ليست الحقيقة ديمقراطيةً بالضرورة، فقد يصيبُ شخصٌ واحد في التفكير مثلما يُصيب مائة شخص، وقد يُخطئ مائةٌ مثلما يُخطئ واحد، وما ينبغي لموقفٍ ما أن يكون حقًّا لمجرد أنه موقف أغلب الناس، ولا لموقف أن يكون باطلًا لمجرد أنه موقف القِلَّة، تلك حقيقة ما يزال يُلِحُّ عليها درس المنطق ودرس التاريخ، إنما تستند الحُجَّة على دعائمها المنطقية الخاصة وليس على عدد مؤيديها، وكم اعتقد الناسُ اعتقاداتٍ بلغت مرتبةَ اليقين وجرت مجرى البديهيات، ثم تبين بعد ذلك أن تلك الاعتقادات الكبرى كانت أخطاءً كبرى!
غير أن علينا أن نتجنب الغلو في الاستهانة برأي الأغلبية، وبخاصة إذا كان العدد هنا يحمل مغزى المراجعة ويضطلع بوظيفة التدقيق والتنقيح والتحقيق: وإلا فما معنى مراجعة الحسابات (وهو عمل محاسبين متعاقبين)، ومراجعة النظراء peer review في مجال البحث العلمي، وشرط تعدد الشهود في الجرائم، واتفاق القضاة والمحلَّفين في الأحكام، وتكرار التجارب replication في العلم؟! العقلانية إذن تعني التذرع بالمبررات العقلية التي تَثْبُت للنقد العام، أي التمحيص، قد يكون الفرد شاذًّا في مبررات اعتقاده، ولا يصبح عقلانيًّا بحق إلا حين يُدرك أن عليه ألا يكتفي بإقناع نفسه بل أن يُقْنِع كلَّ
[ ٩٤ ]
من يتفحص أدلته وبراهينه، الحقيقة ليست ديمقراطية … نعم ولكن التبرير العقلي يجب أن يكون منفتحًا على النقد العام وأن يتم في وضح النهار.
ثمة أيضًا حالات يكون فيها التذرع بالجموع مبررًا وغير خارج عن الموضوع، وذلك عندما يكون اعتقادُ الأغلبية، أو اعتقاد النخبة المنتقاة، هو المحدِّد للحقيقة في المسألة المعْنِيَّة:
تعريفات الألفاظ مثلًا هي مسألة اصطلاحية تتوقف على ما اتفق عليه عموم الأشخاص في جماعة لغوية معينة.
الاستخدام القياسي للرموز في جماعة بعينها هو أمرٌ يتوقف على اتفاق الناس ككتلة وحشد.
صيحات الأزياء وغيرها من الموضات في شتى المجالات هي، بحكم التعريف، ميل الأغلبية من الناس، أو ميل سراة الناس وصفوتهم، في مجال معين في زمن معين.
التوجه السياسي في البلاد الديمقراطية يحدده الشعب بوصفه شعبًا، ومِن ثَمَّ فلا مفرَّ في هذا المجال من الاحتكام إلى الاقتراع العام والاحتكام إلى اختيار الأغلبية، «تستند هذه الأشكال السياسية الديمقراطية إلى فكرة أنه ليس هناك فردٌ بلغ من الحكمة أن يعرف للآخرين مصالحهم ووسائل سعادتهم وخيرهم أكثر منهم وأن يفرضها عليهم بغير رضاهم، كل فرد يتأثر في فعله ومتعته بحالته المترتبة على النظام السياسي الذي يعيش في ظله، ومِن ثَمَّ فإن له حقًّا في تحديد هذا النظام.» (^١)
_________________
(١) جون ديوي، «دفاع عن الديمقراطية»، في «الفلسفة وقضايا العصر» الجزء الثاني، ترجمة د. أحمد حمدي محمود، الألف كتاب الثاني ٣٩، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠، ص ٢٤.
[ ٩٥ ]
الفصل العاشر