إنك لا يمكنُكَ أن تصنع عجَّةً دون أن تكسر بيضًا.
لينين
منذ أن جادت قريحة لينين بهذه الصورة المعجبة أصبح هذا التشبيه البياني في القلب من فلسفة الثورات والانقلابات، وغدا ذريعةً مقنعةً غاية الإقناع لسحق المعارضة دون رحمة: أية رحمة؟! إنك في مرحلة شديدة الخصوصية من مراحل سير التاريخ، أنت فيها إما قاتل وإما مقتول، وعندما تَقتُل وأنت في هذه المرحلة فإن عليك أن تستأصل؛ لكي تستيقن من أنك وارَيت العدوَّ وثأره، أي أن تتخلص من الطبقة الحاكمة والمعارِضة وكلِّ من لديه بهما أدنى صلة حتى الأجنة في البطون! حسنٌ فالغاية تبرر الوسيلة على
[ ١٣٩ ]
كل حال، وقسوتُك، بعد كل شيء، مبطنةٌ بالرحمة: الرحمة بالطبقات الكادحة وهي الغالبية العظمى دائمًا وأبدًا!
غير أن هذه «المرحلة التاريخية» (التي تُصوَّر دائمًا على أنها عابرةٌ مؤقتة) تظل «مقيمة» لا تبرح! فلما كانت الأهداف المثالية البعيدة المنال يتأخر مجيئها طويلًا، وفترة خنق النقد والمعارضة تطول أكثر فأكثر، فإن الاضطهاد والاستبداد سيزدادان حِدةً (وإن خلصت النوايا)، وبالضبط لأن المقاصد والأهداف تُرَى مثالية فإن الفشل المستمر في تحقيقها جديرٌ بأن يؤدي إلى القذف بالتهم وادعاء أن «شخصًا ما يهز القارب!» - لا بُدَّ أن هناك تخريبًا، أو تدخلًا أجنبيًّا، أو قيادةً فاسدةً (إذ إن جميع التفسيرات الممكنة التي تستثني الثورة نفسها تتضمن بالضرورة خبثًا وشرًّا من جانب شخصٍ ما)، حينئذٍ تبرز ضرورة كشف المذنبين واستئصال شأفتهم، ومن طلب مذنبين وجد مذنبين! وهنا يكون النظام الثوري قد غرق إلى الأذقان في دمٍ غليظ. (^١)
ولعل الترياق الشافي من هذا الأنالوجي الدموي هو أنالوجي مثله! هو تشبيه «قارب نويرات» (نسبة إلى أوتو نويرات Otto Neurath من حلقة فينا):
إن البشر أشبَهُ ببحارة سفينةٍ في عرض البحر: يمكنهم أن يُصلِحوا أي جزء من السفينة التي يعيشون فيها، ويمكنهم أن يصلحوا السفينة كلها جزءًا جزءًا، ولكن لا يمكنهم أن يصلحوها كلها دفعةً واحدة.