تُعَد الصور البيانية، من تشبيه واستعارة … إلخ، وسائط ضروريةً لنقل الأفكار وتوصيل المعلومات وتقريبها إلى الأذهان، تتيح لنا الصور البيانية أن نتحدث عن مفاهيم جديدةٍ غير مألوفة للمستمعين في حدودٍ قديمةٍ مألوفةٍ لديهم، استنادًا إلى وجه شبهٍ معين بين الفكرة المجهولة التي نريد إيضاحها لهم والفكرة المألوفة التي يعرفونها من الأصل، وامتدادًا بخصائص أخرى للمألوف لكي توازي خصائصَ أخرى للمجهول، تضطلع هذه المَلَكة التصويرية البيانية بدورٍ كبيرٍ في التفكير والتواصل، وتمثل عنصرًا حيويًّا من عناصر الفهم والإفهام.
غير أن الصور البيانية لا يمكن أن تُستخدم استخدامًا مأمونًا إلا كوسيلة إيضاحِ لمعنى معين يرمي إليه المتحدِّث، إنها أدواتٌ للتعبير وليست مصادرَ للمعرفة، إنها وسائلُ
_________________
(١) ينص مبدأ ليبنتز Leibniz's principle ويُسمَّى أيضًا «هوية اللامتمايزات» identity of indiscernibles على أن الشيئين المتميزين إحصائيًّا (أي أنهما حقًّا شيئان اثنان) لا يمكن أن يشتركا في جميع الخصائص.
[ ١٣٧ ]
لتقريب الأفكار لا للبرهنة عليها، وسائط للتوصيل لا للتدليل، للإفهام لا للإفحام، إذا أراد المرء مثلًا أن يُفسر التغيرات التي تعتور الإنسان وهو يتقدَّم من الشباب إلى الشيخوخة فإن له أن يكتب فقرةً بيانية مُنَمَّقة يقول فيها:
ما أشبهَ الحياةَ بالنهر: يدرج كغديرٍ مرحٍ، ثم يَستوي تيارًا عاتيًا، ثم يرزح في نهاية المطاف واهنًا كليلًا حتى يتبددَ في البحر.
ولكن ليس لأحدٍ أن يستمد من هذا، ومن معرفته بالأنهار، مبادئ عن إدارة الأعمال أو عن العلاقات الإنسانية!
وانظر إلى هذا الرأي التشبيهي للملك جيمس الأول:
النظام الجمهوري هو نظامٌ زائفٌ ومدمِّر؛ ذلك لأن الملك هو رأس الدولة، وإذا أنتَ فَصَلتَ الرأس عن الجسد فلن تعودَ بقية الأعضاء تؤدي وظائفها، وسيموت الجسدُ كله.
هكذا يَتَبدَّى بؤسُ التفكير التشبيهي: فالدولة لا تشبه الجسدَ الحي إلا مجازًا وتصويرًا بيانيًّا، ولا يمكن أن يُستنبَط من هذا التماثل أي قواسمَ مشتركةٍ حقيقية تجمع بين الجسد والدولة.
وقد يذهب جميع الشموليين نفس المذهب، فيقولون إن الدولة أشبه بالجسد، يعمل على أفضل نحو إذا كان ثمة دماغٌ حادٌّ يديره؛ لذا فإن الحكومات المتسلطة أكثرُ كفاءةً من غيرها من الحكومات.
لا تتطرق أي من هذه التشبيهات الزائفة التي تُشَبِّه الدولة بالجسم الحي إلى الحديث عن كبد الدولة أو بنكرياسها أو آليات الإخراج بها!
ويلحق بذلك تشبيه الحضارات بالكائن الحي، وهو تشبيهٌ تزخر به تفسيرات التاريخ ونظرياته، ففي محاولة إضفاء معنى ما على مسار التاريخ تبزغ كل صنوف المقارنة. إن جميع الحضارات السالفة تشترك في أنها الآن ماضٍ وأنها كانت ذات يومٍ حضاراتٍ وأنها قبل ذلك لم تكن، ومن هذه الحقائق الثلاث النافلة المبتذلة خلص كثيرٌ من المؤرخين إلى «تشبيه دورة الحياة» life cycle analogy: فالتعاقب البسيط «غير حي؟ حي؟ لم يَعُد حيًّا» يستدعي مقارنةً لا تقاوم بالكائن الحي، وقد بلغ الغلو بالبعض إلى أن يمتد بالتشبيه إلى تبرير الاستعمار، ذلك أن الحضارة حين تبلغ أشدها فمن الطبيعي أن تنزع إلى التكاثر بأن تنثر بذورَها في أماكن بعيدة!
[ ١٣٨ ]
وفي مجال نظرية العلاقات الدولية ثمة مغالطة شهيرة يُطلق عليها domestic analogy، تقوم على تشبيه العلاقات بين الدول بالعلاقات بين الأفراد بحيث إن الأمورَ البينشخصية interpersonal - أخلاقياتها وعلاجها - يتم إسقاطها على مبادئ السياسة الخارجية!
وجدير بالذكر أن تأثير الأنالوجي الزائف قد يكون مدمرًا إذا انقلب ضد من استخدَمه، فمن التقنيات الفعالة في فن المناظرة أنه إذا استخدم الخصمُ تشبيهًا لكي يدعم حجته فما عليك سوى أن تمسك بطرف هذا التشبيه وتمطه في اتجاهٍ يخدم حجتَك أنت، فينقلب السحر على الساحر! عندئذ سيضطر خصمك إلى التسليم بأن تشبيهه لم يكن موفقًا، وسيخسر نقاطًا في نظر الجمهور، مثال ذلك أن يقول رئيس اللجنة (في مشروع لا تستريح له أنت ولا تأمَن عواقبه):
ونحن إذْ نبحر قُدمًا في لجنتنا الجديدة دعوني أُعرب عن أملي في أن نتكاتف سويًّا من أجل رحلةٍ سلسة.
فبوسعك عندئذٍ أن تقول:
السيد رئيس اللجنة على حق، ولكن تذكَّروا أن المجذِّفين كانوا دائمًا يوضعون في سلاسل ويُضربون بالسياط، وكانوا إذا غرقت السفينةُ يغرقون معها!