﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ (المؤمنون: ٩٦).
أجدَرُ بمن ذاق مرارة الظلم أن يُعفِي منه ضحايا جُدُدًا.
يبدو أن العدالة تقتضي أن يكون الطرف المتضرِّر هو نفسه بريء الساحة، يتجلى ذلك فيما نأخذ به عادةً من مبادئ تحملنا على كفِّ الملام عن الطرف المتهم إذا كان المجني عليه يرتكب الفعلَ ذاتَه:
من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر.
اللي بيته من إزاز
[ ٧١ ]
وكثيرًا ما يُستغل هذا الميل الفطري لدى البشر لخلق تعاطفٍ مع المتهم وصرف الانتباه عن جريمته النكراء بتبيان أن المتضرِّر نفسه يرتكبها، ذلك منطقُ الاستحلال والاستباحة، وهو منطق مغلوط؛ لأنَّ قُصارَى ما يمكن أن يبرهن عليه هو أن الطرفين كليهما على خطأ.
لا شك أنَّ العدالة تقتضي المعاملة بالمثل، غير أنَّ هذا المبدأ نفسه لا يجعل من الخطأ صوابًا، وإلا اختلطت الأمور واغتُفِرت الجرائم وبُرِّئَ المجرمون، بل كوفِئوا، بالنظر إلى أن الآخرين قد ارتكبوا في حقهم نفس الظلم.
تتغذى العداواتُ والضغائن، بين الأفراد وبين الشعوب، على هذه المغالطة العتيدة، وعليها تقوم جريمة الثأر وتجد تبريرًا وجيهًا، فمظالم الماضي تظل حيةً صارخةً تُفسد على الناس حاضرهم وتهدِّد مستقبلَهم، إنما الدولة هي مَنْ يتولَّى تصويب أخطاء الأفراد، والمجتمع الدولي هو مَنْ ينبغي عليه أن يتولى تقويم زيغ الشعوب؛ حتى لا نقنع بدفع الظلم بالظلم وتصويب الخطأ بالخطأ.