في هذه الحالة تكون كل من الدعوى ونقيضها مدعمًا برأي بعض الخبراء الثقات، بحيث لا يعود ممكنًا حسم المسألة بمجرد الالتجاء إلى رأي الخبراء.
ثمة مجالات علمية كثيرة تعجُّ بالخلافات الداخلية بين أهلها حتى في المسائل المحورية والأسس الكبرى للتخصص، من هذه المجالات علم الاقتصاد، فقد يذهب بعض خبرائه الثقات إلى أن «العجز» هو العامل المفتاحي في مجال الاقتصاد بينما يذهب آخرون، ليسوا أقل خبرة، إلى العكس، من ذلك تمامًا، ومن المجالات المشهرة بالخلافات بين خبرائها علم النفس والطب النفسي، حيث نجد مدارس مصطرعة بينها شقاق حاد في تصور السواء والمرض وفي منهج التشخيص والعلاج.
يتبين من ذلك أن الخبير الذي يُحتكَم إليه في شأن من الشئون التخصصية قد لا يكون ممثلًا لرأي جميع الخبراء في ذلك المجال، والحق أنه في قطاعات كبيرة من البحث
_________________
(١) هنترميد: «الفلسفة، أنواعها ومشكلاتها»، ترجمة د. فؤاد زكريا، الطبعة الثانية، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، ١٩٧٥، ص ١٨٢.
[ ٧٨ ]
البشري يكون بوسع المرء أن يجد خبيرًا يدعم له أي رأي يراه أو موقف يريده، يذَكِّرنا ذلك بالقول المأثور: «افعل أي شيء تقررُه وستجد نصًّا يُبررُه!»
ذلك أن الخبراء هم في النهاية بشر، يُصيبون ويخطئون، حتى في مجال تخصصهم، ولعل هذا هو ما يُبرر أخذ «رأي ثانٍ» (وربما ثالث) في الحالات الطبية حين يكون تشخيصها غامضًا غير محسوم، يَفهَم أغلبُ الناس المغزَى في أخذ رأي ثانٍ حين يتعلق الأمر بحياتهم وصحتهم، غير أنهم كثيرًا ما يتشبثون برأيٍ واحد لا يمثل آراء الخبراء جميعًا حين يكون هذا الرأي موافقًا لهواهم ومدعِّمًا لتحيزاتهم.