ذات يومٍ في الزمان … أخذ الديك غرورٌ قاتل، … فصاح معجبًا: إنني حقًّا ملك المزبلة، بل مَلكُ العالم، … إني لأستلُّ الفجر من مكمنِه بصياحي، … وبوسعي إن شئت أن أكُفَّ عن الصياح فأجعل الليل سرمدًا، … جذب الصوت شقيًّا كان يفتشُ في المزبلة عن رزقٍ، … فجعلَ من الديك وجبةً دسمة هذا ولم يزل الفجر يطلع على الأرض إلى يومنا هذا.
يصيح الديك قبل الفجر، ثم يأتي الفجر وينبلج الصباح، إذن صياح الديك يُطلع الصبحَ ويسُلُّ الشمسَ من مكمَنِها، هكذا فَكَّر الديكُ وهكذا تمضي «المغالطة البعدية» a posteriori fallacy، تفيد المغالطة البعدية أنه ما دام شيءٌ ما قد أتى بعد شيءٍ آخر
[ ١٢٣ ]
فهو إذن قد أتى بسببه، لقد حدث بعَقِبِه إذن فقد حدث بسببه، أليست المعلولات دائمًا تأتي في أعقاب العِلل؟
إن المعلومات لتأتي حقًّا بعد عِلَلها، غير أن هذا «شرطٌ ضروريٌّ» necessary condition لعلاقة العلية وليس «شرطًا كافيًا» sufficient condition، فلكي يوصف حدث ما «أ» بأنه «سبب» لحدث آخر «ب» ليس يكفي أن يأتي قبله، فإثبات علاقة العلية يتطلب ما هو أكثر من مجرد التعاقب أو الارتباط: يتطلب أن جميع أفراد فئة «ب»، في عينات وافرة وممثِّلة للفئة «ب»، تأتي دائمًا وأبدًا بعد جميع أفراد فئة «أ»، وتغيب دائمًا «ب» في غياب «أ»، مع شيء من التجاور في المكان والزمان، وغياب أي عامل آخر قد يكون وراء حدوث الاثنين معًا … إلى آخر ذلك مما فَصَّله البحث العلمي عن شروط إثبات العلاقة السببية، والطرائق العملية والإحصائية لإثبات ذلك.
أما الاكتفاء بمجرد التعاقب الزمني كدليل على علاقة السببية فهو تفكير شديد الفجاجة والسوقية، وهو سوقي لأنه يتسم بالشيوع والدخل، وبه يَتَقَوَّم كلُّ التفكير الخرافي والسحري وحكايا العجائز والوصفات الطبية الشعبية وثرثرة مجالس الفراغ والتبطُّل.
حين نضع جانبًا ذلك التصور اليومي عن العلة والمعلول، ونتأمل الأمر بدقة وحيدة وعمق نجد أننا، رغم توهمنا فهم الآليات التي يؤدي بها كل حدث إلى الآخر، لا نشهد في الحقيقة شيئًا اسمه «العِلِّيَّة»، وكل ما نشهده هو تواترات وارتباطات وتتابعات من الأحداث، بحيث تَئُول فكرة السببية في النهاية إلى «توقعنا» للاطراد والارتباط، تقترب الإصبعُ من اللهب فتتألم، فنسمي اللهب «سببًا» cause والألم «مسبَّبًا» effect أو «معلولًا» أو «نتيجة»؛ لأننا نتوقع الثاني كلما حدث الأول، ونحن بالطبع نلفق تفسيرات لنملأ الثغرات غير المرئية بين الحدثين، فكيف عرفنا أن هذه الأحداث غير المنظورة هي الأسباب حقًّا؟! لا شيء … إنها تتوالى دائمًا ويعقب بعضها بعضًا! (^١) هذه الفجوة في معرفتنا هي مرتعٌ خطيبٌ وملاذٌ آمنٌ للمغالطات.
كان مؤرخو الإغريق دائمًا يُفسِّرون الكوارث الطبيعية كنتاجٍ لأفعال البشر، فإذا حدث زلزالٌ مروِّعٌ مثلًا ودَمَّر مدينةً بكاملها، فإن هيرودوت يعمد بهمةٍ وجد إلى تفصيل
_________________
(١) لاحظ أن تَعَطُّل أي جزء من المسار العصبي لإحساس الألم سوف يجعل اقتراب الإصبع من اللهب غيرَ متبوعٍ بألم.
[ ١٢٤ ]
الأحداث البشرية السابقة على الزلزال، ثم يستنتج أن المذبحة التي ارتكبها أهل المدينة، مثلًا، قبل الزلزال كانت سببًا في وقوعه.
وقد قدم عالم الاجتماع الأمريكي جراهام سَمنَر نظريته فيما أسماه ب «الطرق الشعبية» أو «العادات الشعبية» folkways، التي ترد الأحكام الأخلاقية إلى مظاهر لا عقلية في أساسها، لقوى اجتماعية هي ذاتها غير عقلية، هذه الطرق الشعبية هي عادات شعبية مستقلة عن أفكارنا عنها، ولا تسير حسب قواعد معقولة، وهي لا تتفق إلا مع المزاج أو الموقف العام لزمانها ومكانها المعينين، ولها ما يمكن أن يُعد حياةً خاصة بها، ذلك أن سمنر يرى أنها تولد وتكبر وتموت ولا يمكن أن يؤثر فيها تأثيرًا يُذكر إلا قوى قليلة (منها التعليم)، (^١) من هذه الطرق ما هو ناتج عن استدلال خاطئ، وبخاصة خطأ «السبب الزائف»، يقول سمنر: إنَّ الطرق الشعبية قد تكوَّنت بطريق المصادفة، أو بواسطة فعلٍ غير عقلاني وقائم على معرفةٍ زائفة، من ذلك أن وباء الطاعون لما تَفَشَّى في مولمبو Molembo عقب وفاة أحد البرتغاليين اتخذ الأهالي كل الاحتياطات الممكنة لكي لا يموت رجلٌ أبيض بعد ذلك في بلدهم، ومن ذلك ما حدث في جزر نيكوبار على أثر وفاة بعض من السكان الأصليين كانوا قد بدءوا لتوهم في مزاولة حرفة الخزف، إذ انفض الجميع عن مزاولة هذا الفن ولم يَقرَبه أحد بعد ذلك على الإطلاق، ومن ذلك ما حدث في إحدى قرى جنوب أفريقيا حين أهدى البيضُ رجلًا من البوشمن عصا مرصعة بالأزرار كرمزٍ للسيادة، إذ توفي الرجل وخلف العصا لابنه، وسرعان ما توفي الابن، فأعاد البوشمن العصا إلى من أهداها خشية أن يموت الجميع، وقد تصادف مرة أن انتشر الجدري بين شعب الياكات بعد أن شهدوا جَمَلًا لأول مرة، فوقر في ظنهم أن الجمل هو الذي أحدث المرض … وبوسعنا أن نجمع ما لا يُحصى من هذه الشواهد، وهي في الحقيقة تمثل الطريقة المتبعة في الاستدلال العقلي لدى الشعوب البدائية، فمن عادة هؤلاء الأقوام إذا حدث شيءٌ «بعد» شيء آخر أن يستدلوا من ذلك أنه حدث «بسببه». (^٢)
_________________
(١) هنترميد: «الفلسفة، أنواعها ومشكلاتها» ترجمة: د. فؤاد زكريا، الطبعة الثانية، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، ١٩٧٥، ص ٣٧٦.
(٢) Sumner، W.G. "Ethics are Relative"، In James A.Gould (Ed.)، Classic Philosophical Questions، second edition، Charles E.Merrill Publishing Company، Howell Company، Columbus، Ohio ٤٣٢١٦، pp. ٨٤ - ٨٥.
[ ١٢٥ ]
وما تزال هذه الطريقة في التفكير تعشش في أذهاننا حتى اليوم، فالتسونامي الآسيوي سببه تفاقم ذنوب البشر (مع أن التسونامي نتاج زلزال تحت المحيط ناجم عن انزلاقٍ طبقي، والضحايا ربما كانوا أقل أهل الأرض ذنوبًا) وإعصار كاترينا سببه السياسة الأمريكية (مع أن الأعاصير سببها حركة الرياح فوق ماء المحيط)، وما دامت هناك حقًّا فجوة في معرفتنا، فلن يمكنك أن تُقنع من مال به هواه إلى تفسيرٍ معينٍ دون سواه.
على هذه المغالطة السوقية تقوم حِرَفٌ وترتزق طوائف: العِرافة والفأل والتنجيم والرُّقي والتعازيم والكهانة والعلاج الشعبي.
يُبشِّرك العرَّاف بأحداثٍ سعيدة، وتأتيك أحداثٌ سعيدة؛ لأن الأحداث السعيدة تحدث طوال الوقت على كل حال، ويُنْذِرُك المنجِّم بعواقب وخيمة، وتنزل بك نوازل غير سارة؛ لأن النوازل غير السارة تنزل دائمًا على كلِّ حال، ويصف لك المشعوذ حجابًا يشفي مرضك، ثم تُشفَى من المرض؛ لأن أغلب الأمراض يُشفى تلقائيًّا بمرور الوقت (وإلا لما بقي حيٌّ على الأرض إلى اليوم) يتذكر الناس الرميات الصائبة والتوقعات الناجحة، ويتداولونها فيما بينهم مضخَّمة ومُنتقاة، فتستقر في ذاكرتهم دليلًا على صدق العراف أو المنجِّم أو المعالج، بينما تُنسى تلقائيًّا تلك الرميات الخائبة والتوقعات الفاشلة، وهي الأكثر والأعم بما لا يُقاس، وتنسدل عليها ستائر النسيان.
تُسمَّى هذه الظاهرة في العلم «مشكلة درج السِّجلات» (أو درج الملفات) file drawer problem: وهي مشكلة تنجم حين يحاول العلماء تحديد ما إذا كانت نتيجة ما هي حقيقية أم زائفة بناءً على التراث البحثي المنشور، تأتي المشكلة عندما تكون هذه النتيجة هزيلة (أو غير موجودة) ولا تحدث إلا مصادفةً، ومِن ثَمَّ فإن من يقع عليها من الباحثين يُسَجِّلها وينشرها، مصحوبةً بالهتاف والتهليل، أما الباحثون الذين لم يقعوا على هذه النتيجة قَطُّ فإنهم لا ينشرون أبحاثهم عادةً وإنما يلقون بها في أدراج السجلات، هكذا تبدو الظاهرةُ الزائفة حقيقةً علمية، لا لشيء إلا لأن الأبحاث العديدة المكذِّبة لها قد طويت في الأدراج، بينما نُشرت الأبحاث القليلة الشاذة التي تؤيد الظاهرة، فكانت لافتةً للأنظار بصخبها وبريقها.
[ ١٢٦ ]