يلحق هذا أيضًا بما يُسمَّى «تفسيرات تحصيل الحاصل» tautological explanations، وهي صفة الفكر الأجوف، والعلم الأجوف الخالي من المحتوى المعلوماتي الحقيقي.
و«تحصيل الحاصل» tautology هو عبارة صادقة بالضرورة بسبب صورتها المنطقية ذاتها، مثال ذلك: «إنَّها تمطر أو لا تمطر»، وتُعَد تحصيلات الحاصل بصفة عامة خلوًّا من المعلومات، وتحصيل الحاصل ليس عيبًا وليس سُبةً حين يجول في مجاله: فالمنطق والرياضة البحتة هما من قبيل تحصيل الحاصل، بمعنى أن نتائجهما لا تأتي بجديد لم يكن قابعًا، على طريقته، في المقدمات غير أن العلوم التجريبية تريد أن تخبرنا خبرًا عن العالم المحدد الذي تصادف أننا نعيش فيه، تريد أن تقول شيئًا جديدًا لم يكن لنا به علم، ومِن ثَمَّ يتعين عليها أن تتنكَّب تفسيرات تحصيل الحاصل التي لا تحمل في جعبتها خبرًا جديدًا - لا تحمل «محتوى معلوماتيًّا» يزيدنا عِلمًا، بل تقول لنا ببساطة: إن «أ» هو «أ» (!).
ويُعَرَّف «تفسير تحصيل الحاصل» بأنه ذلك التفسير الذي يكون فيه «المفسِّر» explanans (أي القضية التي تضطلع بالتفسير) لا يقول شيئًا أكثر من «المفسَّر» Explanandum (القضية المطلوب تفسيرها)، مثال ذلك سخرية موليير المأثورة من تفسير مهنة الطب في زمنه لظاهرة نوم الناس على أثر تعاطي الأفيون بأن الأفيون يجعل الناس تنام «لأن له تأثيرًا منوِّمًا»، أي أن «الأفيون يُنَوِّم لأنه يُنوِّم!» لاحظ أن هذه العبارة ليست كاذبة بحد ذاتها («أ = أ» عبارة صائبة في حقيقة الأمر)، الخَطب أنها لا تفسر شيئًا ولا تضيف إلى علمنا شيئًا لم نكن نعلمه!
وكثير من العلم الزائف والعلم غير الناضج لا يعدو أن يكون من هذا الصنف، يقول ب. ووتون B.Wootton في كتابه «علم الاجتماع والباثولوجيا الاجتماعية» (١٩٥٩ م): «في حالة الفعل المضاد للمجتمع الذي يُقال إنه ينتج عن المرض النفسي، فإن من غير الممكن
[ ٣٨ ]
أن يُستدل على وجود المرض من حقيقة أن الفعل قد ارتُكب لا أكثر.» (^١) لا يعدو هذا التفسير أن يقول: إن الناس تنغمس في العنف والسلوك المضاد للمجتمع؛ لأنهم أناسٌ ينغمسون في العنف والسلوك المضاد للمجتمع! كذلك الشأن في تفسير التحليل النفسي للانتحار والتدمير (تدمير النفس أو الغير) بأنه ناجم عما يسميه غريزة «الموت» thanatos وهي نزوعٌ بالإنسان إلى العودة إلى الحالة الجمادية، نعم هناك انتحار وهناك تدمير وهناك سلوك مضاد للمجتمع … إلخ، ولكن على التفسير العلمي أن يقدم شيئًا أكثر من ترجيع الصَّدى وتحصيل الحاصل.
في حديثه عن أرسطو في كتابه «مراجعات في الآداب والفنون» يقدم العقاد لمحةً ذكيةً في نقد «الأخلاق النيقوماخية» فيقول: إنَّ كل فضيلة عند أرسطو هي وسط بين رذيلتين، وكأن الاختلاف بين الفضائل والرذائل في تفسيره لا يكون إلا من قبيل الاختلاف بينها في الدرجات والزيادة والنقصان، وهو رأي منتقَد عابَهُ عليه كانت Kant بحق فقال: «إن الاختلاف بين الفضيلة والرذيلة لا يمكن أن يكون مسألة درجات بل لا بُدَّ أن يعتمد على معادنها الطبيعية أو قوانينها … إن تفسير أرسطو أولًا لا يُبين لنا الحدَّ الذي يجب على كل منهما أن يقف عنده، وثانيًا هو في الواقع «تحصيل حاصل» إذ إن أرسطو يقول «إن الإنسان يجب عليه أن يجتنب الخطأ بالزيادة عن الحد والخطأ بالنقص منه.» (دون أن يبين ما عساه أن يكون ذلك الحد!) فكأن النتيجة أن الواجب هو أن لا تفعل أكثر ولا أقل من الواجب!» وهذا هو تحصيل الحاصل كما يقول كانت؛ لأن تعريفنا الواجب بأنه شيء لا يزيد ولا ينقص عن الواجب هو من اللغو الذي يشبه قول القائل:
كأننا والماءُ مِنْ حَولِنا … قومٌ جلوسٌ حَولهم ماءُ (^٢)
والحق أن كثيرًا من الفكر الأخلاقي الرائج لا يقول أكثر من ذلك! «افعل ما فيه المصلحة» (وما المصلحة؟!) «لا تفعل ما فيه مفسدة» (وما المفسدة؟!) «كن وسطيًّا» (بين ماذا؟!) وقلَّما يدرك المتحدث المخلص أنه في حقيقة الأمر لم يزد مستمعيه علمًا بأي شيء،
_________________
(١) Wootton، B.، Social Science and Social Pathology، London، George Allen & Unwin، ١٩٥٩، p. ٢٣٣.
(٢) عباس محمود العقاد: مراجعات في الآداب والفنون، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ١٩٨٣، ص ٦٥.
[ ٣٩ ]
وأنه في حقيقة الأمر لا يزيدهم إلا رضا ذاتيًّا زائفًا، وأنه لا يغادرهم إلا وقد زاد طبعهم جفاءً وزادَ أرواحَهم غِلظة!
•••
وبعد، فمن شأن الحجة السديدة لإثبات دعوى معينة أن تقدم دليلًا مستقلًّا لتبرير الاعتقاد بهذه الدعوى، وأن تتجنب الاعتماد على الدعوى، أو شطرٍ من الدعوى، لإثبات ذاتها، وما يكون لعاقلٍ أن يفترض، كدليل أو بينة، ذات الشيء الذي يحاول أن يُثبته، غير أننا كثيرًا ما يجرفنا الانفعال الأيديولوجي والالتزام بصدق مذهبنا السياسي أو الأخلاقي ويَعْصِب أعيننا عن رؤية أننا، في حقيقة الأمر، نفترض مقدمًا صدق ما نريد أن نبرهن عليه؛ ولذلك تجد المصادرة على المطلوب مرتعًا خصيبًا لها في مثل هذه المجالات، وحيثما فرغت ساحةٌ من البراهين الصلبة والحجج الوقائعية المستقيمة تم استدعاء الحجج الدائرية لتَوَلِّي الأَزِمة واتخاذ اللازم، ولو أن هناك براهين مقنعة على الأيديولوجيات، المتكثرة تَكَثُّر الأهواء والمصالح، لكان عسيرًا على ذوي العقول أن يختلفوا حولها، ومن البين المتواتر أنه كلما توافر للناس حججٌ أكثر قبولًا وصلابة زاد انصرافهم عن الحجج الدائرية لتبرير دعواهم.
ربما تخدع المصادرة على المطلوب قائلَها أكثر مما تخدع متلقيها؛ لأنَّ المرء حين يكون مُشْربًا منذ البداية بموقفٍ ما فإن من السهل أن يتراءى له كلُّ مكافئٍ أو صنوٍ لهذا الموقف كأنه برهانٌ عليه، ثمة فرق بين أن تعتنق رأيًا وبين أن تكون قادرًا على تبرير هذا الرأي، وعلى محبي الحكمة أن يتعلَّموا من درس الفلسفة أن هناك فرقًا بين الموقف نفسه وبين الحجج التي يستند إليها الموقف، ومن لم يتعلم هذا التمييز سيكون عُرضةً دائمًا للانخداع بمغالطة «المصادرة على المطلوب».
[ ٤٠ ]
الفصل الثاني