نَزْغٌ في قلب البحث الطبي
ثمة ظاهرة ينبغي إلحاقها بمغالطة السبب الزائف، وهي ظاهرة طبية لافتة يُقال لها «الأثر البلاسيبي» placebo effect، وهو تَحَسنٌ صِحي، محسٌّ أو ملاحَظ أو مَقيس، لا يُعزَى إلى العلاج، وتعبير placebo هو تعبيرٌ لاتيني يعني «سوف أسُرُّ» أو «سوف أُرضِي»، والبلاسيبو هو دواء، أو إجراء علاجي، يعتقد المعالج أنه خاملٌ أو «لا يَضُر»، قد يكون البلاسيبو حبوبًا من السكر أو من النشا، وحتى الإجراء الجراحي الزائف، أو العلاج النفسي الزائف، قد يُعَد ضربًا من «البلاسيبو».
وفي الدراسات الطبية عن الأثر العلاجي الحقيقي لدواءٍ مقترح يستخدم الباحثون، إلى جانب مجموعة المرضى الذين يعالجون بالدواء، «مجموعة ضابطة» control group تتناول البلاسيبو بدلًا من الدواء الحقيقي، وذلك حتى يتسنَّى ملاحظة الفرق بين تأثير
[ ١٢٧ ]
العلاج الحقيقي وتأثير العلاج الوهمي (إذ إن للعلاج الوهمي تأثيرًا!) وقياس مدى أفضلية الدواء الجديد على البلاسيبو، والبرهنة مِنْ ثَمَّ على أنه علاج حقيقي فعال.
يرد بعض الباحثين هذا الأثر البلاسيبي إلى مجرد شعور «ذاتي» بالتحسن كنتيجة للاعتقاد في العلاج والإيمان بتأثيره الشفائي، ويرده البعض إلى «المسار الطبيعي» natural course للمرض، بما يعتريه من «اشتدادات» exacerbations و«هدآت» remissions وفترات هجوع طويلة وتراجع طبيعي، وربما الشفاء التلقائي التام كمآلٍ طبيعي لكثير من الأمراض والإصابات.
غير أن تراكم الأبحاث وتواتر الملاحظات المؤيِّدة للأثر البلاسيبي يُشير إلى أن الأمر أكبر من مجرد إحساس ذاتي زائف: ثمة تحسن حقيقي مشهود وموثَّق ومَقِيس، حتى في بعض الأمراض العضوية المكينة:
يزيل بعض الأطباء أنواعًا من الزوائد الجلدية بدهانها بصبغة خاملة براقة والوعد بأنها تزول مع زوال الصبغة!
وفي دراسات عن الربو الشعبي تبين أن استنشاق بلاسيبو يُوسِّع الشعب الهوائية توسيعًا حقيقيًّا مَقِيسًا.
وفي التهابات القولون وُجد تحسنٌ حقيقي في خمسين بالمائة من المرضى إثر تعاطيهم دواءً خاملًا (بلاسيبو).
ومن الروايات البحثية الفذة ما سجله أحد أطباء القلب بصدد الإجراء الجراحي المعروف بربط الشريان الثديي الداخلي في بعض حالات الذبحة الصدرية (لزيادة المدد الدموي إلى عضلة القلب): فقد وجد الأطباء، بالمصادفة، أن الجراحة الوهمية المتضمنة لمجرد الفتح الجراحي من دون ربط الشريان قد أدت إلى نفس الأثر العلاجي. (وهو تحسن ٩٠؟ من المرضي!)
في ضوء هذه النتائج الملموسة الثابتة ربما يكون التفسير الأمثل لظاهرة «الأثر البلاسيبي» هو التفسير البيوسيكولوجي، فمن الواضح أننا بإزاء ظاهرة معقدة ربما لا يسعها إلا تفسير مركب يضفر التفسير النفسي بتفسير بيوكيميائي: فمن شأن «الاعتقاد» في العلاج، ومشاعر الاهتمام والرعاية، والمساندة والتشجيع والأمل، التي يبثها الموقف العلاجي، أن تستفز في الجسم آلياتٍ فسيولوجية تُفضي إلى أثر فيزيقي حقيقي:
قد يكون هذا الأثر من خلال إطلاق «الإندورفينات» endorphins في مواضعها ومساراتها العصبية.
[ ١٢٨ ]
وقد يكون من خلال حفز جهاز المناعة.
وقد يكون من خلال تنشيط محورٍ عصبي هرموني هو «محور المهاد التحتي-النخامية-الكظرية» hypothalamo-hypophyseal-adrenal axis.
لعلَّ هذا الهامش الشفائي الذي يتيحه الأثر البلاسيبي (إلى جانب الهجوع التلقائي للمرض) هو الباب الموارَب الذي ينفذ منه الدجالون والأدعياء، والكثير من ألوان ما يُسمى ب «الطب البديل» alternative medicine، إلى الساحة العلاجية: العلاج بالرقى، العلاج بالزار، العلاج بالعطور، «العلاج المِثلي» homeopathy، «الانسجام الحيوي» bioharmonics، «الكيروبراكتيك» (العلاج بتقويم العمود الفقري يدويًّا) chiropractic … إلخ.
قد يقول قائل: وما الضَّير؟! وماذا يُجديني أن أعرف كيف يحدث الشفاء ما دام الشفاء يحدث؟
والجواب أن هذه الضروب من «تناسخات البلاسيبو»، على فوائدها التصادفية في بعض الحالات، إنما تُغشِّي على المسار الجاد للبحث الطبي الحقيقي، وتُضِلُّ عن التماس العلاج الصحيح في مظانه الصحيحة، وتستبدل به هُراءً بلاسيبيًّا «تَفتُّه» لأناسٍ ذاهلين بالمرض غارقين في الأغاليط، إن البلاسيبو لن يستأصل ورمًا، ولن يجبر كسرًا، ولن يكبح صَرَعًا، ولن يُوقف نزيفًا، ولن يغسل كلَى، ولن ينقذ حالة حرجة … ولو كان هامش البلاسيبو يكفي لعلاج الناس لما نشأ المرفق الطبي لدى البشر منذ البداية.
وبعد، فإن تناسخات البلاسيبو تريد أن تبيعنا بضاعةً بأكثر من ثمنها، فالأثر البلاسيبي قائم ومبذول ومتضمَّن ومبيَّت سلفًا في كل دواء وفي كل إجراء علاجي، إنما تسعى الأبحاث الدوائية إلى إثبات جدوى علاجية تتجاوز الأثر البلاسيبي بفارقٍ ذي دلالة.
[ ١٢٩ ]
الفصل السادس عشر