يُقَسِّم جان بياجيه مراحلَ النمو المعرفي للإنسان إلى أربع مراحل، يعدها بيولوجية عمومية تشمل أفراد البشر جميعًا: الأولى: هي المرحلة الحسية الحركية sensorimotor «من الولادة إلى سن سنتين» حيث لا توجد بناءات ذِهنية (مخطَّطات)، وحيث يَسعى الرَّضيع إلى تكوين هذه البناءات من خلال استكشاف البيئة. والمرحلة الثانية: هي مرحلة ما قبل العمليات pre-operational «من سن سنتين إلى سبع»، وفيها يكتسب الطفل اللغة، ويكوِّن بناءات ذهنية أكثر تعقيدًا، وإن تكن قبل-منطقية pre-logical، فما يزال غير قادر على أن يفهم أن جوهر الشيء لا يتغير، وإن تغير شكله وهيئته، ولا يزال غير قادر على «فض المركزية» decentering أي الانفصال عن ذاته ورؤية الأشياء من منظورٍ مختلف. والمرحلة الثالثة: هي مرحلة تفكير العمليات العيانية concrete operational «من سن سبع سنوات وحتى المراهقة»، وفيها يتفهم ثبات الجوهر، ويتخذ منظورات مغايرة، ويبدأ في التساؤل عن الحياة ويحل المشكلات ولكن بشكلٍ عشوائي، إنها عمليات منطقية ولكنها ما تزال لصيقة بالعالم المادي العياني والأفعال المادية العيانية. والمرحلة الرابعة: هي مرحلة العمليات الصورية Formal operational، وفيها تواتيه القدرة على التفكير المنطقي المعقد، والتفكير التجريدي غير المرتبط بالأشياء والأحداث المادية، والتفكير الافتراضي، والحل المنطقي للمشكلات.
يقترح بعض المنظِّرين إضافة مرحلة خامسة أرقى من هذه المراحل الأربع، هي مرحلة التفكير الجدلي Dialectical thinking، وهي مرحلة بعد - منطقية، إن صح التعبير، وفيها يكتسب المرءُ التفكير النقدي، ويدرك مفارقات الحياة، ويتناول الأسس التحتية التي يقوم عليها المنطق ويحللها ويضعها موضع التساؤل والنقد، وهي مرحلة غير عمومية وغير بيولوجية ولا يبلُغُها المرء إلا بالتعلُّم والتدريب والممارسة.
يتألف التفكير النقدي من ثلاث مراحل: (١) الوعي بوجود افتراضات assumptions (^١) أساسية. (٢) التصريح بهذه الافتراضات وإخراجها إلى واضحة النهار. (٣) تسليط أضواء النقد على هذه الافتراضات: هل هي ذات معنى؟ هل تنسجم مع الواقع كما نفهمه ونعيشه؟ متى تَصِح هذه الافتراضات ومتى تبطل؟
_________________
(١) الافتراض assumption هو نقطة بداية مُسلَّم بها دون نقاش أو جدل، إن ما بوسعك أن تثبته خلال نقاش أو حجة سيعتمد دائمًا على الافتراضات التي تبدأ منها.
[ ٢١ ]
في غياب التفكير النقدي نكون رهائن للمؤثرات المحيطة: فلا يسعنا إلَّا أن نُكرر، تكرارًا أعمى، تلك الاستجابات التي تعلمناها من قبل، ولا يسعنا إلا أن نقبل، قبولًا أعمى، كل ما يقال لنا في أبواق الدعاية السياسية والتجارية، وفي الصحافة والكتب، وكل رأي يصدر عن «سلطة».
إن التفكير النقدي والعلمي ليس شيئًا فطريًّا نأتيه بالطبيعة ونعرفه بالسليقة، وإنما هو عمل حرفي يتطلب حذقًا ومهارة، ليس من الصحيح أن لدينا قدرة طبيعية على التفكير الواضح والنقدي بغير تعلم وبغير ممارسة، ولا ينبغي أن نتوقع من غير المدرَّب أن يُفكِّر تفكيرًا واضحًا أكثر مما نتوقع من غير المدرَّب أن يجيد لعب التنس أو الجولف أو العزف على البيانو.
ذلك أننا إذ نمارس التفكير العلمي والنقدي إنما نمضي ضد مقاومةٍ شديدة ونسبح ضد تيارٍ عارم من التحيزات المتأصِّلة والأوهام الجِبِلِّية، ونتجشم اجتياز العديد من العوائق «الطبيعية» التي تحول بيننا وبين التفكير الواضح: فنحن بطبيعتنا لا نتحمل الغموض ولا نطيق معايشة السر! وإن بنا نزوعًا طبيعيًّا إلى طلب اليقين حيث لا يقين، والتماس الإجابات البسيطة عن الأسئلة المعقدة، وشغفًا بالدعاوى العريضة و«نظريات كل شيء» محمولة على ظهر بيِّنةٍ ضامرة هزيلة، وميلًا إلى الأخذ بالفرضيات التي تُرضِي رغائبنا وتدغدغ أمانينا، والالتفات إلى أضغاثٍ من الأمثلة التي تُؤَيِّد فرضيتنا وغض الطرف عن تلال من الأمثلة المفنِّدة، وإلى تذكر الرميات الصائبة وتناسي الرميات الخائبة، وإلى أخذ الاستعارات التوضيحية والتشبيهات المقرِّبة مأخذ الدليل، وإلى الانضواء مع القطيع والتلفُّع بالرايات والانضمام إلى «الزفة»، وإلى قتل الرسل بدلًا من تفنيد الرسالة، وإلى التخلص من عبء البرهان وإلقائه على عاتق الخصم، وإلى الاستدلالات الدائرية وتحصيلات الحاصل، وإلى التعويل الزائد على السلطة والانبهار الزائد بالمشاهير، وإلى التعميم الكاسح المتسرع، وإلى تحويل التعاقُب أو الاقتران إلى عِلِّيَّة، … إلى آخر تلك الأغاليط التي نغرق فيها إلى الأذقان، والتي يتناولها هذا الكتاب بالتحليل والدرْس.
يمضي التفكير النقدي ضد هذه المقاومات الشرسة، فيحتاج إلى طاقة نفسية كبيرة، غير مقصورة على الذكاء الذهني المحض … يحتاج إلى شيء من «الذكاء الانفعالي» emotional intelligence: إلى التسامح، والتعاطف، و«المواجدة» empathy أي قدرة المرء على أن يضع نفسَه موضعَ الآخر، ويرى الأمور من وجهة نظر الآخر، ويتخذ الإطار المرجعي
[ ٢٢ ]
للآخر، القدرة على اكتشاف «ماذا يشبه أن يكون» what it is like أن يعتقد المرء تلك الأفكار التي يضعها موضع التساؤل (^١) قبل أن يهم بتقويضها.
إنها رحلة طويلة شاقة، ليس لها خرائط محددة، غير أننا لا نعدم بعض المبادئ المرشدة:
فكِّر بنفسك لنفسك؛ ذلك لأن التقدم في التفكير النقدي لا يتم إلا كرحلة فردية وكدحٍ شخصي، صحيح أن هناك سُبُلًا كثيرة يمكن أن تجعل من الفلسفة جهدًا مشتركًا ومهمة جماعية، شأنها في ذلك شأن العلم، إلا أن على كل شخص في النهاية أن يفكر لنفسه، وألا يَكِلَ إلى غيره أن يفهم نيابةً عنه («افهم لي ذلك من فضلك» هو نموذج لطلبٍ مستحيل!) (^٢)
اكتسب القدرة على الانفصال عن رأيك، و«مَوضَعَتِه»، ووضعه على محك التحليل والنقد، مثلما تفعل مع آراء الغير.
لا تُصدِّق كلَّ ما تسمع، ونصفَ ما ترى! ولا تبخل بجهدٍ من أجل الخروج من «مركزية العرق» ethnocentrism … من كهف الآراء الشائعة في عُرف جماعتنا الإثنية، والتمييز بين حقائق العالم وبين مجرد المسايرة لما تَصادَفَ أن يكون هو رأي الأسلاف أو اتَّفق أن يكون هو الرأي السائد في مسقط رأسنا وزمان وجودنا.
كن على استعداد، من حيث المبدأ، للتخلي عن رأيك إذا ما تَبَيَّن خطؤه، اسأل سؤالًا حقيقيًّا، سؤال مَنْ يبحث عن الحق لا عن مجرد تبرير لما يعتقده سلفًا.
تعلَّم كيف تَسُل الافتراضات التي تتبطن الرأي، وتضعها تحت أضواء النقد، ليكن ولعُك بالأسس، وانتحاؤك إلى الأسس.
لا تُسقط رغباتِك على الأشياء ولا تجعل من أمانيك معيارًا للحق، فأكبر الظن أن العالم لم يُخلق من أجلها ولم يُفصَّل على مقاسها.
«خذ» البلاغة، ولا «تؤخذ» بها، وفرِّق دائمًا بين الخطابة والبرهان، ولا يَخْلِبك زخرفُ القول عن جوهر الحجة، ولا تقف عند التشبيه البليغ وتظنه المحطة النهائية وتأخذه مأخذ الدليل.
_________________
(١) يطلق على ذلك «لعبة الاعتقاد» the believing game، كمقابلٍ ل «لعبة الشك» the doubting game.
(٢) وليم جيمس إيرل: «مدخل إلى الفلسفة»، ترجمة: عادل مصطفى، المشروع القومي للترجمة، العدد ٩٦٢، المجلس الأعلى للثقافة، ٢٠٠٥، ص ٣٥.
[ ٢٣ ]
لا تجعل من درجة حرارة الاعتقاد معيارًا لصوابه، فكثيرًا ما تتناسب قوة هذا الانفعال عكسيًّا مع قوة البينة، بحيث يمكننا تعريف «التحيز اللامعقول» بأنه «ما يجلب الغضب عند مساءلته»، ويمكننا أن نحدد مكمن تحيزاتنا بأن نلاحظ متى أخرجتنا الآراءُ الأخرى عن طورنا وأثارت غضبنا!
ومهما بلغ نضجُك في التفكير النقدي ستظل بحاجة أبدًا إلى تحصيل العلم واكتساب المادة المعرفية التي تُعمِل فيها فكرَك النقدي، ولا يَغِب عن بالك قولُ رَسِل «المنطق والرياضيات هما أبجدية كتاب الطبيعة، وليسا الكتاب نفسه!»
وأخيرًا، تَعَوَّد صحبةَ السِّر، وتَذَوَّق لذةَ التساؤل.
الأجوبةُ تُثقِلُك وتُطفِئُكَ وتُجمِّدُك،
وَحدَها الأسئلة ما يَشُوقُك ويهزك ويحدوك،
وربما اقتضى المرءَ عمرَه كله كي يَعرِفَ أن هذا الشوقَ وهذا الولوع هو الغاية القصوى والثروة النهائية.
عادل مصطفى
Philoadel@yahoo.com
[ ٢٤ ]
الفصل الأول