بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
فلا زال الحديث فيما يتعلق بباب القضايا، والقضايا جمعُ قضية، وعرَّفها المصنف بأنها (قَوْلٌ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلهِ إِنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ أَوْ كَاذِبٌ) يعني: فيه.
ثم قسَّم القضية إلى حملية كقوله: زيدٌ كاتب، وإلى شرطية.
القضية: إما حملية وإما شرطية، وعرفنا الفرق بينهما.
ثم قسّم الشرطية إلى: متصلة ومنفصلة، وعرفنا الفرق بينهما.
ثم بيّن أن القضية لها ثلاثة أجزاء: الجزء الأول: الحملية يسمى موضوعًا.
الثاني: محمولًا، والثالث: النسبة الواقعة بينهما.
ثم قسَّم القضية باعتبار إيقاع النسبة وانتزاعها، إيقاع النسبة يعني: إدراك وقوع النسبة.
والنسبة -المراد النسبة الكلامية- أي: موافقتُها للنسبة الواقعية، وانتزاعها أي: إدراك أن النسبة الكلامية ليست واقعة، ولا موافقةً للنسبة الواقعية، قسَّمها إلى قسمين: إما موجبة وإما سالبة.
ثم قال: (والموجَبة إما محصَّلة وإما معدولة).
ثم قال -المحل الذي وقفنا عنده-: (وكلٌ منهما إما مخصوصةٌ كما ذكرنا وإما كُلّيّة) كلٌ منهما هذا يتعلق البحث بتقسيم الموجبة والسالبة.
(وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أي: من الموجبة والسالبة.
(إِمَّا مَخْصُوصَةٌ) يعني: إما تسمى مخصوصة.
(كَمَا ذَكَرْنَا) يعني: في المثالين كما قال الشارح هنا: (كما ذكرنا في المثالين المذكورين) أي: زيدٌ كاتب، زيدٌ ليس بكاتب.
لما قال: تنقسم النسبة بحسب انتزاعها قال: موجبة وسالبة. زيدٌ كاتب، زيدٌ ليس بكاتب. هذه يسمى مخصوصة.
(في المثالين المذكورين) أي: زيدٌ كاتب، زيدٌ ليس بكاتب (آنفًا) أي: قريبًا، بالمد -مدِّ الهمزة- وكسر النون (آنِفًا) أي: قريبًا.
ثم قال: (وسُمِّيت مخصوصة لخصوص موضوعها) يعني: كونِه خاصًا لا يقبل الاشتراك كزيد .. زيدٌ كاتب، وهذا عالم، وأنا قائم.
يعني: مر معنا أن المفرد إما كُلّي وإما جزئي، الجزئي هو المراد هنا .. بأن يكون الموضوع هنا جزئيًا بمعنى أنه لا يقبل الاشتراك، هذا معنى الخصوصية.
وسُمّيت مخصوصة لخصوص موضوعها ما يقابل الكلِّي، يعني: كونه خاصًا لا يقبل الاشتراك كزيد، زيد قلنا هذا جزئيٌ وهو محل وفاق علم شخصي، زيدٌ كاتبٌ، هذا قلنا اسم الإشارة جزئيٌ من حيث الاستعمال، وإن اختُلف فيه من حيث الوضع، هذا عالمٌ وأنا "ضمير" قائمٌ.
إذًا: أسماء الأعلام الشخصية جزئية، وكذلك أسماء الإشارة والضمائر، هذا الصحيح أنها جزئية وخاصةٌ من جهة الاستعمال.
حينئذٍ إذا صُدِّرت الجملة بها نقول: هذه جزئية، هذه مخصوصة. أو تسمى شخصية.
(وسُمّيت مخصوصة لخصوص موضوعها).
قال العطار: (أو لاختصاص حُكمها).
يعني: إما أن يُنظر إلى الحكم بأنه ليس كليًا، أو يُنظر إلى الموضوع ولا إشكال، كلاهما متلازمان.
[ ١١ / ١ ]
إذا كان الموضوع خاصًا لزم منه أن تكون النسبة خاصة، وإذا كانت النسبة خاصة لزم منه أن يكون الموضوع خاصًا لا ينفك أحدُهما عن الآخر، فسُمّيت مخصوصة إما لخصوص موضوعها، أو لاختصاص حُكمها؛ لأن الكُلّيّة والجزئية كذلك مدارُ النسبة.
(ويقال لها) يعني: تسمى مع كونها مخصوصة.
(ويقال لها) يعني: للمخصوصة (شخصيةٌ) أيضًا كما يقال لها: مخصوصة، لماذا؟
(لتشخُّص موضوعِها أي: تعيُّنه وكونِه جزئيًا حقيقيًا، فدَخل فيه سائر المعارف) كما مثَّل المحشِّي هنا: زيدٌ كاتب، هذا عالمٌ، أنا قائمٌ .. هذه كلها نقول: شخصيات وهي كذلك مخصوصات لكون الموضوع فيها شخصيًا جزئيًا، ولكون كذلك الحكم فيها مختصًا .. اختصاص حُكمها.
(ويقال لها شخصية لتشخُّص موضوعها أي: تعيُّنِه وكونه جزئيًا حقيقيًا، فدخل فيه سائرُ المعارف) هذا النوع الأول يسمى مخصوصة.
(وإما) هذه مقابل للمخصوصة.
(وَإِمَّا كُلِّيَّةٌ مُسَوَّرَةٌ) نعتٌ لها (مُسَوَّرَةٌ) (أي: مشتملةٌ على السُّور الكلِّي الدال على الحكم على كل فردٍ من أفراد موضوعها الكلِّي).
(كُلِّيَّةٌ) يعني: موضوعُها كُلّي، يقابل المخصوصة.
(مُسَوَّرَةٌ) يعني: أحاط بها لفظٌ، هذا اللفظ يسمى سورًا "وسيأتي تعريفه" يدل على أن الحكم منزَّلٌ مُنصبٌّ على كل فردٍ من أفراد الكلي.
فإذا قلت: كل إنسانٍ حيوان، إنسان قلنا هذا كُلّي؛ لأنه يقبل الاشتراك -ما أفهم اشتراكًا- حينئذٍ إنسان كُلّي.
الإنسان حيوان، حيوان هذا محمول، تقول: كل إنسانٍ.
الإنسان حيوان هذه كُلّيّة، وهي مهملة كما سيأتي، حينئذٍ إذا أَدخلتَ عليها السور الكلِّي "كلُّ إنسانٍ حيوانٌ" هذه كُلّيّة مسورة وهي المعنية هنا.
قال: (وَإِمَّا كُلِّيَّةٌ مُسَوَّرَةٌ) إما بسُورٍ كُلّي أو جزئي كما سيأتي.
(مُسَوَّرَةٌ) (أي: مشتملة على السور الكلِّي) فائدة السور هذا الكلِّي: (الدال على الحكم على كل فردٍ من أفراد موضوعها الكلِّي).
"كل إنسانٍ حيوان" يعني: زيدٌ حيوان، وعمروٌ .. وهكذا، فيصدُق الحكم بالمحمول على جميع الأفراد، بحيث لا ينفك عنه واحدٌ من أفراد الموضوع كما هو الشأن في العام، فيتبَع الحكم كلَّ فردٍ من أفراد الكلِّي، الذي دل على هذا العموم في جميع الأفراد هو السور الكلِّي.
قال: (وَإِمَّا كُلِّيَّةٌ مُسَوَّرَةٌ:
كَقَوْلِنَا) في الموجَبة: (كُلُّ إِنْسَانٍ كَاتِبٌ) يعني: كاتب هذه قد تصدُق وقد تكذب، كل إنسانٍ كاتب بالفعل؟ لا ليست صادقة، كل إنسانٍ كاتب بالقوة؟ صادقة.
إذًا: كل إنسانٍ كاتب يعني: كل فردٍ من أفراد الموضوع يصدُق عليه أنه كاتبٌ بالقوة.
هذه نقول: كُلّيّة مُسورة بسورٍ كُلّي، وهذا السور الكلِّي دل على الحكم على كل فردٍ من أفراد موضوعها الكلِّي، ثم هي موجَبة.
كيف هي موجبة؟ لأنه لم يتقدم عليها سور السلب، وسينصُّ على النوعين، كيف نعرف أن هذا السور للإيجاب وهذا السور للسلب. لهم اصطلاحات خاصة عندهم.
قال: (كُلُّ إِنْسَانٍ كَاتِبٌ) هذه موجَبة وهي كُلِّيّات مسورة بسورٍ كُلّي.
(وَ) في السالبة (لاَ شَيْءَ مِنَ الْإِنْسَانِ بِكاتِبٍ).
[ ١١ / ٢ ]
(لاَ شَيْءَ) هذا سورٌ كُلّيٌ لكنه سالب، نكرة في سياق النفي فتعم، إذًا: سورٌ كُلّي، كيف جاءت الكُلّيّة؟ هذا عموم يعني مثل كل، من أين جاء العموم؟
تقول: نكرة في سياق النفي فيعم (لاَ شَيْءَ مِنَ الْإِنْسَانِ بِكاتِبٍ).
قال: (سُمّيت كُلّيّة لدلالتها على كثيرين) وهذا واضح لأنها تدل على كثيرين.
(بُحث فيه بأن الجزئية والمهملة كذلك) تدل على كثيرين (وأُجيب بأن عِلَّة التسمية لا تقتضيها).
يعني: صار اصطلاحًا، هي في الأصل سُمّيت بذلك ثم صارت حقيقة عرفية فيها، فلا إشكال .. فلا اعتراض.
(وسُميت مسورة لاشتمالها على السور) وهو لفظ "كل"، ولفظ "لا شيء" في المثالين السابقية.
ما هو السور؟
قال: (الذي هو) أي: السور.
(اللفظ الدال على كميّة) يعني: عدد (أفراد الموضوع حاصرًا لها محيطًا بها).
السور هو اللفظ إذًا: يكون لفظيًا، وهذا فيه نظر لأنه قد يكون معنويًا كما سيأتي، لكن هذا الشائع.
(هو اللفظ الدال) إذًا: موضوع وله معنى في لسان العرب، يدل على ماذا؟
(على كميةِ أفرادِ الموضوع) يعني: عدد أفراد الموضوع.
(حاصرًا لها) يعني: هذا السور حاصرًا (لها) أي: لأفراد الموضوع.
(محيطًا) أي: السور الكلِّي، أو هذا اللفظ (بها) أي: بهذه الأفراد.
فهذا التعريف هو المشهور في تعريف السُّور أنه: (اللفظ الدال على كميّة أفراد الموضوع).
(وقيل: السُّور أمرٌ دالٌ على الأفراد).
(أمر) يعني: حذَف اللفظ، من أجل أن يعم؛ لأن عندنا ما يدل من صيغ العموم على جميع الأفراد وليس بلفظٍ كالنكرة في سياق النفي، هنا معنًى من المعاني وليس بلفظ على ما ذكره العطار.
(وقيل: السور أمرٌ دالٌ على الأفراد حتى يكون شاملًا لوقوع النكرة في سياق النفي؛ فإنه دالٌ على الاستغراق) يعني: لا يختص باللفظي، بل كل ما دل على كمية الأفراد يسمى سورًا.
حينئذٍ يُنظر إلى لسان العرب، فكل ما دل على جميع الأفراد نقول: هذا سورٌ كُلّي. والنظر هنا نظرٌ لغوي، وقد يصطلح المناطقة على شيءٍ ما فيُنظر إليه كاصطلاح، لكن سيأتي أن السعد نبّه إلى أن المراد به هنا: كل ما يدل على جميع الأفراد.
إذًا: (أمرٌ دالٌ على الأفراد حتى يكون شاملًا لوقوع النكرة في سياق النفي؛ فإنه دالٌ على الاستغراق.
يعني: لا يختص باللفظي بل كل ما دل على كمية الأفراد يسمى سورًا).
قال: (مأخوذٌ) يعني: منقول (من سور البلد المحيط به) وهو كذلك سُور البلد محيطٌ به، سور البيت هذا محيط.
نقول: هذا السور أحاط به .. أحاط بالجميع (ففيه تشبيه المعقول بالمحسوس بجامع الإحاطة).
ثم قال -أراد أن يمثِّل للسور الكلِّي في الكلية الموجَبة، والسور الكلِّي في الكُلّيّة السالبة- قال: (والسور في الكُلّيّة الموجبة: كلٌّ، وأل الاستغراقية، وأو العهدية، وفي السالبة: لا شيء، ولا واحد) كمثال، المراد الأمثلة لا الحصر.
قال: (والسور في الكُلّيّة الموجبة كلٌ) أي: المراد به الكل الإفرادي.
أي: كل واحدٍ من أفراد الموضوع لا الكلي المجموعي؛ لأنها حينئذٍ -إذا كان كليًا مجموعيًا- شخصية؛ لأن المجموع من حيث هو مجموع شيءٌ واحد لا يقبل الاشتراك، ولا الكلُِّ الذي لا يمنع تصوُّره الاشتراك به.
إذًا: المراد بقوله: (كل) وهذه من صيغ العموم.
[ ١١ / ٣ ]
صِيَغُهُ كُلٌّ أَوْ؟لجَمِيعُ وَقَدْ تَلاَ؟لَّذِي الَّتِي الفُرُوعُ
هو معلومٌ عند الأصوليين، ولها بحث واعتقد أن السبكي له رسالة في لفظ كل، ويفرِّقون بين كل المجموعي والجميع .. على كلام طويل عندهم، لا بد من الوقوف عليه؛ لأنها تعتبر أُمًّا في باب العموم.
إذًا: (كل) المراد به هنا: الكل الإفرادي، معناه: كلُّ واحدٍ من أفراد الموضوعي -كل شخص معيَّن- لا الكل المجموعي؛ لأنها حينئذٍ شخصيةٌ، لأن المجموع من حيث هو مجموع شيءٌ واحد لا يقبل الاشتراك «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ» [الحاقة:١٧] هذه شخصية، (ثَمَانِيَةٌ) يعني: لا كل واحدٍ منفرد إنما الثمانية معًا، هذا الذي يدل عليه اللفظ.
إذًا: لا ينفرد واحدٌ من الملائكة بحمْل العرش؛ لأن هذه كُلّي مجموعي، بخلاف «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» [آل عمران:١٨٥] يتبع الحُكم هنا وهو ذوق الموت أو الموت يتبع كل فردٍ من أفراد النفس، وهنا يحمل هذا الموضوع «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ» [الحاقة:١٧] ثمانية فاعل يحمل، يحمل ثمانية هل هو مثل: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» [آل عمران:١٨٥]؟ الجواب: لا.
هذه مسائل لغوية ليس من تطبيق المنْطِق على هذا، وإنما هي مسائل لغوية.
حينئذٍ نقول: يحمل ثمانيةٌ، هل يستقل واحدٌ منهم بحمل العرش؟ الجواب: لا. ما الفرق بين هذه وكل نفسٍ؟ نقول: كل نفسٍ. كلٌ إفردي بمعنى أن الحكم يتبع كل فردٍ فردٍ على حِدَة .. يكون منفصلًا، كل نفسٍ .. زيدٌ منفصل عن عمرو، وعمرو منفصل عن بكر.
وأما «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ» [الحاقة:١٧] هنا الحكم مسلَّطٌ على المجموع.
قال: (وأل الاستغراقية) نحو: «إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ» [العصر:٢] أل هذه نقول: أل استغراقية، بدليل صلاحية حلولِ لفظ كل محلَّها حقيقةً لا مجازًا، ويصح أن يقال في غير القرآن: إن كل إنسانٍ لفي خسر، ويدل على ذلك كذلك الاستثناء، بدليل الاستثناء منه من قوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا» [العصر:٣] الذين هذا اسم موصول جمْع، استثناه من الإنسان.
فلو كان الإنسان هنا فردًا واحدًا لما صح الاستثناء، كيف يُستثنى من المفرد الواحد جمعٌ، ثم «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا» [العصر:٣] كثير، حينئذٍ نقول: أل هنا استغراقية بمعنى كل، وهي من صيغ العموم.
وحينئذٍ نقول: إن كل إنسانٍ في قوة «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» بدليل الاستثناء منه في قوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا» [العصر:٣] فإنه أمارة العموم.
ومثله -مثل ذا المذكور-: أَجْمَع، وقاطبة، وطُرًّا "طُرًّا بمعنى جميعًا" وكافّة، والنكرة في سياق النفي .. كلُّ ذلك يُعتبر من السور الكلِّي.
قال: (أو العهدية).
قال العطار: (الأَولى حذفُه) لأن العهدية شخصية وليست بكلية.
هكذا شاع عندهم بإطلاق، مع أنه يمكن التفصيل على ما ذكره المحشي، لكن الأغلب عندهم في الاستعمال أن ما دخلت عليه أل العهدية تعتبر شخصية مخصوصة، ولا تكون كُلّيّة.
إذًا: (أو العهدية) نقول: الأَولى حذفُه.
[ ١١ / ٤ ]
لكن هنا وجهها بقوله: (بُحث فيه بأنه إن كان المعهود جميعَ الأفراد فكلية) وهو كذلك.
تقول مثلًا: جاء العلماءُ فأكرمتُ العلماء. أل هذه للعهد، حينئذٍ جاء علماء فأكرمت العلماء.
إذًا: جميع العلماء الذين جاءوا وقع عليهم الإكرام، حينئذٍ معهودُها جَمْعٌ، وإذا كان كذلك فحينئذٍ تكون داخلة في السُّور الكلِّي، لكن الشائع عندهم لا .. أن العهدية لا تكون كذلك.
قال: (وفي السالبة لا شيءَ) لا شيء من الإنسان بِحَجَر.
شيء نكرة في سياق النفي، حينئذٍ صار عمومًا وهو نفي. لا شيء من الإنسان بحجر.
(ولا واحدة) واحدة نكرة في سياق النفي فيعم كقولك: لا واحدة من الحيوان بجماد. وهو كذلك.
(أي: وكل نكرة وقعت في سياق النفي بعد كل، نحو: كل إنسانٍ ليس بفرس) ومنه حديث: ﴿كل ذلك لم يكن﴾ فهو سلبٌ كُلّي خلافًا لمن جعَله جزئيًا، على خلافٍ فيما ذُكر في شرح السلَّم يُرجع إليه في هذا النص.
الكُلُّ حُكْمُنَا عَلَى المَجْمُوعِ كَكُلُّ ذاكَ لَيْسَ ذَا وُقُوعِ
هذا الذي عناه، لكن الصواب أنه من الكل الجميعي لا الكل المجموعي.
إذًا: (لا شيء ولا واحد) ومثلُه: (كل نكرة وقعت في سياق النفي).
"كل إنسانٍ" وقيدها العطار هناك بعد كل: كل إنسانٍ ليس بفرسٍ.
قال: (وَإِمَّا جُزْئِيَةٌ) هذا مقابل للكُلّيّة (إِمَّا كُلِّيَّةٌ، وَإِمَّا جُزْئِيَةٌ).
قال: (وَإِمَّا جُزْئِيَةٌ) كذلك (مُسَوَّرَةٌ).
جزئية يعني: ما كان موضوعها جزئيًا ليس كُلّيًا .. مقابل له، ثم الجزئية قد تكون مسوّرة وقد لا تكون مسوّرة.
قال: (جُزْئِيَةٌ مُسَوَّرَةٌ) عرَفنا معنى السور فيما مضى.
(كَقَوْلِنَا) في الموجَبة: (بَعْضُ الْإِنْسَانِ كَاتِبٌ) كل إنسانٍ كاتب. بعض، لا شك أن البعض يدل على الجزء وإن كان أفرادًا مجموعًا، لكنه لا يدل على الكُلّيّة، وإنما هو يدل على الجزئية، فيسمى سورًا جزئيًا، والسابق يسمى سورًا كليًا.
قال: (بَعْضُ الْإِنْسَانِ كَاتِبٌ).
(وَ) في السالبة (بَعْضُ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِكاتِبٍ).
إذًا: الجزئية المسورة قد تكون موجَبةً وقد تكون سالبة.
(سُمّيت جزئية لدلالتها على بعض أفراد الكلِّي) لأن الموضوع كما هو إذا دخل السور، الأصل أنَّ الجملة تكون مركبة هكذا: الإنسان كاتب. هكذا، الإنسان هذا موضوع، وكاتب هذا محمول.
(الإنسان) قلنا هذا كُلّي، يقبل اشتراكًا. إذًا: هو كُلّي.
حينئذٍ الإنسان إذا جُعلت أل استغراقية هنا صار كُلّيّة، فيصدق على جميع الأفراد، فإذا أردتَ بعض الأفراد جئت بسورٍ جزئي يدل على أن الحكم ليس مسلَّطًا على جميع الأفراد تقول: بعض الإنسان.
إذًا: بعض الأفراد ليست كل الأفراد، فبعض الأفراد يصدق عليها الحكم، وبعض الأفراد لا يصدق عليها الحكم. هذا المراد بمفهوم الجزئية هنا.
(لدلالتها على بعض أفراد الكلِّي) الكلِّي الذي هو الموضوع، وبعض أفراده أُخرِج بالسور الجزئي.
فالحُكم الكلِّي يصدق معه الجزئي ولا ينعكس، ولذلك كان الجزئي أعمَّ صِدقًا من الكلِّي.
قال: (ومسوَّرة) يعني: سُمّيت مسوّرة (لاشتمالها على السور وهو اللفظ الدال على كمية أفراد الموضوع حاصرًا لها محيطًا بها).
وقلنا: "أمرٌ دل على الأفراد" حتى يدخل فيه السور المعنوي.
[ ١١ / ٥ ]
قال: (لاشتمالها على السور، وهو في الجزئية الموجَبة) ليس على الحصر وإنما أراد المثال: بعض وواحد.
قال السعد في شرح الشمسية: هذا على سبيل التمثيل.
يعني: ما ذُكر في السور الكلِّي إيجابًا وسلبًا، وما ذُكر في السور الجزئي إيجابًا وسلبًا على سبيل التمثيل. واعتبار الأكثر لا على سبيل التعيين، فإن القاعدة عندهم: فإن كل ما يُفهم منه بحسب لغة من اللغات أن الحُكم على كل الأفراد أو بعضها فهو سورٌ.
كـ: لام الاستغراق، والنكرة في سياق النفي، والتنوين في الإثبات، واثنان وثلاثة .. ونحوِ ذلك، مما تُفهَم منه الكُلّيّة والبعضية.
إذًا: الحكم ليس هنا على الحصر، وإنما المراد به ذِكر أمثلة فقط .. تعدَاد أمثلة، وهو ما شاع واشتهر عندهم.
والمراد: أن كل ما يُفهِم الكُلّيّة فهو سورٌ كُلّي، وكل ما يُفهم البعضية فهو سورٌ جزئي.
قال: (وهو في الجزئية الموجبة بعض وواحد).
قال هنا العطار: (وجعل السعد من أسوار الجزئية التنوين في الإثبات، وقد يقال إن كون التنوين سورًا للجزئية غالبي لا كُلّي) لماذا؟ لأن النكرة المنوَّنة قد تعم في الإثبات، فإذا جعلنا التنوين سورًا جزئيًا صار مطردًا، لكن نقول: هذا غالبي لا كُلّي؛ لأنه يقال: تمرةٌ خيرٌ من جرادة.
"تمرةٌ" حينئذٍ نقول: هذا أفاد العموم، و«عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ» [الانفطار:٥] نفسٌ هنا أفاد العموم، مع كون التنوين هنا دخل على نكرة، على ما قرره علماء المعاني.
إذًا: التنوين في الغالب يكون سورًا جزئيًا لكنه قد يخرج عنه ويكون سورًا كليًا؛ لأن النكرة المنوّنة قد تعم في الإثبات، ولذلك النكرة من حيث هي نكرة قد تعم في سياق الامتنان كذلك، «فِيهَا فَاكِهَةٌ» [يس:٥٧] هذا فيه عموم؛ لأنه في سياق الامتنان.
قال: (وفي السالبة أي: الجزئية ليس بعض، وبعض ليس، وليس كل) هذه ثلاثة أمثلة.
(ليس بعض) ليس هنا دخلت على السور، حينئذٍ فُصِل بين حرف السلب -ذات السلب- وبين الموضوع بالسور، إذًا: لم تدخل على الموضوع.
(وبعض ليس) لا شك أن بعض هنا دخلت على الموضوع، فجُعِل حينئذٍ أو يحتمل كما سيأتي أن الموضوع هنا معدول؛ لأن الأصل في حرف السلب أن يدخل على السور، فإذا جاء بعد السور فحينئذٍ صارت الجملة محتمِلة.
قال هنا: (فرقٌ بين: ليس بعض، وبعض ليس:
بأن ليس بعض لا يكون إلا للسلب) إذا تقدمت ليس على الجملة كلها -على السور- لا يكون إلا للسلب قطعًا.
(لأن أصله: ليس بعض الحيوان بإنسان، فلم تدخل ليس على الموضوع بل على السور.
وأما بعض ليس فيصح مجيئُه للعدول الذي هو إيجاب؛ لأن أصله: بعض الحيوان ليس بإنسان، فيصح جعل ليس جزءًا من المحمول، فيصير المعنى: ثبوت غير الإنسان للحيوان لا سلبُ الإنسان عنه).
يعني: إذا جاء حرف السلب قبل بعض، فحينئذٍ ليس إلا السلب، لا يحتمل الإيجاب؛ لأنه هو الأصل. دخول حرف السلب أن يدخل على الموضوع، وهنا جاء الموضوع مسورًا "بعض الحيوان" فدخل ليس بعض الحيوان.
إذًا: ليس عندنا إلا السلب، لكن يبقى لو تأخر: بعض ليس.
مر معنا أن العُدول قد يكون في الموضوع دون المحمول، والمراد به: دخول حرف السلب على الموضوع.
[ ١١ / ٦ ]
إذًا: بعض ليس، إذًا: دخلت ليس هنا على الموضوع، فيحتمل أنها إيجابية "موجبة" ولا نجزم بأنها للسلب.
قال: (كذلك الفرق بين ليس كل وبين ليس بعض، وبعض ليس).
الأول: الفرق بين ليس بعض وبعض ليس، هنا الفرق بين هذين الأمرين السورين وبين ليس كل.
(بأن ليس كل يدل على سلب الإيجاب الكل مطابقة) ليس كل، دخلت ليس على كل. حينئذٍ صار المعنى يدل على سلب الإيجاب الكل مطابقة.
(وعلى السلب الجزئي التزامًا) لأنه إذا نُفي جميع الأفراد البعض من باب أولى .. إذا نفي جميع الأفراد، حينئذٍ السلب الجزئي التزامًا، دلّت عليه من باب الالتزام؛ لأن الأصل في دخول حرف السلب على لفظ كل: أنه يدل بالمطابقة سلب الإيجاب الكلِّي. لأنها أصلًا موجبة: كل إنسانٍ حيوان، ليس كل إنسان حيوان. لو قيل هكذا، حينئذٍ نقول: سُلب الإيجاب الكلِّي.
من بابٍ أولى أو التزامًا سُلِب بعض أو الجزئية.
قال: (وعلى السلب الجزئي التزامًا؛ لأن معنى كل إنسانٍ حيوانًا الإيجاب الكل وليس سلْبُه.
ولزِمه سلب الجزئي؛ لأن سلب الإيجاب الكلي صادقٌ بسلب المحمول عن كل فردٍ، وبسلبه عن بعض الأفراد. وعلى كلٍ فسلبُه عن البعض متحقِّقٌ.
وبأن ليس بعض، وبعض ليس. يدلان على السلب الجزئي مطابقة، وعلى سلب الإيجاب الكل التزامًا) لأنها إذا قيل: ليس بعض، وبعض ليس. دل على سلب الجزء مطابقة؛ لأنه نصٌ فيه.
طيب. السلب الكلِّي؟ التزامًا؛ لأنه إذا نُفي البعض نُفِي الكل.
قال هنا: (يدلان على السلب الجزئي مطابقة، وعلى سلب الإيجاب الكلي التزامًا؛ لأن معناهما: سلبُه عن البعض ورفعُ الإيجاب الكلي لازمٌ له، لأنه إذا لم يَثبت للبعض لم يَثبت لكل فردٍ ضرورةً).
إذًا: فرقٌ بين هذه الأسوار الثلاثة على ما ذُكِر .. ليس بعض، وبعض ليس، وليس كل.
قال: (والمسوّرة تسمى محصورة) المسوّرة بسورٍ كُلّي أو جزئي تسمى محصورة.
إذا قيل: هذه محصورات أو محصورتان أو المحصورة دل على أنها مسوَّرة سواء كانت بسورٍ كُلّي أو بسورٍ جزئي.
(تسمى محصورةً كُلّيّةً كانت أو جزئية).
(وَإِمَّا أَنْ لا يَكُونَ كَذلِكَ).
قال: (إِمَّا مَخْصُوصَةٌ، وَإِمَّا كُلِّيَّةٌ، وَإِمَّا جُزْئِيَةٌ، وَإِمَّا أَنْ لا يَكُونَ كَذلِكَ) يعني: لا مخصوصة، ولا كُلّيّة، ولا جزئية. لا كُلّيّة المقصود ليست مسوّرة بسور كُلّي، ولا جزئية يعني: ليست مسوّرة بسور جزئي.
فحينئذٍ (وَإِمَّا أَنْ لا يَكُونَ) كلٌ من الموجبة والسالبة (كَذلِكَ) أي: مثْل المذكور.
(من المخصوصة، والكُلّيّة المسوّرة، والجزئية المسوّرة).
(وَتُسَمَّى مُهْمَلَةً) يعني: إذا لم تكن مخصوصة ولا كُلّيّة ولا جزئية، حينئذٍ صوَّرها هنا قال: (بأن يكون موضوعُهما كليًا، وحُكِم فيهما على أفراده).
(بأن يكون موضوعُهما) أي: السالبة والموجبة؛ لأن التقسيم فيهما لا زال.
قال: (وَإِمَّا أَنْ لا يَكُونَ) يعني: كلٌ من الموجبة والسالبة .. تقسيم للموجبة والسالبة.
(كَذلِكَ) أي: مثلُ ما سبق من الخصوصية والكُلّيّة والجزئية (أَنْ لا يَكُونَ كَذلِكَ) وحينئذٍ ماذا يكون؟
يكون موضوع كلٍ من الموجبة والسالبة كُلّي.
(وحُكِم فيهما على أفراده) لكن لم يتعرض: هل المراد جميع الأفراد أم بعض الأفراد؟
[ ١١ / ٧ ]
إذا قيل: الإنسان كاتب، لا على جعلِ أل استغراقية وإلا صار سُورًا كليًا.
"أل" هنا ليست استغراقية "الإنسان كاتبٌ" صارت محتمِلة.
هل المراد كل فردٍ أم المراد بعض؟ صارت محتمِلة.
حينئذٍ أحدُهما متيقَّن والآخر مشكوكٌ فيه، ما هو المتيقن؟ القليل –الجزئية-، القليل متيقَّن، والكل هذا مشكوكٌ فيه.
حينئذٍ حُملت على البعض .. الجزئية، ولذلك المهملة في قوة الجزئية لهذا المعنى.
قال: (ولم يُتعرض فيهما لكون الحكم على كل فردٍ أو على بعض الأفراد).
(وَتُسَمَّى مُهْمَلَةً) بضمٍ فسكون ففتح (لإهمال بيان كمية الأفراد) المحكوم عليها (فيها).
(تسمّى مهملة لإهمال بيان كمية الأفراد فيها، أو لإهمالها في الأدلة استغناءً عنها بالجزئية) يعني: لا تُستعمل في العلوم، لا تكون مسألة .. مقدّمة من المقدمات؛ لأن الذي يكون مقدمة من المقدمات فيما سيأتي في القياس ونحوه إنما هو المحصورات فقط، لا الشخصية ولا الطبيعية، وإن كانت الشخصية قد تُستعمل في بعض الأشكال كما يأتي، لكن الأصل هو العدم.
(وَتُسَمَّى مُهْمَلَةً) (لإهمال بيان كمية الأفراد فيها، كقولنا في الموجَبة: الإنسان كاتب أي: بملاحظة أن أل جنسية لا استغراقية وإلا فكُلّيّة، ولا عهدية وإلا فشخصية).
الإنسان كاتب هذا يحتمِل أنها كُلّيّة مسوّرة بسور كُلّي، ذلك على جعلِ أل للاستغراقية وهي سورٌ كُلّي. الإنسان كاتب أي: كل إنسانٍ كاتبٌ يعني: بالقوة لا بالفعل وهي كُلّيّة.
طيب. إذا جُعلت جنسية يعني: جنس الإنسان، ومعلومٌ أن الجنس صادقٌ بالبعض، فحينئذٍ الإنسان كاتبٌ يعني: بعض الإنسان كاتب.
في ظاهرها أن الحُكم يتبَع كل فرد فرد، لكن لما كان ذلك مشكوكًا فيه لم تُحمل عليه، وإنما حُمل على البعض لأنه هو المتيقَّن.
إذًا: (كقولنا في الموجبة الإنسان كاتبٌ أي: بملاحظة أن أل جنسية لا استغراقية وإلا فكلية، ولا عهدية وإلا فشخصية.
وفي السالبة: الإنسان ليس بكاتب) كسابقها أي: جنس الإنسان، ليس بكاتبٍ يعني: بالفعل.
قال: (والمهملة في قوة الجزئية).
(والمُهملة) التي مر ضبطُها.
(في قوة الجزئية) يعني: بمعنى الجزئية، تُفسَّر بالجزئية.
حينئذٍ إذا قيل: جزئية كُلّيّة الفرق الجوهري بينهما: أن الكُلّيّة يصدُق المحمول على جميع الأفراد، ولذلك قلنا: الكل المراد به الكل الإفرادي الجميعي لا المجموعي.
والجزئية يصدق المحمول على بعض الأفراد.
فحينئذٍ المهملة عندما لا تكون كُلّيّة ولا جزئية، كيف نفسِّرها؟
قال: (في قوة الجزئية) يعني: بمعنى الجزئية. فيصدُق حينئذٍ المحمول على بعض الأفراد.
قال المحشي هنا: (يعني: أنهما متلازمان في الصدق ثبوتًا ونفيًا) يعني: الجزئية والمهملة متلازمان في الصدق ثبوتًا ونفيًا.
(فكلما تحقق الحكم على الأفراد في الجملة) يعني: بعض الأفراد ليس في الجميع، في الجملة إذا قيل حينئذٍ يراد به بعض الأفراد لا جميع الأفراد.
(فكلما تحقق الحكم على الأفراد في الجملة الذي هو معنى المهملة، تحقق الحكم على البعض الذي هو معنى الجزئية) تلازما هنا.
(وكلما تحقق الحكم على البعض تحقق الحكم على الأفراد في الجملة، وإلا لزم عدم تحققه مع تقدير تحققه وهو تناقضٌ محال) موجودٌ غير موجود.
[ ١١ / ٨ ]
(وكلما لم) جاء في النفي، فيما سبق في الإثبات.
(وكلما لم يتحقق الحكم على الأفراد في الجملة لم يتحقق الحكم على بعضها، وكلما لم يتحقق على بعضها لم يتحقق الحكم عليها في الجملة وإلا لزم تحققه على تقدير عدم تحققه وهو محال.
فإذا قلنا: الإنسان كاتبٌ -على جعل أل جنسية- فقد حكمنا بثبوت الكتابة على ما صدق عليه الإنسان قطعًا).
هنا إجمال، ما صدق عليه الإنسان، الذي هو أفراد الإنسان قطعًا هذا ظاهر اللفظ.
(لكن هذا المصدق) الذي هو الأفراد، الذي هو مصدق الإنسان.
(يحتمل كل الأفراد فيكون كلية، ويحتمل بعضها -بعض الأفراد- فيكون جزئية، والثاني) الذي هو بعض الأفراد (متيقَّن) واليقين لا يزول بالشك.
(والأول مشكوكٌ فيه، فحُمِل على المتيقَّن وأُلغي المشكوك وجُعلت في قوة الجزئية) هذا وجهُه وهذا محل وفاق عندهم (المهملة في قوة الجزئية).
قال: (والشخصيةُ في حُكم الكُلّيّة) الشخصية التي موضوعها شخصي .. مخصوصة هذه في حكم الكُلّيّة.
(هكذا اشتهر وصرّح به غير واحدٍ من المحققين) هكذا قال العطار.
(ولكنها غير معتبرة كالطبيعية) كما سيأتي في الطبيعية.
(والشخصية في حُكم الكُلّيّة) يعني: في معنى الكُلّيّة، ليس المراد أنها تصدق على ما لا يصدُق عليه الموضوع لا، وإنما المراد: أن المحمول حُمل على جميع مدلول الموضوع.
في الكُلّيّة «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» [آل عمران:١٨٥] «ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» هذا الخبر، يصدُق على جميع ما دل عليه «كُلُّ نَفْسٍ» على الجميع لا على البعض، إذًا: دل على الجميع.
زيدٌ كاتبٌ، كاتبٌ يُحمل على جميع ما دل عليه زيد، ففيه تشابه مع الكُلّيّة، في ماذا؟ في كونه لا يُستثنَى بعض الموضوع، فيبقى على ما هو عليه.
يَتأكد هذا في الآية التي ذكرناها «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ» [الحاقة:١٧] قلنا: يحمِل هذا محمول، ثمانيةٌ هذا فاعل.
حينئذٍ هل هذه كُلّيّة أم جزئية؟ لا يستقل واحد، نقول: من الكل المجموعي.
هل هي كُلّيّة بمعنى الكل الجميعي .. جميع الملائكة، أم أنه خاصٌ بالثمانية؟ خاصٌ بالثمانية.
إذًا: «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ» [الحاقة:١٧] ثمانيةٌ يحمِلون، هل يتبَعُ هذا المحمول -الذي هو الحملُ- كل فردٍ على انفراده؟ الجواب: لا، وإنما يصدق على المجموع. إذًا: صدَق على جميع ما دل عليه اللفظ وهو ثمانية، فلم يخرج عنه واحدٌ البتة، كذلك قيل هنا في الشخصية.
إذًا: (والشخصية في حُكم الكُلّيّة هكذا اشتهر عندهم، لكنها غير معتبرة كالطبيعية.
ولمَا تبين أن المهملة في قوة الجزئية، وكانت الشخصيات مما لا يُعتد بها في العلوم، صارت القضايا المعتبرة هي المحصورات الأربعة).
ما هي المحصورات الأربعة؟ الكُلّيّة بنوعيها: الإيجاب والسلب، والجزئية بنوعيها: الإيجاب والسلب. هذه المعتبرة هي التي عليها العمل إن شاء الله تعالى.
الكُلّيّة بنوعيها الإيجاب والسلب: كُلّيّةٌ سالبة، كُلّيّة موجَبة، جزئيةٌ سالبة، جزئية موجَبة.
أما المهملة فهي في قوة الجزئية، وأما الشخصية فهي في حكم الكُلّيّة. وكلاهما غير معتبرين.
[ ١١ / ٩ ]
لماذا ذُكِرت الشخصية؟ سيأتي أنه قد تأتي أحيانًا طرفًا في بعض أقيسة الشكل الأول.
بقي الطبيعية، الطبيعية هذه لا تُذكر أصلًا ولا تُجعل قسمًا، لذلك لم يجعلها؛ لكونها لا تُستعمل في العلوم .. إما الحكمية أو العلوم على جهة العموم لا إشكال فيه، هذا أو ذاك.
قال: (إذًا: صارت القضايا المعتبرة هي المحصورات الأربعة.
قال الجرجاني: إن الشخصيات لا تعتبر في العلوم، وسبق أن الجزئي لا يُبحث عنه في الفن أصلًا) وإنما يبحث عنه استطرادًا، مر معنا أن الأصل تقسيم المفرد إلى كُلّي وجزئي، أن المراد هو الكلِّي والجزئي هذا من باب الاستطراد.
(وحينئذٍ فاعتبار الشخصية مبنيٌ على ظاهر الحال بناءً على وقوعها كبرى القياس، وهذا القدر كافٍ في ذكر الشخصية دون الطبيعية في التقسيم) لأنه ذُكر الشخصية إما مخصوصة وإما كُلّيّة، لماذا ذَكر المخصوصة؟ لأنها قد تأتي فرعًا في بعض أنواع الأقيسة، ولذلك قال: (ولهذا اعتُبرت الشخصية في كبرى الشكل الأول نحو: هذا زيدٌ وزيدٌ إنسان) لكن هذا ليس على جهة التأصيل وإنما على جهة التفريع.
(ولهذا) تعليل لأي شيء؟ تعليل لِذِكر الشخصية في هذا الموضع، مقابلة للكُلّيّة.
ثم كونها في حكم الكُلّيّة؛ لهذا الأمر .. هذا تعليل.
(اعتُبرت الشخصية) صارت معتبرة (في كبرى الشكل الأول نحو: هذا زيدٌ وزيدٌ إنسان) انظر هنا زيدٌ هذا الحد الأوسط جاء مكررًا، محمولًا في الصغرى موضوعًا في الكبرى، هذا يسمى الشكل الأول.
قال: (وزاد بعضهم قسمًا رابعًا).
(وزاد بعضهم) يعني: بعض المناطقة.
(قسمًا رابعًا) أو خامسًا؟
قال: هذا باعتبار عدِّ المحصورة بقسميها قسمًا واحدًا وإلا فهذا خامس في الأصل. هذا خامس يُعتبر.
(وزاد بعضهم قسمًا رابعًا يسمى الطبيعية) لكنها لا تُذكَر في التقسيم، وزادها بعضهم بناءً على الإتمام فقط يعني: استطرادًا، أما ما عليه العمل فلا.
(الطبيعية) قال هنا: (وهي قضيةٌ قد أُخذت الطبيعة أي: الحقيقةُ فيها من حيث إنها شيءٌ واحد بالوحدة الذهنية، فيصدُق عليها بهذا الاعتبار ما لا يتعدى إلى أفرادها كالنوعية مثلًا).
يعني: إذا قيل: الموضوع والمحمول، القاعدة هنا؛ لأنه سيأتي عكسُه في التناقض أو في العكس.
القاعدة هنا: أنه إذا قيل: موضوعٌ ومحمول، أنه يُحمل "الحمل الذي هو الإسناد" يُحمل مفهوم المحمول على أفراد الموضوع.
يعني: الموضوع قد يكون له مفهوم، وقد يكون له أفراد.
"الإنسان كاتبٌ" الإنسان موضوع، وكاتب هذا محمول. كيف يكون الحمل في باب المنْطِق -وعام يعني-؟
حينئذٍ نقول: مفهوم كاتب وهو ثبوت الكتابة، يَثبت لأي شيء؟ عندنا إنسان، الإنسان له ثلاث جهات: إنسان لفظ أو اسم، إنسان له مفهوم وهو حيوانٌ ناطق، إنسان له أفراد.
اللفظ يُنطَق، والمفهوم اعتبارٌ ذهني؛ لأنه ما يقبل الاشتراك، بقي الأفراد وهي في الخارج.
ثبوتُ الكتابة لأي شيء: للفظي، أو للمفهوم، أو للأفراد؟ للأفراد.
هنا في الطبيعية الحُكم للمفهوم لا للأفراد، إذا قلت مثلًا: الحيوان جنس. الحيوان هذا موضوع، وجنسٌ مر معنا: ما يقع في جواب ما هو .. إلى آخره.
الحيوان جنس، جنس هذا محمول، بمفهومه الذي هو المعنى الجنسي السابق الذي مر معنا الحد، هو نوعٌ من الكُلِّيّات.
[ ١١ / ١٠ ]
الحيوان جنس. الحيوان له لفظٌ وله مفهوم وهو المدرِك .. إلى آخره.
وله أفراد: فرس .. إلى آخره.
حينئذٍ الذي ثضبت له أنه جنس ما هو: اللفظ أو المفهوم أو الأفراد؟ المفهوم، هذه تسمى طبيعية، فأُخذت الطبيعة التي هي الحقيقة وجُعل المحمول منصبًّا عليها لا على الأفراد، وإلا لو قلتَ: الحيوان جنسٌ. الإنسان جنس، والبغل جنس صحَّ؟ ما يصح هذا.
لو قلت: الإنسان نوعٌ. زيدٌ نوع، بكرٌ نوعٌ؟ ما صح. إذًا: لا يكون على الأفراد وإنما يكون على المفهوم.
هذه تسمى طبيعية يعني: نسبة إلى الطبيعة.
قال: (وهي قضية قد أُخذت الطبيعةُ أي: الحقيقةُ فيها من حيث إنها شيءٌ واحد بالوحدة الذهنية، فيصدُق عليها بهذا الاعتبار ما لا يتعدى إلى أفرادها كالنوعية مثلًا في قولنا: الإنسان نوعٌ) الإنسان نوعٌ صدَق النوع هنا الحمل على مفهوم الإنسان الذي هو حيوان ناطق، أما أفراده فلا؛ لأنه يكون غلطًا، أفراده زيدٌ وعمرو وبكر، هذه أشخاص جزئيات وليست بأنواع.
(الإنسان نوعٌ. ولذلك لا يصح الحُكم عليها بالتعميم والتخصيص، بل هي شخصية.
وأما المهملة فقد أُخذت الحقيقةُ فيها من حيث هي هي بلا زيادة شرطٍ، فيصلُح الحكم الصادق عليها بهذا الاعتبار للتخصيص والتعميم).
المهملة يدخل فيها التعميم بخلاف الطبيعية.
(أي: الكُلّيّة والجزئية، فقد ظهر الفرق بين الطبيعية والمهملة، وإنما سُمّيت بذلك لكون الحكم إنما وقع على طبيعة الكل أي: ماهيتِه لا على ما صدق عليه).
ولذلك قال هنا: (من الفوارق: موضوعُ الطبيعية يتحقق بتحقق فردٍ ما وينتفي بانتفاء جميع الأفراد.
وموضوعُ المهملة يتحقق بتحقق فردٍ ما وينتفي بانتفائه فقط لا بجميع الأفراد).
فرق ثالث وهو أوضح: (موضوع الطبيعية ليس بموجود في الخارج) وإنما هو ذهني.
(والقضية المعقودة منه لا تكون إلا ذهنية) الإنسان نوعٌ .. كلُّه في الذهن، ليس له وجود في الخارج.
(وموضوع المهملة موجودٌ في الخارج، والقضية المعقودة منه تكون خارجية) إذًا: هذا من أبرز الفوارق بين النوعين.
قال هنا: (وزاد بعضُهم قسمًا رابعًا يسمى الطبيعية وهي -أي: الطبيعية-: التي) أي: القضية.
(التي) هذا جنس شمل الأقسام الخمسة.
(لم يبيَّن فيها كميةُ الأفراد لعدم صلاحيتها لذلك).
قال: (ولم تصلح لأن تصدق كُلّيّة ولا جزئية) ولذلك مر معنا أنه لا تصلح للتخصيص ولا للتعميم بخلاف المهملة.
يعني: الطبيعية لا تصلح أن تفسَّر بالكُلّيّة ولا بالجزئية بخلاف المهملة فيصح؛ لأنها في قوة الجزئية، هذا المراد بأنها لم تصلح.
فقوله: (ولم تصلح) عطفُ لازمٍ على ملزومٍ وهو معنى القول السابق: لا يصح الحُكم عليها بالتخصيص والتعميم.
إذًا: (لم يبيَّن فيها كميةُ الأفراد.
ولم تصلح لأن تصدق كُلّيّة ولا جزئية كقولنا: الحيوان جنس والإنسان نوعٌ).
قال العطار: المحكومُ عليه حقيقةُ الحيوان) الحيوان جنس.
(المحكوم عليه حقيقة الحيوان لا أفرادُه) أي: الجسم النامي الحساس لا أفراده؛ لأن أفرادَه ليست أجناسًا بل أنواع: الإنسان، والفرس .. إلى آخره، أنواع وليست بأجناس فتكون كاذبة.
[ ١١ / ١١ ]
(وكذلك الإنسان نوعٌ المحكوم عليه هو حقيقة الإنسان -يعني: الحيوان الناطق- لا أفرادُه؛ فإن أفراده أشخاص لا أنواع) يعني: آحاد.
(فالحُكم في الطبيعية على مفهوم الموضوع باعتبار وجودِه في الشعور الذهني مع قطع النظر عن الفرد؛ بحيث لا يتعدى الحُكم إليه قطعًا) هذا معنى الكلام الذي ذكرناه سابقًا.
قال: (وإنما تركها الأكثرون لأنها ليست بمعتبرة في العلوم).
تَرَك ماذا؟ ذِكر الطبيعية، لا يذكرونها، ولذلك كثيرًا ما يقال في الحواشي .. النحو والأصول: طبيعية طبيعية .. كثير جدًا، في حواشي جمع الجوامع وغيره، الطبيعية هي المراد هذه، أنها ذهنية ليس لها وجود في الخارج، وإنما البحث فيها بحثٌ ذهني، ولذلك لا تُذكَر.
قال: (وإنما تركَها) يعني: الطبيعية (الأكثرون) من المناطقة (لأنها) أي: الطبيعية (ليست بمعتبرة في العلوم).
قال العطار: (أي: الحِكمية كما صرَّح بذلك بعضهم أي: لا تقع مسألة في تلك العلوم).
(وعلَّلوا ذلك: بأن الموجودات المتأصِّلة هي الأفراد، والطبيعية إنما توجد في ضِمنها، والمقصود في العلوم الحِكمية هو البحث عن أحوال الموجودات كما يُشعِر بذلك تعريف الحكمة؛ بأنها علمٌ باحثٌ عن أحوال الموجودات على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية).
إذًا: بحثُهم في الموجودات وموضوع القضية الطبيعية ليست من قبيل الموجودات، وإنما هي أمرٌ ذهني فوجودُه وجودٌ ذهني بحت.
إن وُجد في الخارج فوجودُه في ضمن فردٍ من أفراده أو في ضمن أفراده.
(هذا كلُّه في الحملية) هذا كله -ما سبق التقسيم- في الحملية.
(وأما الشرطية) قلنا القضية إما حملية وإما شرطية.
(وأما الشرطية) التي هي نسبةً إلى الشرط.
(وأما الشرطية) كأنه قيل: أما التقسيم في الحمليات فكذا وكذا.
وأما التقسيم في الشرطيات فكذا وكذا؛ لأن أما التفصيلية تقتضي ذِكرَ المتعدد بعدها، وأما مقابلةٌ لها (وأما الشرطية).
(فالحُكم فيها) يعني: في الشرطية.
(بالاتصال والانفصال) بالاتصال يعني: التلازم، والانفصال يعني: العناد والتنافي، والواو هنا بمعنى أو .. الاتصال أو الانفصال؛ لأنه لا يجتمعان، ومر معنا أن الشرطية إما متصلة وإما منفصلة .. مرَّ الفرق بينهما.
هنا قال: (حُكِم فيها) الشرطية (بالاتصال) يعني: التلازم بين المقدَّم والتالي.
(والانفصال) يعني: العناد والتنافي بين المقدَّم والتالي إذا سمّينا الأول مقدمًا والثاني تاليًا. والواو هنا بمعنى أو.
قال: (إن كان) أراد أن يقسِّم: مخصوصة أو كلية، التقسيم السابق: كُلّيّة وشخصية أو مخصوصة، تقسيمٌ باعتبار الحمليات.
هل هذا التقسيم يجري في الشرطيات؟ قال: نعم.
يعني: ليس خاصًا بالحمْليات، ولذلك في السلَّم أجراه على الحمليات فقط؛ لأنه لا فائدة فيه هنا، فحينئذٍ أجرى المصنف هنا التقسيم السابق في الشرطيات، وأما الشرطيات فالحُكم فيها بالاتصال والانفصال.
(إن كان على وضعٍ معيَّن نحو: إن جئتني الآن أكرمتُك، وزيدٌ الآن إما كاتبٌ أو غير كاتب فمخصوصة.
أو على جميع الأوضاع الممكنة نحو .. إلى آخره، فمحصُورة ٌ كُلّيّة، أو على بعضها الغير معيَّن).
[ ١١ / ١٢ ]
إذًا: قسَّمها كالتقسيم السابق، فلا فرق بين الحملية والشرطية في هذا التقسيم، وإنما الأمثلة تختلف، والمعاني كذلك تختلف.
قال: (إن كان) هذا شروعٌ في التقسيم (إن كان على وضعٍ معيَّن).
(وضع) قال: أي زمن أو حال.
(معيَّن نحو) قدَّر هنا مثالًا آخر: (إن كان زيدٌ منتصبًا للشمس وقت الضحى كان له ظلٌ ممتدٌ إلى المغرب).
(إن كان زيدٌ منتصبًا للشمس) يعني: واقف للشمس وقت الضحى، قيَّده هنا بوقتٍ معيَّن وقت الضحى لا الظهر ولا الصباح مثلًا يعني: قبل الضحى.
(كان له ظلٌ ممتدٌ إلى المغرب).
قال: (فقد حُكم بلزوم الظل إلى المغرب لانتصابه لها في وقت معيَّن).
هذا المراد بماذا؟ إن كان على وضعٍ معيّن إما زمن وإما حال.
الزمن تقييدُه بوقت معيّن وقت الضحى مثلًا وقت الظهيرة، أو بحالٍ معيَّن كأن يكون متكئًا أو نائمًا أو آكلًا أو شاربًا، هذا يسمى حالًا معيَّنًا لا مطلقًا.
قال: (إن كان على وضعٍ معيَّن) وضعٍ يعني: زمن أو حال.
معيَّن يعني: خاص.
قال هنا: (نحو: إن جئتني الآن أكرمتُك) هنا فيه اتصال، الإكرام متوقفٌ على المجيء، لكن قيَّده بالآن فهو على وضعٍ معيَّن لا مطلقًا، لو قال له: إن جئتني أكرمتك فأطلق، أو قال في أي وقتٍ حينئذٍ صارت عامة.
(إن جئتني الآن أكرمتُك) فقد حُكِم بلزوم الإكرام لمجيئه مقيَّدًا بوقت معين وهو الآن.
(وزيدٌ الآن إما كاتبٌ أو غير كاتب) أراد أن يمثِّل للمتصلة والمنفصلة، الأُولى للمتصلة والثانية للمنفصلة.
(زيدٌ الآن) قيَّده بوقت معيَّن.
(إما كاتبٌ أو غيرُ كاتب) فقد حَكم فيها بالعناد بين المقدَّم والتالي مقيَّدًا بالآن.
(فمخصوصةٌ) ما إعراب مخصوصة؟ فهي مخصوصة يعني: خبر مبتدأ محذوف، والفاء هذه واقعة في جواب الشرط.
(إما) لأنها مضمَّنة الشرط.
(إما كاتبٌ أو غيرُ كاتب فمخصوصة) فهي مخصوصة.
(إن كان على وضعٍ معيَّن) فهي مخصوصة. إن كان الشرط هذا.
(فمخصوصة) يعني: فهي مخصوصة أي: وشخصيةٌ أيضًا.
هذا إن كان على بعض الأوضاع.
(أو) هذا للتنويع .. النوع الثاني.
(على جميع الأوضاع الممكنة) (أي: التي يمكن اجتماعُها مع المقدَّم) ولم يذكر الشارح هذا القيد، لا بد من ذكره؛ لأنه ليس كل حالٍ أو وضعٍ يمكن اجتماعه مع المقدَّم، لكن الذي يُفترض اجتماعُه.
قال: (أو على جميع الأوضاع الممكنة) أي: التي يمكن اجتماعُه مع المقدم.
أي: الأحوال الحاصلة للمقدم بسبب اجتماعه مع الأمور الممكنة، فإذا قلنا: كلما كان زيدٌ إنسانًا فهو حيوان.
صادقة أو لا؟ صادقة، أطلقَها (كلما كان زيدٌ إنسانًا فهو حيوان) فقد حكَمْنا بلزوم كون زيد حيوانًا وهو التالي لكونه إنسانًا وهو المقدَّم مع كل وضعٍ من أوضاع زيدٌ، ككونِه قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، على أيمن أو أيسر، أو على ظهره أو بطنه، نائمًا أو يقظان، آكلًا أو .. جميع الأحوال لا ينفك عن كونه حيوانًا .. في جميع الأحوال: قائمًا نائمًا، كل زيد يعتبر إنسانًا أو حيوانًا، لا ينفك عنه، هذا يسمى جميع الأوضاع الممكنة.
غير الممكنة: لو قدَّرت افتراضًا -كما سيذكره الشارح- فحينئذٍ يكون خارجًا عن المذكور، لكن الغالب أنه يكون في الأشياء الممكنة .. الأصل في إطلاق اللفظ على الممكن.
[ ١١ / ١٣ ]
قال هنا: (أو على جميع الأوضاع الممكنة) أي: الممكن اجتماعُها مع المقدَّم.
قال: وإنما قُيدت الأوضاع بإمكان اجتماعها مع المقدم؛ لئلا يلزم من إطلاقها ألا تصدُق قضيةٌ شرطية كُلّيّةٌ أصلًا، لأن بعض الأوضاع مما لا يصلح مع اللزوم والعناد، وهذا إذا فُرِض المقدَّم مع نقيض التالي أو ضدِّه، فإنه حينئذٍ لا يلزمه التالي لضرورة امتناع استلزام الشيء للنقيض كما سيأتي في الشرح.
قال: (نحو: كلما كانت الشمس طالعةً فالنهار موجودٌ. فقد حُكم بلزوم وجود النهار لطلوع الشمس على كل وضعٍ يمكن اجتماعُه مع طلوعها ككونها مغيَّمة أو غير مغيمة، وكونه أول النهار أو فيما بعده من أجزاءه .. إلى آخره.
وكون الفصل ربيعًا أو صيفًا أو خريفًا أو شتاءً، وكون البلد شرقيًا أو غربيًا أو جنوبيًا ..) إلى آخره دون استثناء.
هذا عموم للأوضاع في الأزمان والأحوال، إما بالزمن وإما في الحال.
(فالنهار موجود) هذا مثالٌ للمتصلة.
قال: (ودائمًا إما أن يكون العدد زوجًا أو فردًا، فقد حُكم فيها بمنافاة زوجية العدد لفرديته على كل وضعٍ يمكن اجتماعُه معهما، ككون المعدود ذهبًا أو فضة أو غيرَهما، وكون الشمس طالعةً أو غائبة).
قال المحشي هنا: (وقيَّدنا الأحوال بالممكنة لأنه لو اعتُبرت الممتنعة أيضًا لما صدقت قضيةٌ كُلّيّة مثلًا: إذا قيل: كلما كان هذا إنسانًا كان حيوانًا.
واعتبرنا) في الذهن يعني (حالة لا يمكن أن يجتمع المقدَّم مع التالي.
واعتبرنا وضعًا ممتنعًا وهو كون الإنسان غير حيوان لم يصدق) كلما كان هذا إنسانًا كان حيوانًا، والمراد بالإمكان هنا الأعم المقابل للامتناع الصادق بالوجوب والجواز.
قال: (فمحصورة كُلّيّة) يعني فهي محصورة كُلّيّة، إن كان على وضعٍ معيّن فمخصوصة، إن كان على جميع الأوضاع الممكنة دون استثناء شيءٍ منها، هذا الأصل فيه -في الممكنة يعني- فحينئذٍ تكون محصورةً كُلّيّة.
(أو على بعضها) يعني: بعض الأوضاع الممكنة، حينئذٍ صارت جزئية.
(أو على بعضها) أي: الأوضاع الممكنة.
(الغير المعيَّن) يعني: البعض.
(نحو: قد يكون) هذا جزئي عندهم في هذا الموضع.
(إذا كان الشيء حيوانًا كان إنسانًا) كأنه قال في الحمْليات: بعضُ الحيوان إنسان.
(قد يكون إذا كان الشيءُ حيوانًا كان إنسانًا.
فقد حُكم فيها بملازمة كونه إنسانًا لكونه حيوانًا، لا على جميع الأوضاع الممكنة بل على بعضها ككونِه حيوانًا متفكرًا).
يعني: الوضع هذا لا يؤخذ من اللفظ، وإنما يكون بأمرٍ خارج عنه، قد يُذكر فيما سيأتي في الضروريات ونحوها، لكن هذا لا يُفهم هنا من كونه يُذكر القيد في اللفظ، وإنما يكون باعتبار شيءٍ خارجٍ عنه.
قال: (أو على بعضها الغير المعيَّن نحو: قد يكون إذا كان الشيء حيوانًا كان إنسانًا، وقد يكون إما أن يكون الشيء حيوانًا أو أبيض).
يعني: أراد أن يمثّشل للنوعين: المتصلة والمنفصلة (هذه حُكم فيها بالعناد بين كون الشيء حيوانًا وكونه أبيض) إما أن يكون الشيء حيوانًا أو أبيض، قد يكون غير ذلك، هذا إذا اعتُبر ماذا؟ (لا على جميع الأوضاع الممكنة بل على بعضها وهو كونُه أسود) يعني: لا يجتمعان، لكن هذا اعتبار خارجي يعني، من عنده يفترض أمرًا لا يجتمع معه فيستثنيه.
[ ١١ / ١٤ ]
(فمحصورةٌ جزئية) وسورُها قد يكون.
(وإلا فمهملةٌ) أي: وإن لم يبيَّن فيها كميةُ الأوضاع والأحوال كلًا أو بعضًا كإطلاق (إنْ) و(لو) و(إذْ) في المتصلة، و(إمَّا) في المنفصلة أي: تجريدُها عن السور الكلِّي والجزئي فهي مهملة.
إذًا: الشرطيات تنقسم إلى أربعة أقسام.
(وإلا فمهملةٌ نحو: إن كانت الشمس طالعةً فالأرض مضيئة.
وإما أن يكون العدد زوجًا أو فردًا) إلى هنا انتهى التقسيم الرباعي للشرطيات، والمعاني والأمثلة كررها مثالًا للمتصلة ومثالٌ للمنفصلة.
قال: (وسور الموجبة الكُلّيّة في المتصلة) يعني: الذي يدل على أنها مسوَّرة بسور كُلّي وهو موجَب في المتصلة.
(كلما، ومهما، وحيثما، ومتى، ومتى ما).
قال السعد: مهما بحسب اللغة إنما هي لعموم الأفراد، حتى تصلح سور الكُلّيّة الحملية وهم -يعني: المناطقة- قد نقلُوها إلى عموم الأوضاع أي: الأزمان والأحوال وجعلُوها سور الكُلّيّة المتصلة.
يعني: لهم اصطلاحٌ خاص، وإلا في لسان العرب فلها معنًى آخر.
قال: وفي المنفصلة "دائمًا" -يعني: لفظُ دائمًا- وسور السالبة الكُلّيّة فيهما -في المتصلة والمنفصلة- ليس البتة. يعني: هذا اللفظ المركّب من كلمتين كلا شيء في الحملية.
وسور الموجبة الجزئية فيهما -يعني: المتصلة والمنفصلة- قد يكون.
وسور السالبة الجزئية فيهما -المتصلة والمنفصلة- قد لا يكون، كالسابق لكنه سُلِّط عليه النفي.
قد لا يكون يعني: هذا اللفظ المركّب من الكلمات الثلاثة: قد، لا، يكون. جُعل سورًا واحدًا كأنه كلمة واحدة.
إذًا: هذا هو المشهور عندهم في السور الداخل على المتصلة وعلى المنفصلة.
قد لا يكون، ولذلك هذه يهملها بعضهم؛ لأنها كما تقرأ الأمثلة فيها ركاكة وليست كما سبق: أل الاستغراقية، وكل، وقاطبة، وطرًّا .. كل هذه الألفاظ هي من صيغ العموم، ولها أمثلة كثيرة حتى في القرآن والسنة.
لكن كلما كانت الشمس .. إلى آخره، ليس له وجود، وإنما هي أمثلة اصطناعية، ولذلك فيها ركاكة.
ولذلك بعضهم لا يرى أن هذه الشرطيات تنقسم؛ لأنه لا فائدة فيها كبرى.
قال رحمه الله تعالى: (وبالجملة فالأوضاع هنا بمنزلة أفراد الموضوع في الحملية).
الأوضاع التي هي الزمن أو الحال، والتي ذكرناها هنا.
(هنا) يعني: في هذا التقسيم .. تقسيم الشرطية.
قال: (هنا) أي: في مقام تقسيم الشرطية.
(بمنزلة أفراد الموضوع في الحملية) إذًا: متقابلان: الأوضاع هنا سواءً كانت كلَّها جميعَها أو بعضَها يقابِل الأفراد في الحملية.
قال العطار: (فيه ردٌ على قومٍ زعموا أنَّ كُلّيّةَ الشرطية وإهمالَها وشخصيتَها بحسب الأجزاء، فإن كانت الأجزاء كُلّيّة كقولنا: إن كان كلُّ إنسانٍ حيوانًا فكلُّ كاتب حيوان. فالشرطية كُلّيّة.
وإن كانت شخصية كقولنا: كلما كان زيدٌ يكتب فهو يحرك يده. فهي شخصية).
يقصد بحسب الأجزاء يعني: الموضوع والمحمول.
إن كان الموضوع شخصيًا فهي شخصية، وإن كان كُلّيًا فهي كُلّيّة. نقول: لا، ليس هذا الاعتبار، إنما الاعتبار في الإسناد .. في الاتصال والعناد.
قال: (بحسب الأجزاء، فإن كانت الأجزاء كُلّيّة كقولنا: إن كان كل إنسانٍ حيوان –هذا كلي- فكل كاتب حيوان. فالشرطية كُلّيّة.
[ ١١ / ١٥ ]
وإن كانت شخصية كقولنا: كلما كان زيدٌ يكتب –هذه شخصية- فهو يحرك يده. فهي شخصية.
وإن كانت مهملة فمهملة).
قال: (ولو نظروا بعين التحقيق لوجدوا الأمر بخلاف ذلك؛ فإن الحملية لم تكن لأجل كُلّيّة الموضوع والمحمول، بل لأجل كُلّيّة الحُكم) لكنه مستفاد كذلك من قضية الأسوار.
(ونظيرُه هنا الاتصال والعناد، فكما يجب في الحمليات أن تنظر إلى الحُكم لا إلى الأجزاء كذلك في الشرطيات يجب ارتباط الأحوال بالحُكم، وكُلِّيَّة المتصلة والمنفصلة اللزوميتين بعموم اللزوم والعناد، جميعُ الفروض والأزمنة والأحوال).
إذًا: النظر هنا يكون باعتبارٍ إسنادي: الاتصال والانفصال، كما هو الشأن في الحمليات، لكن الحمليات ظاهر تلازُم بين الإسناد الكلِّي وكون الموضوع كُلّيًا، والإسناد الجزئي وكون الموضوع جزئيًا؛ لأنه باعتبار وضعِه يكون كذلك.
ولذلك كل، وأل الاستغراقية، وما مر معنا في الأسوار الكلِّية أو الجزئية بعض .. ونحوها، هذه كلها باعتبار اللغة العربية تدل على الجميع في الكُلِّيّات وعلى البعض في الجزئيات.
فإذا أردتَ بالإسناد الحكم على الجميع -جميع الأفراد- انتقيتَ موضوعًا كُلّيًا وسورًا كُلّيًا، فهما متلازمان.
لكن لعدم الظهور هنا في الشرطيات قد يقال بما نصَّ عليه العطار.
قال هنا: (واعلم أنه قد جرَت عادةُ القوم).
العادة: هو الفعل الدائم والأكثر، يقابلها: النادر.
(واعلم أنه قد جرت عادة القوم بأنهم يعبِّرون عن الموضوع بـ: جيم، وعن المحمول بـ: باء).
"كل جيم باء" هكذا في كثير من الكتب، يعبِّرون عن القضية .. ما يقولون: كل إنسان حيوان يقولون: كل جيم باء، من باب الاختصار.
قال: (جرت عادة القوم) المناطقة.
(بأنهم) في كثير من أحوالهم ليس مطَّرِدًا (يعبِّرون عن الموضوع بجيم) يعني: بهذا اللفظ المسمى جيمًا.
(وعن المحمول بباء) يعني: بهذا اللفظ المسمى باءً. يعني: لا يقال جَهْ أو بَهْ، إنما يقال: جيم، باء .. كل جيم باء.
(قال العصام: قد اشتَهر بين المحصِّنين التلفظ به بسيطًا) يعني: تَهْ بَهْ. هكذا بسيط.
(والحق أن يُتلفظ به هكذا: جيم، باء. والاقتصار على جريان العادة من غير وجهٍ لاختيار جيم وباء من بين حروف الهجاء تنبيهٌ على أنه اتفاقيٌ لا موجِب له).
يعني: لماذا جيم، ولماذا باء؟ الله أعلم، هكذا انتقائي .. اتفاقي، ليس له عِلَّة.
أنت تقول: سمعنا وأطعنا هنا، تقلِّد في مثل هذه الأشياء.
قال: (والتعبير عن الموضوع بجيم ليس معناه التعبير عن مفهوم الموضوع بجيم، بل عن فردٍ مبهمٍ).
التعبير بجيم، بباء. ليس عن موضوعٍ معيَّن ولا محمولٍ معيَّن، وإنما أرادوا به أن هذا كناية عن مبهمٍ .. عن فردٍ.
وحينئذٍ يصدُق على كل موضوع، والمحمول يصدق على كل محمول. ولذلك اختاروا هكذا انتقائية وهو مبهم من حيث التعليل؛ ليصدُق على كل موضوعٍ وكل محمول، هكذا قيل.
(والاقتصار على جرَيان العادة من غير وجهٍ لاختيار جيم وباء من بين حروف الهجاء تنبيهٌ على أنه اتفاقيٌ لا موجِب له.
[ ١١ / ١٦ ]
والتعبير عن الموضوع بجيم ليس معناه التعبير عن مفهوم الموضوع بجيم، بل عن فردٍ مبهمٍ، وكذا التعبير عن المحمول بباء. فيسري الحُكم إلى هذه الصورة في جميع القضايا من غير اختصاصٍ بمادة) فلا يقال: كل جيم باء المراد به: كل إنسان حيوان بذات اللفظ والتركيب، فما عداه لا يصدُق عليه لا، يصدق على كل مؤلَّفٍ من موضوعٍ ومحمول، يصح أن يقال: كل جيم باء .. إلى آخره.
(بناءً على أن الناظر إذا وجدها محتمِلة لكل قضية، ولم توجد قضيةٌ أَولى بالحكم من أخرى، علم أنه لا اختصاص له بواحدة منها، وكأنهم توسَّلوا في هذا بحروف الهجاء لمناسبة أنها موضوعة لأن يُتوسل بها إلى أداء جميع المعاني، فناسب أن يؤدَّى ببعضٍ منها جميع).
يعني: الحروف كلها تؤدي جميع المعاني، لكن أنت ركِّب ما شئت، قالوا: كذلك جيم باء، حينئذٍ يصدُق تحته كلُّ فردٍ من أفراد الموضوع والمحمول، فلا يختص.
كما أن الحروف الهجائية لا تختص بمعنًى من المعاني، هذا المراد. على كلٍ لا يُعلَّل.
قال: (جرت عادة القوم بأنهم يعبِّرون عن الموضوع بجيم، وعن المحمول بباء، فيقولون: كل جيم باء دون: كل إنسان حيوان مثلًا) كل جيم باء هكذا التعبير.
(فكأنهم قالوا: كل موضوعٍ محمول) لأن الباء كنايةٌ عن المحمول، وجيم كناية عن الموضوع.
إذًا: كل جيم باء، إذًا: كل موضوعٍ محمول، هكذا قيل.
(كأنهم قالوا: كل موضوعٍ محمول، وهذه قضية مخصوصة كاذِبة) لأنه ليس كل موضوع محمول.
(لا سيما إذا امتنع حملُ الجزئي الحقيقي) كل موضوعٍ محمول، إذًا: يكون الموضوع محمولًا، ومر معنا أن الموضوع قد يكون جزئيًا، والجزئي الحقيقي لا يقع محمولًا. إذًا: هذه كاذبة.
(لا سيما إذا امتنع حملُ الجزئي الحقيقي فينبغي أن يُحمل الكلام على أنه كأنهم قالوا: كل إنسان حيوان) .. إلى آخر الأحكام.
(إلا أنه لما جمعَ جميع الأحكام في هذه العبارة اختلت العبارة) صار فيها شيءٌ من الاختلال قاله العصام.
قال العطار: (قولُه: هذه قضية مخصوصة أي: خاصة من بين القضايا وفردٌ من أفرادها.
وقولُه: كاذبة وجه ذلك أنه ليس كل موضوعٍ محمولًا، بل بعض الموضوعات لم يُحمل على شيء) كالجزئيات، بناءً على أن المشهور أن المحمول لا يكون إلا كُلِّيًا.
(وقوله: لا سيما إذا امتنع حمل الجزئي الحقيقي فإنه حينئذٍ يظهر كذِب هذه القضية غاية الظهور؛ إذ كثيرًا ما يكون الموضوع جزئيًا حقيقيًا فلا يصلح لأن يكون محمولًا أصلًا) لما مر.
قال: (فيقولون: كل جيم باء دون: كلِّ إنسانٍ حيوانٍ مثلًا) أي: دون أن يقولوا هذا القول.
يعني: (كل إنسانٍ حيوان) دون أن يقولوا هذا القول (كل إنسان حيوان) يقولون: كل جيم باء، (مثلًا) هذا راجعٌ إلى أي شيء؟ (فمثلًا من جملة المقول لا أنه راجعٌ للقول).
يعني: كل إنسانٍ حيوان، وكل إنسانٍ كاتب.
(مثلًا) يعني: وغيرَه، كأنه قال: إلى آخره؛ لأن كل جيم باء كناية عن أفرادٍ مبهمَة، فيصدُق على هذا كما تقول: أعتق عبدًا، يصدُق على زيدٌ أنه عبد، ويصدُق على عمرو أنه عبد، ويصدُق .. إلى آخره، فهو مطلق.
فعمومُه شمولي أو بدلي؟ بدلي، بمعنى أنه يصدُق على الجميع، لكن إن صدَق مرة على شخصٍ خرج البقية. هذا مِثلُه.
[ ١١ / ١٧ ]
(دون كل إنسان حيوان. أي: دون أن يقولوا هذا القول أعني -كل إنسانٍ حيوانٍ مثلًا- فمثلًا من جملة المقول لا أنه راجعٌ للقول.
ويكون المعنى دون قولهم: كل إنسانٍ حيوان أي: أو كل فرسٍ صاهل، فالمقصود بمثلًا التنصيص على العموم) مثلًا كأنه قال: إلى آخره، يعني: أراد أن يعمِّم.
قال: (للاختصار) يعني: هذا تعليلٌ لأي شيء؟ لما سبق، أنهم يُكَنُّون عن الموضوع بجيم وعن المحمول بباء، لماذا يقولون ذلك أو جرت العادة بينهم؟
قال: (للاختصار، ولدفع توهُّم انحصار جزئيات الأحكام في مادةٍ) وهذا قد يقال؛ لأنهم دائمًا يمثِّلُون (كل إنسانٍ حيوان) فيظن الظان أنه لا يوجد إلا هذا المثال وهو كذلك، فيظن الظان أنه لا يوجد إلا هذا المثال فكأن الأحكام لا توجد إلا في هذا، فلو خرج عنها حينئذٍ لا يصح أن تجري عليه الأحكام، فدفْعًا لهذا الاحتمال .. التوهُّم، حينئذٍ قال: كل جيم باء؛ ليصدق على كل إنسان حيوان، وعلى غيره.
(للاختصار) هذه عِلَّة.
(ولدفع توهم انحصار جزئيات الأحكام في مادة) هذه عِلَّةٌ أخرى.
ولذلك قال العطار: (تعليلٌ لما ذُكِر أي: أنهم إنما فعلوا ذلك لفائدتين:
فالدَّاعي إلى الطريقة المذكورة مجموع فائدتين لا كلٌ منهما).
قال: (والخطْبُ يسير) الخَطْب أي: الحُكم، بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة أي: الحُكم (يسير) أي: سهلٌ وهو الجواز والاستحسان الاصطلاحي بحيث لا يُحكَم لا مخالفه بالخطأ.
فإذا رأيت من يقول: كل إنسانٍ حيوان أو كل جيم باء، حينئذٍ لا تُخَطِئ، قل: هذه طريقة وعليها الأكثر، وهذه طريقة. المتقدِّمون لهم شيء والمتأخرون لهم شيءٌ آخر.
(فلهذا خالفهم المصنف).
(فلهذا) لكون الخطْب يسير، والمسألة اصطلاحية واستحسان عقلي.
(خالفهم المصنف) أي: في تمثيله بالمواد دون الحروف تسهيلًا على المبتدئ. هذا في بعضها وإلا سيأتي أنه يعبِّر بالحروف، لكن في الغالب فيما مضى يقول: كل إنسانٍ حيوان، كل إنسانٍ كاتب .. إلى آخره، يأتي بالمادة؛ لأنها أوضح عند المبتدئ، لكن إذا قال: كل باء جيم ويأتي في الموضع الثاني كل باء جيم .. كل باء جيم، فحينئذٍ يقع فيه إشكال عنده في الفهم.
قال: (وأنه كما لا بد للقضية من نسبةٍ -كما مر- لا بد لها من كيفيةٍ في الواقع).
(وأنَّه) هذا عطْفٌ على قوله: (واعْلم أنه قد جرت عادة القوم) يعني: من المأمور بعلمه "واعلم أنه كما لا بد للقضية من نسبةٍ لا بد لها من كيفية" عطفٌ على قوله: (قد جرت ..) إلى آخره، (فهو من المأمور بعِلمِه) وهذا شروعٌ من المصنِّف في بحث الموجَّهات جمعُ موجَّهَة والموجَّهَة قضيةٌ ذُكِرت فيها الجهة.
قال: (وأنه كما لا بد للقضية من نسبةٍ كما مرَّ) أين مرَّ؟ في قوله: (والقضية ثلاثة أجزاء ..) إلى آخره، هذا معلومٌ مما سبق، ما الذي أراده هنا؟
(لا بد لها) أي: النسبة (من كيفية في الواقع).
إذًا: النسبة يجب أن تَعلم أنها جزءٌ من أجزاء القضية الثلاثة، وعرَفنا المراد بالنسبة، هنا يجب أن تعلم أن لها كيفيةً في الواقع (لا بد لها من كيفية في الواقع).
قال: (وتسمى) أي: هذه الكيفية (مادةً، فإن ذُكر لها لفظٌ يدل عليها سُمّي جهةً، وسُمّيت القضية موجَّهَة).
[ ١١ / ١٨ ]
إذًا: التوجيه هنا حاصلٌ في كون اللفظ يُذكر مبيِّنًا لكيفية النسبة، فإن ذُكر اللفظ حكَمنا على أنها موجَّهة، وأن هذا اللفظ جهة، ولذلك سُمّيت موجَّهة؛ لذكر الجهة فيها.
قال هنا: (وأنه كما لا بد للقضية من نسبة -كما مر- لا بد لها) أي: للنسبة (من كيفيةٍ في الواقع) يعني: في الخارج؛ لأن النسبة كما مر معنا هي أمرٌ ذهني.
قلنا: الإدراك للموضوع، ثم إدراكٌ للمحمول، ثم إدراكٌ للنسبة التي هي ارتباط الموضوع بالمحمول. هذا كلُّه في العقل.
حينئذٍ نقول: في الواقع لا بد له من دليل يدل عليه، فإن وُجد فهي التي تسمى بالموجَّهة؛ لأنها تعتني ببيان كيفية النسبة في الخارج.
(وتسمى مادة) أي: وعنصرًا (باعتبار وقوعِها في الواقع.
وأما باعتبار حصولها في العقل فتسمى جهة) وعبارة القطب في شرح الشمسية: نسبة المحمول إلى الموضوع سواءٌ كانت بإيجابٍ أو سلبٍ لا بد لها من كيفية في نفس الأمر -وهو كذلك- كالضرورة واللا ضرورة، والدوام واللا دوام.
وتلك الكيفيات الثابتة في نفس الأمر تسمى مادةَ القضية، واللفظ الدال عليها في القضية الملفوظة أو حُكمَ العقل بأن النسبة مكيِّفة بكيفية في القضية المعقولة يسمى جهة.
يعني: اللفظ دال على. كما يقول: كل إنسان حيوان بالضرورة، بالضرورة اللفظ هذا كما سيأتي في الأنواع الأربعة، بالضرورة هو الذي نسميه جهة؛ لأنه دل على كيفية وقوع النسبة في الخارج، وهي أربعة أجزاء كما سيأتي.
قال هنا: ومتى خالفَت الجهةُ مادةَ القضية كانت كاذبة.
إذًا: (وتُسمى مادةً، فإن ذُكر لها لفظٌ يدل عليها فهي جهة) سُمّيت جهةً (وسُمّيت القضية موجَّهة).
قال هنا: (وهي إما ضرورية).
(وهي) أي: القضية الموجَّهة.
قال هنا: (كيفيات النسبة) هذه قاعدة وضابط لها.
(كيفيات النسبة كلُّها منحصرةٌ في الضرورة ومقابِلها) الإمكان.
(والدوامِ ومقابِله) عدم الدوام، هذه أربعة، ولذلك قيل هنا: أصول المادة أربعة: الضرورة أي: الوجوب .. المراد به الوجوب العقلي.
الثاني: الدوام.
الثالث: الإمكان.
الرابع: الإطلاق. أي: الحصول بالفعل.
هذا المراد بالموجَّهات هنا، اللفظ الذي يدل على الجهة وتسمى القضية بها موجَّهة واحدٌ من هذه الأربعة، وكلها أنواع .. سيأتي.
إما قولك بالضرورة، أو قولك بـ: دائمًا مثلًا أو لا دائمًا: إثباتًا ونفيًا، أو بالإمكان: العام أو الخاص، أو الإطلاق أي: الإطلاق بالفعل. هذا يسمى أصول المادة الأربعة.
إذًا: لا بد للنسبة من صفة في الواقع، تسمى مادة وعنصرًا، واللفظ الدال عليها جهة، والقضية المشتملة عليها موجَّهة، وأصول المادة أربعة:
الضرورة أي: الوجوب. هذا الأول.
الثاني: الدوام، الثالث: الإمكان، الرابع: الإطلاق أي: الحصول بالفعل.
ويستعمل المادة مشتقة من هذه الألفاظ: ضرورة .. بالإمكان العام .. بالإمكان الخاص .. دائمًا .. مطلقًا .. إلى آخره، إن وَجدتَ هذه الألفاظ فاحكم بأنها موجَّهة كما سيأتي.
إذًا: كيفيات النسبة كلها منحصرةٌ في: الضرورة ومقابِلها، والدوام ومقابِله. هذه أربعة، وهي ترجع إلى ثلاثة أمور: وجوب وجود، وامتناعُه وهي الاستحالة، وإمكانٌ خاص وهو الجواز العقلي. وهذه الثلاثة هي أقسام الحُكم العقلي.
[ ١١ / ١٩ ]
قال هنا: (وهي) أي: القضية الموجَّهة.
(إما ضرورية) قال: (أي: منسوبةٌ للضرورة أي: الوجوب العقلي، نسبةَ الكل لجزئه، وهي القضية التي فيها لفظٌ يدل على ضرورة نسبتها أي: اتصافها بأنها ضرورية أي: واجبةٌ عقلًا لا تَقبل الانتفاء).
مثاله -ما ذكره الشارح-: كل إنسانٍ حيوانٌ بالضرورة، لا ينفك عنه .. وجوبٌ عقلي. لا ينفك عنه أبدًا، يعني: كيفيتُه في الخارج لا بالجواز وإنما هو بالضرورة يعني: الوجوب. لا ينفك الإنسان عن كونه حيوانًا.
إذًا: النسبة بين الإنسان وبين الحيوان هو وجوب الوجود، ولكن هذا في الخارج كما هو الشأن في النَّفْس.
ما الذي دل على ذلك؟ لفظ "بالضرورة"، حينئذٍ تكون هذه موجَّهة، اللفظ الذي دل على الجهة هو قولُك: بالضرورة.
إذًا: الضرورة المراد بها منسوبةٌ للضرورة أي: الوجوب العقلي، وهي القضية التي فيها لفظٌ يدل على ضرورة نسبتِها أي: اتصافها.
أي: القضية بأنها ضرورية أي: واجبةٌ عقلًا لا تقبل الانتفاء.
وإذا استعملنا هذا في الشرعيات كذلك، عندنا من المعلوم من الدين بالضرورة، ولا شك أنها تدخل في هذه.
(وهي إما ضرورية نحو: كلُّ إنسانٍ حيوانٌ بالضرورة.
أو دائمةٌ: وهي التي فيها لفظٌ دالٌ على دوام النسبة نحو: كل إنسانٍ حيوانٌ دائمًا) وجيء باللفظ: دائمًا.
(أو لا ولا) هذا اختصار: [وَالحَنبَليُّ لاَ وَلاَ] لا تصح ولا أجر، (أو لا ولا) يعني: لا ضرورية ولا دائمة؛ لأنه قال: (وهي إما ضرورية، أو دائمة، أو لا ولا) يعني: لا ضرورية ولا دائمة.
(وهذا صادقٌ بقسمين: الممكنة والمطلَقة).
نحن قلنا: الضرورة، الدوام، الإمكان، الإطلاق. أربعة، ذكَر الضرورية وذكر الدائمة، بقي: أو لا ولا. ليست ضرورية ولا دائمة، ماذا بقي؟ الممكنة والمطلقة.
(والممكنة: هي القضية التي فيها لفظٌ دالٌ على أن مادتها الإمكان) إمكان الخاص يعني: أنه جائزٌ.
(والمطلقة: هي القضية التي فيها لفظٌ دالٌ على أن مادتها الحصول بالفعل) كما ذكَرنا.
ثم قال: (وقد تتعدد القضايا بحسب ذلك) تتعدد القضايا يعني: الأربعة هذه، ما هي الأربعة؟ الضرورية، والدائمة، والممكنة، والمطلقة. هذه قد تتعدد.
إذًا: هي الأصول الأربعة، هي القوا؟؟ الأربعة، ثم قد تتعدد بحسب ذلك.
(وتعدد القضايا) أي: الضرورية والدائمة والممكنة والمطلقة (بحسب ذلك) أي: المذكور من الضرورة والدوام وغيرهما.
(أي: بحسب إطلاق الضرورة والدوام والإمكان والإطلاق وتقيِيدها) إما تكون ضرورة مطلقة وإما خاصة، دوامٌ مطلق دوامٌ خاص، إمكانٌ مطلق إمكانٌ خاص .. وهكذا تتعدد.
قال هنا: (وحصَرها المتأخرون في ثلاث عشرة قضية ترجع إلى أربعة أقسام).
حصَرها من؟ المتأخرون.
حصروا ماذا؟ الموجَّهات .. البحثُ في الموجَّهات.
(وحصرها) أي: الموجَّهات (المتأخرون) يعني: المناطقة؛ لأن عنايتهم دائمًا بالعدِّ أكثر من المتقدمين، المتقدمون يذكرون القواعد أهم شيء.
ثُم حصر العدد وما ينتُج هذا ما يلتفتون إليه في الغالب، لكن المتأخرون للفراغ عندهم وجدوا أنهم يحصُرون بعض الأشياء ويوصلونها إلى ألف وخمسمائة ..
قال: (وحصَرها المتأخرون في ثلاث عشرة قضية).
[ ١١ / ٢٠ ]
قال العطار -كقاعدة عامة-: (المحصور في هذا العدد هو القضايا التي جرت العادة بالبحث عنها، بأن تحقَّقُوا مفهوماتِها وبيَّنُوا النسبة بينها وعن أحكامها، بأن بيّنوا نقائضَها وعكوسَها، فهي المحصورة فيما ذُكر، وإلا فهي تزيد على هذا العدد).
إذًا: الذي عليه العمل هو هذا: الذي بيّنوا عكوسها، ونقائضها، ومفهوماتها، ومعانيها، وكل ما يتعلق بها .. هي الثلاث عشرة هذه.
(فهي المحصورة فيما ذُكر، وإلا فهي تزيد على هذا العدد.
وهذه الثلاث عشرة منها بسائط ومنها مركَّبات) بسيط ومركَّب.
(فالبسائط: ما تكون حقيقتُها إيجابًا فقط، أو سلبًا فقط) هذه بسيطة تسمى، إيجاب فقط أو سلبًا فقط.
(والمركبات: ما تكون حقيقتها مركبة من الإيجاب والسلب) اجتمع فيها الأمران.
(إما باعتبار اللفظ كقولنا: كل إنسانٍ ضاحكٌ بالفعل لا دائمًا).
(كل إنسانٍ) هذا موجب (لا دائمًا) هذا سلب، اجتمع فيها السلب والإيجاب.
(أي: لا شيء من الإنسان بضاحكٍ بالفعل، وإما باعتبار دلالة الجهة كقولنا: كل إنسانٍ كاتبٌ بالإمكان الخاص، فإنه في معنى كل إنسانٍ كاتبٌ لا بالضرورة، ولا شيء من الإنسان بكاتبٍ لا بالضرورة، والعبرة بالجزء الأول من المركبة فإن كان إيجابًا فموجَبة أو سَلبًا فسالبة).
المراد من هذا الكلام: أن الحصر هنا في ثلاث عشرة قضية لا يدل على أنها لا تزيد، وإنما اعتنوا بهذا العدد لماذا؟ لكونها هي التي تُعتبر منتجة، أو النظر فيها باعتبار ثبوت العُكوس لها والنقائض، وبيان مفهوماتها.
قال: (وحصَرها المتأخرون في ثلاث عشرة قضية تَرجع إلى أربعة أقسام: الأول: الضروريات الخمس) هي سبعة لكن أَسقَط اثنتين.
(الضرورية المطلقة، والمشروطةُ العامة، والمشروطة الخاصة، والوقتية، والمنتشِرة) هذه خمس.
(الثاني) القسم الثاني.
(الدوائم الثلاث): الدائمة المطلقة، والعرفية العامة، والعرفية الخاصة) ثلاث.
(الثالث: المُمْكِنات): الممكنةُ العامة، والممكنة الخاصة.
(الرابع: المطلقات الثلاث): المطلقة العامة، والوجودية اللادائمة، والوجودية اللاضرورية).
وبيان هذه القضايا مع أمثلتها، وتمييزِ بسيطها من مركبها مذكورٌ في المطولات، فلترجعوا إليه.
قال العطار: (واعلم أن مباحث الموجَّهات هو أصلُ مباحث المنْطِق وأدقِّها، والكلام على تفصيلها يستدعي تطويلًا لا يليق بهذه الرسالة).
(ولما فرغ من تقسيم الحملية أَخذَ في تقسيم الشرطية متصلةً كانت أو منفصلة، فقال) (وَالمُتَّصِلَةُ: إِمَّا لُزُومِيَّةٌ).
(وهي) أي: اللزومية.
(التي) أي: القضية.
(التي يُحكم فيها بصِدق قضية) هذا جنسٌ شامل اللزومية والاتفاقية.
(بصدق قضية على تقدير صِدق أخرى لعلاقة) أخرج الاتفاقية، الاتفاقية لا لعَلاقة، هذا الفرق بينهما.
إذًا: (إِمَّا لُزُومِيَّةٌ، وَإِمَّا اتِّفَاقِيَّةٌ).
قولُه: (يُحكم فيها بصدق قضية على تقدير صدق أخرى) شمل النوعين: الاتفاقية واللزومية.
(لعَلاقةٍ بينهما) هذا أَخرج الاتفاقية؛ لأنه ليس بينهما علاقة.
قال هنا: (وهي التي يُحكم فيها بصدق قضية) الصدق هذا لا شك أنه من دلائل الإيجاب.
حينئذٍ عرَّف الموجَبة ولم يذكر السالبة، ولذلك قال العطار: (هذا التعريف خاصٌ بالموجبة لا السالبة).
[ ١١ / ٢١ ]
(فلو أُريد ما يعمُّها والسالبة، زِيدٌ قوله: أو بسلب اللزوم بينهما)؛ لأنه قال: (بصدق قضية) والصدق إنما هو الثبوت.
(فلو أُريد ما يعمها والسالبة زِيد قوله: أو بسلب اللزوم بينهما، وكذلك بقية التعريفات، إنما تعرِض للموجبات فيها دون السوالب، فيُطلب بشمول السوالب مثلما ذكرناه.
ولعله اقتصر عليها لأن عِلَّة التسمية فيها ظاهرة بخلاف السوالب فإنها محمولةٌ عليها) كما قلنا في الحملية، موجبة هذا واضح أنَّ فيها حمل، وأما السالبة ليس فيها حمل إنما فيها انتفاء .. رَفْع .. سَلْب وإزالة. حينئذٍ كيف يكون حملًا؟ من باب توسِعة الاصطلاح.
فيصدُق على البعض التعليل ولا يصدق على البعض الآخر، ولا إشكال؛ لأن المراد أنه يسمَّى هذا النوع بالحملية، بقطع النظر عما يدل عليه المفهوم.
قال هنا: (واعلم أنَّ صدق الشرطية وكذبَها ليس بحسب صدق الأخير) الذي هو التالي.
يعني: الصدق والكذِب هنا ليس باعتبار التالي .. الصدق والكذب في الشرطية ليس باعتبار التالي.
(فإنها قد تصدق وطرفاها كاذبان) يعني: المقدَّم لوحده كاذب، والتالي لوحده كاذب.
(بل مناط الصدق والكذب فيها هو الحكم بالاتصال والانفصال، فإن طابق الواقع فهو صادق وإلا فهو كاذب).
الاتصال والانفصال يعني: بالنظر إلى المجموع.
قال هنا: (وإلا فهو كاذب سواءٌ صدق طرفاها أو لم يصدُقا، لكنها لا تصدق عن مقدَّمٍ صادق وتالٍ كاذب؛ لامتناع استلزام الصادق الكاذب.
لأن معنى اللزوم هنا: هو وجوب صِدق التالي إن صَدق المقدَّم، أو وجوب كذِب المقدَّم إن كذَب التالي، فلو كان الصادق مستلزِمًا للكاذبِ لزِم كذِبُ الملزوم الصادقِ لِكذِب لازِمه.
وصِدق اللازم الكاذب بصدْق ملزومه فيجتمع النقيضان وهو محال).
إذًا: العبرة ليست بالنظر إلى الأخير فحسب.
قال: (وهي التي يُحكم فيها بصدق قضية على تقدير صِدْق أُخرى).
(على تقدير) زاد لفظ التقدير للإشارة إلى أنه لا يُشترط تحقُّقُ المقدَّم بالفعل؛ لأنه قد يكون محالًا «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا» [الأنبياء:٢٢] هذه لزومية ليست اتفاقية، لو فكَكتها «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ» هذا لا يصح، إذًا: هذا محال.
إذًا: (على تقدير صِدق أخرى) حينئذٍ نقول: لا يلزم أن يكون صادقًا، بل قد يكون محالًا.
(زاد لفظ التقدير للإشارة إلى أنه لا يُشترط تحقُّق المقدَّم بالفعل، بل يكفي فرضُ تحقُّقِه كما في قولنا: إن كان زيدٌ حمارًا فهو ناهق) وليس بحمار فليس بناهق.
(إن كان زيدٌ حمارًا فهو ناهق) زيدٌ حمار هذه صادقة أو كاذبة؟ كاذبة، لكن الجملة كلُّها صادقة أم لا؟ صادقة (إن كان زيدٌ حمارًا فهو ناهق) فليس بناهق لكونه ليس بحمار، لكنه ليس بناهق فليس بحمار.
(فإن هذه قضية صادقة، فإن المقصود من الشرطية إثبات اللزوم في الموجبة، أو رفعُه في السالبة.
وصدقُها بمطابقة ذلك للواقع وكذِبُها بعدمها، ولا عبرة فيها بصدق الطرفين أو كذبهما، هذا هو مذهب المناطقة) وهو مذهب أهل اللغة على الصحيح، أيَّده الشيخ الأمين رحمه الله تعالى في المقدمة.
[ ١١ / ٢٢ ]
(وأما أهل العربية فذكَرَ السعد أنهم على خلاف ذلك، وأبدى فرْقًا بين المذهبين فقال: إذا قلنا إن كانت الشمس طالعةً فالنهار موجودٌ) يعني: المسألة تتعلق هنا بالجواب والجزاء.
(فعند أهل العربية النهار محكومٌ عليه، وموجودٌ محكومٌ به، والشرط قيدٌ للجزاء.
ومفهوم القضية حينئذٍ: أن الوجود يثبت للنهار على تقدير طلوع الشمس.
فالمعتبر في الصدق والكذب إنما هو مفهوم الجزاء، وأما عند المناطقة فمعناه الحُكم باللزوم بين وجود النهار وطلوع الشمس) يعني: عند أهل العربية لا تلازُم، وعند المناطقة تلازم، هذا التفريق الذي أراده، والصواب أنه ثَم تلازم كذلك عند أهل العربية.
وأطال الشيخ الأمين في الأضواء وكذلك في المقدمة في بيان ذلك، وهنا وقع الغلط من الرازي وغيره في بعض تفسير الآيات.
قال: (وأما عند المناطقة فمعناه الحكم باللزوم بين وجود النهار وطلوع الشمس) بين قضيتين، ليست القضية فقط: النهار موجود ونقيِّده بالجزاء، ثم لا علاقة في التلازم بينهما لا، ثَم تلازمٌ بينهما والنظر يكون بالنظر إلى المقدَّم والتالي.
(وكلٌ من الطرفين قد انخلع عن الخبَرية واحتمال الصدق والكذب.
وذهب بعضهم إلى أن ما ذهب إليه المناطقة لا يخالف أهل العربية، وهذا هو الصحيح).
قال: (وهي التي يُحكم فيها بصدق قضية على تقدير صدق أخرى لعلاقةٍ بينهما) يعني: بين قضيتين.
قال العطار: (لا يُشترط في العَلاقة أن تكون مذكورة) يعني: لا يُشترط النص عليها مثل العلاقة هناك في المجاز أن تكون لفظية، وقد تكون معنوية، لكن الأكثر والأصل أنها تكون لفظية.
(بل يكفي ملاحظتُها، بل لا يصح أن تُذكَر، بل لا يتَأتى ذلك، بل هي ملاحظة دائمًا).
قال: (لعَلاقةٍ بينهما) أي: بين القضيتين.
(تُوجِب) تلك العلاقة (ذلك) ما هو ذلك؟ أي: الحُكم المذكور.
(وهي) أي: العلاقة.
(ما بسببه) أي: معنًى أو شيءٌ، هذا جنس شامل للعلاقة وغيرها.
(بسببه) أي: بسبب هذا الشيء.
(يستلزم المقدَّمُ التالي) يكون بينهما ارتباط، هذا الارتباط ذكَر هنا قال: (كالعلِّيِّة والتضايُف) يعني: إما أن يكون الأول عِلَّة للثاني، أو بالعكس، أو كلٌ منهما معلولًا لخارجٍ.
والتضايف المراد به النسبة كالابن للأب، والأب للابن.
إذًاك لا يُدرك أحدُهما إلا بإدراك الآخر.
قال: (وهي ما بسببه يستلزم المقدم التالي كالعلِّيِّة والتضايف.
أما العلِّيِّة فبِأن يكون المقدَّم عِلَّة للتالي) يعني: له أثرٌ فيه، إما أن يُجعل العِلَّة هنا بالمعنى الأعم الشامل للسبب والعِلَّة التي هي المعنى المؤثر.
يعني: لك أن تجعل العِلَّة هنا بالمعنى الأعم.
وَمَعَ عِلَّةٍ تَرَادَفَ السَّبَبْ وَالفَرْقُ بَعْضُهُمْ إِلَيْهِ قَدْ ذَهَبْ
(وَمَعَ عِلَّةٍ تَرَادَفَ السَّبَبْ) يعني: قد يُفسَّر العِلَّة بالسبب والسبب بالعِلَّة، والسبب يُعمَّم: ما يؤثر وما لا يؤثر يعني: ما له تأثير وما ليس له تأثير.
والعِلَّة تكون أخص (وَالفَرْقُ بَعْضُهُمْ إِلَيْهِ قَدْ ذَهَبْ) قال: السبب ما لا تأثير له كالشمس بالنسبة للظهور، وما له تأثير كالإسكار حيث يدور معه الحكمُ. هذا على التفريق بينهم.
على كلٍ المراد هنا أن العِلَّة تُحمل على ما يُعم السبب وغيره، المؤثر وغيره.
[ ١١ / ٢٣ ]
(فبِأَن يكون المقدَّم عِلَّة للتالي) (كَقَوْلِنَا إِنْ كَانَت الشَّمْسُ طَالِعًة فالنَّهَارُ مَوْجُودٌ).
الشمس طالعة، النهار موجود. لا شك أن الأُولى عِلَّة للثاني .. سببٌ في وجوده.
(أو معلولًا له، بأن يكون المقدَّم معلُولًا للتالي) يعني: التالي عِلَّة، والسابق معلول.
(كقولنا: إن كان النهار موجودًا فالشمس طالعة) إن كان النهار موجودًا هذا معلول، والشمس طالعةٌ هذا عِلَّة.
(أو يكونا) وهما المقدَّم والتالي.
(معلولي عِلَّةٍ واحدة كقولنا: إن كان النهار موجودًا) هذا معلول (فالعالَمُ مضيء) وهذا معلول، والعِلَّة ليست مذكورة: طلوع الشمس. إذًا: كلٌ من المقدَّم والتالي معلولين.
إذًا: هذه ثلاث صور:
أن يكون المقدَّم عِلَّة للتالي.
الثانية: أن يكون التالي عِلَّة للمقدم.
الثالثة: أن يكون كلٌ منهما معلول والعِلَّة تكون خارجة.
(أو يكونا معلولي عِلَّةٍ كقولنا: إن كان النهار موجودًا) هذا معلول (فالعالم مضيء) هذا معلول.
(إذ وجود النهار وإضاءة العالم معلولان لطلوع الشمس).
قال: (وأما التضايف).
(حقيقة التضايف: هو أن يكون الأمران بحيث يكون تعقُّل كلٍ منهما بالقياس إلى تعقُّل الآخر) يعني: لا يُتعقَّل إلا بتعقل الآخر كالأب بتعقل الابن، والابن بتعقل الأب. يسمى تضايف .. نسبة، كلٌ منهما مضافٌ إلى الآخر.
لا يُدرك الأب وحدَه، ولا الابن وحدَه، التناسب هنا أو المناسبة يسمى تضايف، وبعضهم يسميه الإضافة.
(حقيقةُ التضايف هو: أن يكون الأمران بحيث يكون تعقُّل كلٍ منهما بالقياس إلى تعقُّل الآخر، وهذا يكون في اللزوم بين الطرفين) كالمثال المذكور في الشرح.
(وأما في مجرد اللزوم فيكفي مجرد الإضافة كالعمَى والبصر، فإن اللزوم من طرفٍ واحد) وهو كذلك لكن ليس مرادًا هنا.
قال هنا: (وأما التضايف فبأن يكون كلٌ منهما مضافًا للآخر).
(يعني: لا يُعقَل ويُفهَم معناه إلا بإضافته ونسبتِه إلى شيءٍ آخر كقولنا: إن كان زيدٌ أبًا لعمروٍ كان عمروٌ ابنَه) وهذا لا بد منه، هذا يسمى تضايف، لكن الشأن هنا في المثال.
إن كان زيدٌ أبا عمروٍ كان عمروٌ ابنَه. وهو كذلك.
إن كنتَ أنت ابنًا لأبيك فأبوك أبٌ لك، وهو كذلك، هذا من إيضاح الموضَحات.
إذًا: هذا ما يسمى باللزومية.
(وَالمُتَّصِلَةُ: إِمَّا لُزُومِيَّةٌ).
(وهي التي حُكم فيها بِصدق تاليها على فرض صِدق مقدَّمها إن كانت موجبة، أو بلا صدق تاليها على فرض صدق مقدمها إن كانت سالبة؛ لعلاقةٍ بينهما توجب ذلك كالعلِّيِّة والتضايف).
العلِّيِّة -بكسر العين-: كون المقدَّم عِلَّة للتالي أو بالعكس، أو كونهما معلولي عِلَّة واحدة، أو كونهما أمرين إضافيين متوقف كلٌ منهما على الآخر. كالمثال الذي ذكره المصنف.
قال هنا: (وَإِمَّا اتِّفَاقِيَّةٌ) وهي كالسابقة لكن لا لعَلاقة.
قال: (وهي) أي: القضية.
(التي يكون الحكم فيها بما ذُكر) أي: صِدقِ قضية على تقدير صدق أخرى، كالسابق يعني.
(لا لعلاقةٍ توجبُه، بل لمجرد الصُّحبة والازدواج) الاقتران .. اتفاقية.
ليس كل منهما مستلزم الآخر، مثل التي مرت معنا: إن كان كذا فهو كذا.
[ ١١ / ٢٤ ]
قال: (كَقَوْلِنَا: إِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ نَاطِقًا فَالْحِمَارُ نَاهِقٌ) ما العلاقة بينهما؟ لا علاقة.
هذا مُنفكّ وهذا منفك، الإنسان ناطق والحمار ناهق، إن كان زيدٌ نائمًا فالحمار مستيقظ. لا علاقة بينهما .. ليس بينهما علِّيِّة ولا تضايف، ليس أحدُهما عِلَّةً للآخر ولا معلولًا ولا معلولي لعلة خارجة، ولا تضايف.
هذا يسمى اتفاقية .. ازدواج فقط، ازدواج واتفاق واصطحاب في الشرط؛ لأن الشرط لا بد له من قضيتين.
(إِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ نَاطِقًا فَالْحِمَارُ نَاهِقٌ).
قال: (لا لعلاقةٍ) هذا فصلٌ مخرجٌ اللزومية أي: لا لملاحظة علاقةٍ.
قال: (إذْ لا علاقة بين ناطقية الإنسان وناهقية الحمار؛ حتى تستلزم إحداهما الأخرى، بل توافقا على الصدق هنا.
أي: فليست إحداهُما عِلَّةً للأخرى، ولا معلولي عِلَّة واحدة، وليست إحداهما نسبة متوقفة على الأخرى).
قال: (وَالمُنْفَصِلَةُ) أراد أن يقسِّم المنفصلة إلى ثلاثة أقسام.
قبل ذلك قال هنا في العلاقة: (واعلم أن ما ذكرَه هنا من العلاقات هو علاقات المتصلة اللزومية، أما علاقات المنفصلة العنادية فهو أن يكون المقدَّم عِلَّةً لمقابل التالي) ليس للتالي، إنما لمقابِله.
(نحو: دائمًا إما أن تكون الشمس طالعةً أو لا يكون النهار موجودًا).
لا يكون النهار موجودًا هذا التالي، مقابله ماذا؟ النهار موجود. إذًا: المقدَّم عِلَّةٌ له "للمقابل لا للمذكور".
(أو يكون المقدَّم معلولًا لمقابل التالي نحو: دائمًا إما أن لا يكون النهار موجودًا أو تكون الشمس طالعةً) لا تكون الشمس طالعة، لأنه مقابل التالي.
(أو يكون المقدَّم معلولًا لعلة مقابل التالي نحو: دائمًا إما أن يكون النهار موجودًا أو لم يكن العالمُ مضيئًا) أو يكن العالم يعني: عِلَّة لمقابل التالي، ليس للتالي إنما لمقابله.
قال: (وَإِمَّا اتِّفَاقِيَّةٌ).
(وهي التي يكون الحُكم فيها بما ذُكر، لا لعلاقةٍ توجبُه، بل لمجرد الصحبة والازدواج).
قال هنا السعد: التحقيق أن المعيّةَ في الوجود أمرٌ ممكن.
وهو كذلك .. كلٌ منهما موجود، إن كان زيدٌ ناطقًا فالحمار ناهق، حينئذٍ المعيّة في الوجود أمرٌ ممكن، كلٌ منهما موجود.
(ولا بد له من عِلَّة تقتضيه) هذا في السابق.
(إلا أنهم لما لاحظوا المقدَّم، فإن اطَّلعوا على أمرٍ يقتضي صِدق التالي على تقدير صدقِه واعتبروا ذلك، سمَّوا المتصلة لزومية وإلا فاتفاقية).
هو يريد أن يشير إلى أن الاتفاقية ..، وهذا فيه خلل، ورد عليهم الشيخ الأمين كثير في الأضواء وفي المقدمة.
الاتفاقية الصحيح: أنه لا علاقة بين المقدّم والتالي، هو يريد أنه قد يكون ثَم علاقة، فإذا حُدِّدت العلاقة في اللزومية بالعلِّيِّة والتضايف إذًا: إن ظهرت علاقة بينهما فهي اللزومية، وإلا فاتفاقية وقد تكون ثَم علاقة لكنها ليست بظاهرة، لكن هذا ليس على إطلاقه.
قال: (والاتفاقية على هذا لا بد من صِدق طرفيها، وتسمى اتفاقيةً خاصة. كقولنا: كلما كان الإنسان ناطقًا فالحمار ناهق.
وقد تقال على ما يُحكم فيها بصدق التالي على تقدير صِدق المقدَّم لا لعلاقة، وتسمى اتفاقية عامة؛ لأنها أعم من الأُولى) وهي التي ذكرها المصنف هنا.
[ ١١ / ٢٥ ]
(ويكفي فيها صِدقُ التالي فقط. كقولنا: إن كان الخلاء موجودًا فالإنسان ناطق، لكن يجب أن يصدُق التالي على تقدير صدق المقدَّم حتى لو كان التالي الصادق منافيًا للمقدَّم كقولنا: إن لم يكن الإنسان ناطقًا فالإنسان ناطق لم تصدق اتفاقية).
على كلٍ: الاتفاقية الصحيح: أنه لا علاقة بين المقدّم والتالي، ليس بينهما علاقة إلا الاتفاق والازدواج فقط، وإذا كان ثَم علاقة بينهما حينئذٍ دَخلَت في اللزومية، إن كان على العلِّيِّة والتضايف.
قال: (وَالمُنْفَصِلَةُ: إِمَّا حَقِيقَّةٌ).
(وهي التي يُحكم فيها بالتنافي بين طرفيها صِدقًا وكذِبًا)
الحقيقية قالوا: ضابطها أن تتركب من الشيء ونقيضه، أو المساوي لنقيضه.
يعني: هنا عندنا المنفصلة: إما وإما، العدد إما زوجٌ وإما فردٌ.
الحقيقية وهي إذا أُطلقت المنفصلة انصرفت إليها. يعني: لا يجتمعان ولا يرتفعان.
كيف يتركَّب، كيف نؤلفُها؟ ما هي مادتُها؟
المادة تتركب من الشيء ونقيضه .. العدد إما زوجٌ أو؟
النقيض أدخل حرف السلب على المفرد نفسه، زيد نقيضُه لا زيد، إنسان لا إنسان. أدخل حرف السلب على نفس اللفظ، هذا النقيض، أما إذا قلت: سماء أرض. ضدان هذان.
حينئذٍ العدد إما زوجٌ أو لا زوج، إذًا: تركبت هنا من الشيء الذي هو الزوج، ونقيضِه: لا زوج.
(أو المساوي لنقيضه) العدد إما زوجٌ أو فرد، فرد هذا ليس بنقيض وإنما هو مساوي.
ما معنى فرد؟ يعني: ليس بزوج، ما معنى ليس بزوج يعني: فرد. فهو مساوٍ له، لا يزيد أحدُهما عن الآخر.
إذًا: الحقيقية تتركب من الشيء ونقيضِه كالعدد إما زوجٌ أو غير زوج.
أو الشيء والمساوي لنقيضه: العدد إما زوج أو فردٌ. تُسمى الحقيقية، لا يجتمعان ولا يرتفعان.
قال: (وهي التي يُحكم فيها) يعني: في القضية.
(بالتنافي بين طرفيها) يعني: المقدّم والتالي إن سميناهما مقدَّمًا وتاليا.
(بالتنافي بين طرفيها صِدقًا وكذِبًا) صدقًا يعني: في الثبوت، وكذِبًا يعني: في الانتفاء.
هذا فصلٌ مُخرجٌ مانعة الجمع فقط، ومانعة الخلو فقط.
(كَقَوْلِنَا: الْعَدَدُ إِمَّا زَوْجٌ وَإِمَّا فَرْدٌ) هذا من الشيء والمساوي لنقيضه.
قال العطار: (هو بمعنى قولنا: هذا العدد زوجٌ وهذا العدد فردٌ. مما لا يصدقان معًا ولا يكذِبان معًا.
ويندفع بهذا ما يقال: إن الشرطية تنحلُّ إلى قضيتين، وهذه المنفصلات تنحل إلى مفردين وهما الزوج والفرد.
وحاصل الجواب: أن أطراف المنفصِلات قضايا معنى).
(أطراف المنفصلات) زوج، فردٌ. هذه قضايا في المعنى يعني: هذا زوجٌ وهذا فردٌ .. هذا العدد زوجٌ وهذا العدد فردٌ.
قال: (كَقَوْلِنَا: الْعَدَدُ إِمَّا زَوْجٌ وَإِمَّا فَرْدٌ.
وَهِيَ إِمَّا مَانِعَةُ الجَمْعِ وَالْخَلَوِّ مَعًا كَمَا ذَكَرْنَا) في المثال.
(لأن طرفي القضية) العدد زوج أو فرد (فيه لا يجتمعان) فيكون زوجًا فردًا (ولا يرتفعان) فلا يكون زوجًا ولا فردًا.
هذا يسمى مانعة الجمع والخلو.
مانعة الجمع فلا يجتمعان، فلا يكون العدد الواحد زوجًا فردًا في آن واحد.
والخلو يعني: الارتفاع، خلا الشيء يعني: ارتفع معًا، فلا يكون زوجًا ولا فردًا، هذه هي الأعلى درجة، تسمى مانعة الجمع والخلو.
[ ١١ / ٢٦ ]
(لأن طرفي القضية فيه لا يجتمعان) أي: لا يثبُتان معًا.
(ولا يرتفعان) أي: لا ينتفيان معًا؛ لأنهما نقيضان أو مساويان لهما.
لأنك إذا أردتَ أن تجمع بينهما حينئذٍ تجمع بين نقيضين، وإذا حَكَمت بارتفاعهما حكَمت بارتفاع النقيضين، وضابط النقيضين: أنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان، هذا هو التعليل.
يعني نقول: هي تتركب من الشيء ونقيضِه. إذًا: لا يجتمعان ولا يرتفعان، أو من الشيء والمساوي لنقيضه. كذلك لا يجتمعان ولا يرتفعان.
هذا الفائدة من التنصيص على المادة تعرِف العِلَّة.
قال: (وَإِمَّا مَانِعَةُ الجَمْعِ فَقَطْ) يعني: مجوِّزة الخلو، يعني: يمتنعان هنا في الجمع .. مجوّزة الخلو.
(وَإِمَّا مَانِعَةُ الجَمْعِ فَقَطْ) (وهي التي تتركب من الشيء والأخص من نقيضه، هذا الشيء إما شجر أو حجر) قالوا: شجر أخصُّ من لا حجر (تتركب من الشيء والأخص من نقيضه هذا الشيء إما شجر أو حجر).
شجر هذا الشيء، حجَر نقيضُه: لا حجر. أيهما أخص الشجر أم لا حجر؟ الشجر أخص.
يجتمعان؟ نحن نقول: (مَانِعَةُ الجَمْعِ) لا يجتمعان، لا يكون الشيء شجرًا حجرًا.
يرتفعان؟ نعم، يكون ماء لا شجر ولا حجر، يكون إنسانًا لا شجر ولا حجر.
قال هنا: (وَإِمَّا مَانِعَةُ الجَمْعِ فَقَطْ) (وهي التي تتركب من الشيء والأخص من نقيضه وهذا الشيء إما شجر أو حجَر).
(وَإِمَّا مَانِعَةُ الجَمْعِ فَقَطْ).
(أي: دون الخلو وهي التي يُحكم فيها بالتنافي بين طرفيها صِدقًا فقط) يعني: ثبوتًا واجتماعًا، وأما في التنافي والارتفاع فلا.
(كقولنا: هذا الشيء إما شجرٌ أو حجرٌ؛ إذْ يستحيل كون الشيء شجرًا وحجرًا في وقت واحد، فلا يجتمع الطرفان على الصدق على الثبوت، ويجوز ارتفاعُهما معًا. كأن يكون الشيء حيوانًا) زيدًا من الناس، هذا لا شجر ولا حجر.
(ارتفاعُهما أي: انتفائُهما معًا؛ إذ لا يلزم من ارتفاع الأخص ارتفاع الأعم، فلا يلزم من ارتفاعهما ارتفاعُ النقيضين) وهو كذلك.
(وَإِمَّا مَانِعَةُ الْخُلُوَّ فَقَطْ) تتركَّب من الشيء والأعم من نقيضه، عكس مانعة الجمع.
قال هنا: (وَإِمَّا مَانِعَةُ الْخُلُوَّ فَقَطْ).
(أي: دون الجمع، وهي التي يُحكم فيها بالتنافي بين طرفيها كذِبًا فقط) (مَانِعَةُ الْخُلُوَّ فَقَطْ).
يعني: لا يجتمعان لكن قد يرتفعان، أنت تأخذ من التركيب نفسه (مَانِعَةُ الجَمْعِ وَالْخَلَوِّ) إذًا: لا يرتفعان ولا يجتمعان.
(مَانِعَةُ الجَمْعِ فَقَطْ) لا يجتمعان لكن يرتفعان.
(مَانِعَةُ الْخُلُوَّ فَقَطْ) يعني: لا يرتفعان لكن قد يجتمعان.
فالتعبير واضح بيِّن، يحتاج إلى إدراك فقط.
(وَإِمَّا مَانِعَةُ الْخُلُوَّ فَقَطْ).
(أي: دون الجمع وهي التي يُحكم بالتنافي بين طرفيها كذِبًا فقط) (مَانِعَةُ الْخُلُوَّ فَقَطْ).
(كَقَوْلِنَا: زَيْدٌ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْبَحْر، وَإِمَّا أَنْ لاَ يَغْرَقَ).
يقول الشارح: (إذ يستحيل كونُه في غير البحر) ما هو غير البحر؟ البر كمثال، وإلا؟؟؟ البحر هو هذا؛ لأن البحر ما يمكن أن يغرق فيه، يعني: البئر، الزيت الكثير لو غرق فيه يسمى بحرًا، المثال المراد به هذا: أن يغرق.
[ ١١ / ٢٧ ]
(إذ يستحيل كونه في غير البحر -وهو البر- ويغرق) يستحيل كونه في البر ويغرَق، كيف يغرق هذا؟ يعني: أن لا يكون في مادة يمكن أن يَغرَق فيها ويَغرق؟ لا يمكن.
(فلا يرتفعان، ويجوز اجتماعُهما على الصدق، بأن يكون في البحر ولا يَغرق) ممكن؟ كيف ممكن؟ يكون في سفينة.
إذًا: مانعة خلوٍ يمكن أن يجتمعان، (زَيْدٌ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْبَحْر، وَإِمَّا أَنْ لاَ يَغْرَقَ) إما أن يكون في البحر وألا يغرق، نعم يمكن أن يكون في البحر ولا يغرق .. يكون في سفينة، لكن: لا يكون في البحر ولا يغرق الارتفاع لهما هذا ممتنع.
قال: (إذ يستحيل كونُه في غير البحر وهو البر ويَغرق) فلا يرتفعان (ويجوز اجتماعهما على الصدق، بأن يكون في البحر ولا يَغرق).
قال هنا: قد يكون في البحر، وإما أن لا يغرق. نقيض يكون في البحر: لا يكون في البحر، بأن يكون في البر، وهذا أخص من لا يغرق؛ لصدقه بكونه في البحر في سفينة أيضًا فيجتمعان، ونقيضُ لا يغرق: يغرق وهذا أخص من: يكون في البحر لصدقه بكونه في سفينة أيضًا.
(قوله: إذ يستحيل كونه في غير البحر. تعليلٌ لكونها مانعة خلوٍ، وكونه في غير البحر نقيض يكون في البحر، ويغرق نقيض لا يغرق. وهذا تصويرٌ للخلو عن الطرفين الذي منعَتَه المنفصلة).
قال هنا: (وقولُه: بأن يكون في البحر ولا يغرق تصويرٌ لاجتماعهما في الصدق).
قال: (وسُمِّيت الأولى حقيقية) ما هي الأولى؟ مانعة الجمعِ والخلو.
(وسُمّيت الأولى حقيقية؛ لأن التنافيَ بين طرفيها أتمُّ منه في الأخيرين) لأنه يتعلَّق بالجمع والخلو معًا، تعلَّق بالطرفين.
يعني: عندنا جمع وعندنا خلو، اجتماع وارتفاع. ما تعلَّق بهما معًا لا شك أنه أخص، ما تعلَّق بأحد الطرفين دون الآخر سواءٌ كان خلوًا أو جمعًا لا شك أنه مغايرٌ للسابق.
(وسُمّيت الأُولى حقيقية).
(الأُولى) أي: مانعة الجمع والخلو معًا (المركبة من نقيضين أو مساويين لهما حقيقية؛ لأن التنافيَ بين طرفيها –المقدم والتالي- أتمُّ منه في الأخيرتين) أي: مانعة الجمع فقط، ومانعة الخلو فقط.
(والثانية: مانعةَ جمعٍ) يعني سُمِّيت مانعةَ جمعٍ.
(لاشتمالها على منعِ الجمع بين طرفيها في الصدق) وهو واضح.
(والثالثة: مانعة خلوٍ لاشتمالها على منع الخلو بين طرفيها في الكذِب؛ إذ الواقع لا يخلو عن أحدهما) إما هذا وإما ذاك.
قال: (ومرادُهم بالبحر: ما يمكن الغرق فيه عادة من ماءٍ، بل من سائر المائعات لا البحر نفسه. فلا يتوهم اجتماع طرفين في الكذب بأن يكون زيدٌ في بئرٍ أو حوضٍ ويغرق) لأنه لا يَرِد هذا نقضًا.
قال رحمه الله تعالى: (وَقَدْ تَكُونُ المُنْفَصِلاَتُ) الثلاث (أي: كلٌ منها).
(وَقَدْ تَكُونُ المُنْفَصِلاَتُ) الثلاث أي: الحقيقية، ومانعةُ الجمع فقط، ومانعةُ الخلو فقط. الثلاث أي: كلٌ منها.
(ذَاتِ أَجْزَاءٍ) كما تكون ذات جزأين كما مر: العدد إما زوجٌ وإما فردٌ .. إما أن يكون في البحر وإما أن لا يغرق، دائمًا يكون التقابل بين شيئين .. بين جزأين، هل تأتي من ثلاث وأربع وخمس وعشر؟ هذا محل البحث.
هل يُزاد الثالث والرابع والخامس؟ ولو زِيد هل تكون الزيادة حقيقية أم أنها في قوة الجزأين؟ هذا محل البحث.
[ ١١ / ٢٨ ]
(وَقَدْ تَكُونُ المُنْفَصِلاَتُ) الثلاث أي: كُلٌ منها ذات أجزاء كما تكون ذات جزأين.
قال العطار: (تركُّب المنفصلات من أكثر من جزأين أمرٌ ظاهريٌ) يعني: في الظاهر، هو في الظاهر يمكن ويأتي مثالُه، ولذلك نقول: العدد إما زائد أو ناقص أو مساوٍ. هذه ثلاثة أجزاء.
يقول: (تركُّب المنفصلات من أكثر من جزأين أمرٌ ظاهريٌ.
وأما عند التحقيق فالمنفصلة مطلقًا لا تتركب إلا من جزأين) اثنين فقط.
(لأنها تتحقق بانفصالٍ واحد) إما هذا وإما هذا، حتى لو وصلْتَ بالعدِّ إلى العشرة النتيجة: إما هذا وإما هذا. فيجتمع بعض الأجزاء في وصفٍ واحد أو جزءٍ واحد فيتقابلان.
العدد إما زائدٌ أو ناقص أو مساوٍ. إما مساوٍ أو غير مساوٍ.
غير مساوٍ دخل فيه الناقص والزائد، إذًا رَدَدْتَه إلى الجزأين.
قال: (لأنها تتحقق بانفصالٍ واحد، والنسبة الواحدة لا تكون إلا بين شيئين، فعند زيادة الأجزاء تتعدد المنفصلة، لكنه في الظاهر.
فإذا قلنا اللفظ إما اسمٌ أو فعلٌ أو حرفٌ، فهي حقيقتان على معنى أنه اسمٌ أو غيرُه، والغير هذا يدخل تحتَه الفعل والحرف.
قال شارح المطالع: الحقُّ أن شيئًا من المنفصلات لا يمكن أن يتركب من أجزاءٍ فوق اثنتين).
حينئذٍ ما سيذكره المصنف هو سيرجع يقرِّر هذا، إنما يكون أمرًا ظاهريًا فقط.
إذًا: (قد تكون منفصلات ذاتَ أجزاءٍ كما تكون ذاتَ جزأين كما مر) يعني: في الأمثلة السابقة: العدد إما زوجٌ وإما ..
قال: (كَقَوْلِنَا) يعني: في التمثيل لذات الأجزاء (كَقَوْلِنَا: الْعَدَدُ إِمَّا زَائِدٌ أَوْ نَاقِصٌ أَوْ مُسَاوٍ).
(ونحو: الكلمة إما اسمٌ، أو فعلٌ، أو حرفٌ.
ونحو: العنصر إما ماء، أو هواء، أو نار، أو تراب.
ونحو: الكلِّي إما جنس، أو نوع، أو فصل، أو خاصة، أو عرضٌ عام.
ونحو: العدد إما واحد، أو اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة .. إلى ما لا نهاية).
وهذه أمثلة للحقيقية.
(ومثال مانعة الجمع نحو: الشيء إما شجر، أو حجر، أو حيوان) .. إلى آخر ما ذكره.
إذًا: يحصل التعدد في النوعين.
(كَقَوْلِنَا: الْعَدَدُ إِمَّا زَائِدٌ أَوْ نَاقِصٌ أَوْ مُسَاوٍ).
(لأنه حُكم فيه بأن هذا الجمع لا يجتمع على عددٍ واحد) ليس عندنا عدد واحد يقال فيه زائد، ناقص، مساوٍ. يوجد؟ لا يوجد. عدد زائد، ناقص، مساوٍ لا يجتمع على واحد.
(لأنه حُكم فيه بأن هذا الجمع لا يجتمع على عددٍ واحدٍ، ولا يخلو العدد عن أحدِها) فحينئذٍ تكون مانعةَ جمعٍ وخلو، لا تجتمع كلها فتقول: هذا العدد زائد مساوي ناقص، ولا يرتفع .. لا بد من صدق واحدٍ منها، إذًا: المثال هذا في الحقيقية، فهي حقيقية.
(وأُورد عليه -على المثال- أن طرفي الحقيقية ومانعة الخلو لا يرتفعان، وهنا يرتفعان؛ لأن قولَك مساوٍ يرتفع معه زائد وناقص) اثنان.
أي: وناقص يرتفعه معه زائد ومساوٍ، وزائد يرتفع معه ناقص .. يعني: إذا أثبت واحد ارتفع اثنان.
وأُجيب بأن المرتفعين وإن تعدد لفظُهما "دون ألِف" فهما متَّحدان معنًا.
والأصل العدد إما مساوٍ أو غير مساوٍ.
يعني: الناقص والزائد يدخل تحت غير مساوٍ، اتحدا في المعنى.
ولكن غير المساوي إما زائد أو ناقص، فالعناد حقيقةً إنما هو بين المساوي وغيرِه، وهذان لا يرتفعان.
[ ١١ / ٢٩ ]