في مجال تذوق الأعمال الفنية، وتفسيرها وتقييمها، نكون عُرضة بصفة خاصة لارتكاب المغالطة المنشئية، وذلك حين نتجه باهتمامنا كله إلى حياة الفنان وشخصيته وسيرته الذاتية، ونظن أننا بذلك نقارب العملَ مقاربةً فنية جمالية، بينما نحن نبتعد عن عالم الفن بقدر ما نلج في عالم الفنان الشخصي ومفردات حياته، ليس ما يهمنا، من وجهة النظر الجمالية، هو تاريخ العمل وظروف نشأته، وإنما العمل ذاته، واقفًا على قدميه، قد يتمكن الباحث الفرويدي، على سبيل المثال من أن يُبيِّن كيف دخل التخييل في العمل ذاته، غير أن هذا لا يؤدي في ذاته إلى تفسير قيمة العمل، فالعمل ليس مجرد تخييل، وإنما هو تخييل صِيغَ وشُكِّلَ في بناءٍ فني وباستخدام وسائل فنية، وهو قد أصبح جزءًا لا يتجزَّأ من نموذجٍ من الألوان أو الأصوات أو الكلمات، فعلينا ألا ننسى أبدًا عناصر العمل التي تجعله على ما هو عليه في طبيعته الباطنة. (^٢)
كذلك يمكن أن يؤثر نوعٌ متشابه تمامًا من الإحباط (على مذهب فرويد) في فنانين مختلفين، وقد يتخيلان إشباعًا بديلًا من نوع مماثل إلى حد بعيد، ومع ذلك فإن الأعمال التي يبدعانها قد تكون مختلفة تمامًا من حيث القيمة، فيكون أحدُهما ضئيل القيمة والآخر عظيمًا، وعندئذٍ يكون ذلك راجعًا إلى عوامل مثل الجاذبية لا يمكن أن توجد إلا في العمل الفني، لا في منشئه.
وما إن نفهم المغالطة المنشئية حتى يصبح كلامنا وتفكيرنا أشد حذرًا ودقة، إذ إن هذا الفهم يجعلنا نحذر الاستدلالات المتسرعة، غير النقدية، من حياة الفنان عن طبيعة عمله، فليس في وسعنا أن نفترض بسهولة أن كون الفنان في حالة نفسية معينة في وقت الخلق الفني يؤدي بالضرورة إلى انعكاس هذه الحالة النفسية على العمل، ذلك أن للعمل طابعًا خاصًّا به، بل إن هناك في الواقع فارقًا هائلًا بين الحالة النفسية التي تشيع
_________________
(١) النقد الفني، ص ١٢٤.
(٢) النقد الفني، ص ١٢٧.
[ ٤٦ ]
في العمل، وبين حالة الفنان في وقت خلقه لهذا العمل، من ذلك أن السيمفونية الثانية البهيجة لبتهوفن كُتِبت في وقتٍ كان يُعاني فيه ألمًا شخصيًّا مبرحًا، ومن ذلك أيضًا شهادة تشايكوفسكي الشخصية إذ يقول: «إن العمل الذي يُؤلَّف في أسعد الظروف قد يصطبغ بألوان قاتمة كئيبة.» (^١) وهناك شهادة أخرى لكاتبة أمريكية كبيرة هي كاترين آن بورتر، تفرق بدورها بين الحالة النفسية للخلق وبين العمل الفني، فتقول: «ليس في وسعي أن أقول لك ما الذي يضفي على العمل حرارة حقيقية … إنها ليست متعلقة بما تشعر به في أية لحظة بعينها، وليست قطعًا متعلقة بما تشعر به لحظة الكتابة، وربما كان البرود هو أنسب الحالات لذلك، في معظم الأحيان.»
كذلك ينبغي تجنب مغالطة الأصل عندما يكون العامل المنشئ اجتماعيًّا لا شخصيًّا، مثال ذلك أن كثيرًا من موضوعات الفن البدائي التي نضعها في المتاحف كانت في الأصل تُستخدم لأغراض عملية، فهذه الأواني والملاعق والأوعية كانت من قبل موضوعات عادية تُستخدم في الحياة اليومية، ومع ذلك لا يمكننا القول إن النظر إليها بطريقة جمالية، بدلًا من الطريقة العملية، ينطوي على تشويه لطبيعتها الحقة، ففي هذا القول خلط بين الموضوع، الذي يمكن النظر إليه على أنحاء شتى، وبين منشئه. (^٢)