميع صور الاستدلال الاستنباطي ترتكب مغالطة «المصادرة على المطلوب»، فالقياس syllogism
_________________
(١) الداعية هنا، بحُكم التعريف، هو من يدعو «غير المؤمنين» إلى الإيمان، وعليه من ثم أن يُراعي «السياق التداولي» pragmatic context لخطابه، فلا يلجأ إلى تفسير المذهب بنفسه أو إثبات الماء بالماء، وهو شرطٌ لا يريد أن يفهمه كثيرٌ من الدُّعاة المخلصين.
(٢) Walton، Douglas N: ١٩٨٥، "Are Circular Arguments Necessarily Vicious؟ ".American Philosophical Quarterly ٢٢، ٢٦٣ - ٧٤.
[ ٣٤ ]
يتضمن دورًا أو مصادرة على المطلوب؛ لأنَّ المقدمة الكبرى فيه تفترض صحة النتيجة، يذكر مِل هذا القياس الشهير:
كل إنسان فانٍ،
أفلاطون إنسان؛
إذن أفلاطون فانٍ.
ويقول: إنَّ المقدمة الكبرى «كل إنسان فان» تفترض النتيجة مسبقًا بمعنى أننا لا يمكن أن نُوقن بصدقها ما لم نكن موقنين بصدق النتيجة «أفلاطون فان»، فإذا كان من المشكوك فيه أن أفلاطون فان فسوف يكون من المشكوك فيه، بنفس الدرجة على أقل تقدير، أن جميع البشر فانون.
هنا أيضًا يسعفنا تصور «السياق التداولي» pragmatic context كمِحَكٍّ لهذه المغالطة، هل ثمة دور منطقي في القياس السابق؟ ذلك أمر يتوقف على ما إذا كان سياق الحجة يتضمن (ربما استقرائيًّا) بينة على المقدمة الكبرى «كل إنسان فان» مستقلة عن النتيجة … بينة بيولوجية مثلًا على فناء الحيوانات، غير أن هذا يطرح سؤالًا مربكًا عن دور البَيِّنة الخلفية background evidence في سياق الحجة، ويعود بنا من ثم إلى مشكلة ما الذي يمكن أن يُعَد، أو لا يُعَد، «مقدمة» premise لحجة معينة. (^١)