بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
فنشرع هذه الليلة في التعليق على شرح زكريا الأنصاري في ما كتبه على متن إيساغوجي، وقد عرفنا في الدرس الماضي من اللقاء السابق ما يتعلق بأهمية النظر في هذا الفن، وأنه إذا نظر الطالب في بعض المتون مع شروحها، فحينئذٍ يُكتفى بها.
وهذا الشرح وإن كان صغير الحجم إلا أنه مشحونٌ بكثرة المسائل. يعني: مسائله كثيرة، مع أنه صغير، وإذا كان كذلك فحينئذٍ نحاول أن نقف مع الألفاظ؛ بحيث ندرس الكتاب دراسة نصيَّة، دراسة نصيّة بمعنى أنه يُنظر في كل لفظٍ على حدة.
وما كتبه المحشِّي هنا يُنظر فيه من حيث الانتقاء. يعني: بعض المسائل شرحُها يكون من الحاشية، وكذلك ما كتبه حسن العطّار في بعض المسائل وفي بعض المواضع، لا بد من ذِكره.
قال هنا في المقدمة، النسخة التي معكم فيها مقدمة من الناسخ وليست من صاحب الكتاب (قال سيدنا ومولانا العالم ..) إلى قوله: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ).
هذه الجمل إنما هي ثناءٌ من الناسخ أو من بعض الطلاب ونحو ذلك، وليست من الشيخ.
وهذا الكتاب كما هو معلوم ونص عليه هنا لأبي يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري الخزرجي السُنَيكي الشافعي، ولد سنة ٨٢٤هـ وقيل: سنة ٨٢٦هـ يعني: فيه خلاف يسير هل هو في سنة ٨٢٤هـ أو ٨٢٦هـ على خلافٍ يسير لهم.
والشارح معروفٌ عند الشافعية على جهة الخصوص، كما قال الشوكاني رحمه الله تعالى في ترجمته: له شرحٌ ومختصرات في كل فنٍ من الفنون.
يعني: ما ترك فنًا إلا وألَّف فيه.
وهذه سمةٌ لجميع أهل العلم السابقين أنه يكون مشاركًا في جميع العلوم؛ لأن العلوم الشرعية يخدم بعضها بعضًا، ولا يُتصور في الواقع انفكاك العلوم الشرعية بعضها عن بعض، فالمفسِّر لا بد أن يكون محدِّثًا، والمحدث لا بد أن يكون مفسرًا، والفقيه لا بد أن يكون أصوليًا، والأصولي لا بد أن يكون نحويًا .. إلى آخره، فهي متلازمة بعضها يخدم بعض.
أكبر دليل يدل على ذلك: مثل هذه المصنفات، تجد شيخ الإسلام هنا -إن صح التعبير وهذا فيه نظر سنأتي علي- أنه ألّف في المنْطِق، وألّف في أصول الفقه، وألّف في التفسير، وألّف في الحديث .. وإلى آخره، يدل ذلك على أنه قد نظر في جميع الفنون.
له شرحٌ ومختصرات في كل فنٍ من الفنون توفي سنة ٩٢٦هـ
من ضمن المسائل التي ذكرها هنا المقدم قال: (قال سيدنا ومولانا العالم العامل العلّامة، الحبر البحر الفهّامة، حُجّة المناظرين وحُلّة الطالبين، وقدوة العارفين ومربي السالكين، شيخ الإسلام والمسلمين، ذو التصانيف الحميدة والفتاوى المفيدة، والتآليف الجامعة النافعة، والأبحاث الساطعة القاطعة، زين المحافل فخر الأماثل، أبو الفضائل والفواضل أبو يحيى ..) إلى آخره.
(أمتع الله بوجوده ونفع بعلمه وجُوده. آمين).
هذه الأوصاف كما ذكرنا ليست من نفس المؤلف رحمه الله تعالى؛ لأنه يُعتبر من تزكية النفس وهو بعيدٌ عن ذلك.
[ ٣ / ١ ]
لكن يبقى النظر فيما يُطلق عليه أنه شيخ الإسلام، شيخ الإسلام والمسلمين هذا وصفٌ عام، بمعنى أنه يُطلق على من جمع بين علمي المنقول والمعقول، لكن يُشترط فيه أن يكون صحيح العقيدة، كما يقال: إمام. هذه يُشترط فيها أن يكون صحيح العقيدة بمعنى أن تكون عقيدته سلفية في باب الأسماء والصفات، في باب الألوهية وفي باب الربوبية؛ لأن هذا الوصف على إطلاق.
بمعنى أنه لا يشاركه فيه غيره، وبمعنى أنه يكون قدوةً للمسلمين، فإذا كان كذلك فلا بد أن يكون صحيح المعتقد وصحيح العمل، جمَع بين الأمرين.
وأما من كان متلبسًا بعقيدة منحرفة فالأصح أنه لا يقال بأنه شيخ الإسلام ولا يقال فيه أنه إمام، إمام يعني: مؤتمٌ به يعني: يُقتدى به، وهذا إذا كان كذلك فلا بد أن يُقيَّد بأنه لا يُطلق هذا الوصف ولا يُتوسَّع فيه بأن يقال إمام إلا إذا كان صحيح المعتقد، وإن لم يكن كذلك فحينئذٍ لا يُطلق عليه.
قال: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ).
هذا الكلام من أبي يحيى زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى، وبدأ بالبسملة والحمدلة، والصلاة والسلام على النبي ﷺ؛ لأنهم يسيرون على أدبٍ معلوم في باب التصانيف، ولا بد أن يجمع بين أمورٍ ثمان: أربعة واجبة وأربعة مستحبة.
الواجبة: البسملة، والحمدلة، والشهادتان، والصلاة والسلام على النبي ﷺ. هذه أربعة عندهم واجبة.
والمراد بالإيجاب هنا أو الوجوب الاصطناعي يعني: يُعاتَب أنه لم يذكر واحدًا من هذه الأربعة.
الأربعة الأخرى مستحبة، كذلك استحباب اصطناعي بمعنى أنه على جهة الأولوية أن يأتي بها وهي: أما بعد. وهي سنة ثابتة عن النبي ﷺ.
وبراعة الاستهلال، وبراعة الاستهلال أن يذكُر شيئًا في المقدمة تُشعر بالمقصود كما سيأتي في قوله: سبيل التصور والتصديق.
والثالث: تسمية نفسه.
والرابع: تسمية كتابه.
هذه ثمانية أمور ينبغي العناية بها في التصانيف، أربعةٌ على جهة الإيجاب وأربعة على جهة الاستحباب:
البسملة، والحمدلة، والشهادتان، والصلاة والسلام على النبي ﷺ. هذه أربعةٌ واجبة اصطناعيًا.
وأما بعد، وتسمية نفسه، وكتابه، وبراعة الاستهلال. هذه أربعةٌ على جهة الاستحباب.
و(بسم الله الرحمن الرحيم) تكلم كما ترون المحشِّي هنا كغيره ممن صنّف في علم المنْطِق، يتكلمون عليها من جهة ما يتعلق بها من قواعد منطقية؛ لأن القاعدة عندهم: أنه ينبغي لكل متكلمٍ في فنٍ من الفنون أن يتبرَّك بذكر طرفٍ مما يتعلق بالبسملة في ذلك الفن، وتركُ ذلك يُعتبر قصورًا أو تقصيرًا .. قصورًا في العلم أو تقصيرًا في العمل بالعلم، ولا بد أن يذكر شيئًا مما يتعلق بالقواعد المنطقية.
ذكرُ شيءٍ يتعلق بالبسملة من علم النحو، ومن علم الصرف، ومن علم البيان لا شك فيه أنه ظاهر وهو واضحٌ بيِّن.
وأما من جهة علم المنْطِق فليس فيه أدنى مناسبة، فحينئذٍ الخوض في هذه المسألة على جهة ما قرره المحشّي هنا خوضٌ ليس فيه إلا التكلُّف والتعسُّف.
ولذلك قال العطَّار: التكلُّم عن البسملة من فن المنْطِق غير ظاهر المناسبة.
[ ٣ / ٢ ]
بمعنى أنه يقال بأن الباء هنا أصلية ومعناها للاستعانة فهي جزئيٌ، وكذلك لفظ الجلالة جزئيٌ، والرحمن عام والمعنى الكلي، وإذا قلنا بأنه عَلمٌ صار جزئيًا .. إلى آخر ما يُذكر في الألفاظ المنطقية، تُطبق على هذه المفردات.
حينئذٍ هل ثَم مناسبة بين مفردات البسملة مع القواعد المنطقية؟
نقول: هم حاولوا أن يذكروا شيئًا من تلك القواعد على هذه البسملة، الظاهر أنه ليس بينهما مناسبة البتة.
فحينئذٍ كل خوضٍ يتعلق بالقواعد المنطقية تطبيقًا على البسملة فليس بظاهر البيان.
وبيانه: أن معنى التكلم على شيءٍ بعلمٍ من العلوم هو إجراء ذلك الشيء على قواعد ذلك العلم، وتطبيق قواعده عليه، وإنما يتم إذا كان المتكَلَّم عليه داخلًا تحت موضوع العلم المتكلَّم به.
وموضوع فن المنْطِق -كما سيأتي-: المعلومات التصورية والمعلومات التصديقية من حيث صحة الإيصال إلى مجهولٍ تصوري ومجهولٍ تصديقي، وهذا لو نظرنا فيه كما سيأتي حينئذٍ لا يتأتى الخوض في البسملة على هذا الوجه، فلا تدخل البسملة تحت موضوع المنْطِق؛ لأن علم المنْطِق مبناه على الإيصال، بل صحة الإيصال، ليس كل إيصال وإنما هو صحة الإيصال.
أن يصل بالمعلومات التصورية والتصديقية إلى مجهولات تصورية وتصديقية، أين هو من حيث البسملة؟ لا وجود له.
والبسملة أجزاؤها والنظر فيها إما أن يكون جزئيًا يعني: ليس من المعاني الكُلّيّة ولا بحث للمنطقي في الجزئيات.
المنْطِقي الذي ينظر في الكُلِّيّات كما سيأتي إنما بحثه في الكُلِّيّات فحسب، وأما الجزئيات فلا يَنظر فيها إلا على جهة الاستطراد، بمعنى أنها تخدِم النظر في الكُلِّيّات.
إذًا: انتهينا من هذا الجانب.
فكل ما يتعلق بالبسملة من جهة الجزئيات فليس من بحث المنْطِقي، بقي الكُلِّيّات فحينئذٍ نقول: الكُلِّيّات هذه لها نظران: إما كُلِّيّات مطلقة لا بالنظر إلى صحة الإيصال إلى مجاهيل تصورية وتصديقية، أو بهذا القيد.
فحينئذٍ نقول: البسملة وما وُجد فيها من بعض الكلمات التي يقال بأنها كُلِّيّات نقول: ليست بهذا المعنى، بمعنى أنها لا تُستخدم هذه الكُلِّيّات للوصول إلى مجهولات تصورية أو تصديقية، حينئذٍ لا يمكن دخول البسملة تحت موضوع علم المنْطِق.
قال هنا: (وموضوع علم المنْطِق هو المعلومات التصورية والتصديقية من حيث إنها توصل إلى مجهولٍ تصوري أو تصديقي، فلا بحث للمنطقي عن المعاني الجزئية إلا استطرادًا، ولا عن المعاني الكُلّيّة مطلقًا، بل من حيث الإيصال).
يعني: لفظٌ أو معلومٌ تصوري ومعلومٌ تصديقي، بالنظر فيه على ترتيبٍ معيّن، يصل به الناظر إلى مجهولٍ تصوري أو مجهولٍ تصديقي.
فحينئذٍ النظر في البسملة لا يكون إلا على هذا الوجه، ولا يتأتى فيه، لا يمكن إجراء القواعد المنطقية على البسملة، وبعضهم يرى أنها إذا كانت آية حينئذٍ يُمنَع للخلاف -إن صح الخلاف- في فن المنْطِق، حينئذٍ لو صح تطبيق بعض القواعد المنطقية على البسملة فالبسملة آية من القرآن، وحينئذٍ لا يصح إجراء القواعد المنطقية على الآيات القرآنية.
[ ٣ / ٣ ]
والصواب أنه يقال: فيه نظر. بمعنى أنه إذا صح الحُكم بكون المنْطِق علمًا مباحًا في أصله، حينئذٍ نقول: لا بأس إجراء بعض القواعد المنطقية على الآيات، فنقول: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» [آل عمران:١٨٥] هذه كُلّيّة لا بأس أن نقول بأنها كُلّيّة، والكُلّيّة بمعنى أنه لا يخرج فردٌ من أفرد الموضوع عن تنزيل الحُكم الذي هو المحمول على كل فردٍ فرد، كما سيأتي في كلام المصنف عن العام.
قال: (وحينئذٍ فالبسملة بعضُ معاني ألفاظها جزئي، ثم مجرد كون المعنى كُلِّيًّا لا يكون موضوع المنْطِق لانتقاء قيد الحيثية المذكور) يعني: من حيث الإيصال. وسيأتي في كلام المصنف ما يتعلق بتعريف المنْطِق وموضوعه وفائدته.
إذًا: ما حشَّى به المحشِّي هنا من النظر فيما يتعلق بالبسملة من جهة كونها جزئيات أو كُلِّيّات، نقول: هذا غير ظاهر المناسبة؛ لأنه لا مناسبة بين المعاني المذكورة وبين فن المنْطِق؛ لأن الموضوع -موضوع فن المنْطِق- إنما هو في معلومٍ تصوري أو تصديقي مقيَّد. ليس مطلقًا.
والنظر هنا إما في جزئي ولا بحث للمنطقي في الجزئيات، أو في كُلِّي لا بهذا القيد، فحينئذٍ خرج عن فن المنْطِق.
قال المصنف رحمه الله تعالى بعد البسملة، وسيأتي لماذا بدأ في كلام صاحب المتن بالبسملة والحمدلة .. ونحو ذلك.
قال: (الحمد لله الذي منح أحبته باللطف والتوفيق، ويسَّر لهم سلوك سبيل التصور والتصديق.
والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمدٍ الهادي إلى سواء الطريق، وعلى آله وصحبه الحائزين للصدق والتحقيق).
هذا ذكَر فيه البسملة والحمدلة، وذكَر كذلك الصلاة والسلام على النبي ﷺ، وترك الشهادتين.
قد يقال: يُعتذر في مثل هذه أنه قد أتى بهما لفظًا. يعني: لم يَكتب تلك الشهادتين وإنما نَطق بهما.
وقوله: (ويسَّر لهم سلوك سبيل التصور والتصديق).
هذا فيه براعة استهلال، وهو أن يَذكر في المقدمة شيئًا مما يتعلق بالمقصود، والمقصود هنا هو التأليف أو التصنيف في فن المنْطِق، والبحث في التصور والتصديق إنما هو في هذا الفن.
وقوله: (وبعدُ) هذا من المستحبات، وسيأتي بحثه.
(الحمد لله) إذًا ثنّى بعد البسملة بالحملة لما سيأتي ذكره في الشرح، وسيأتي معنى الحمدِ في اللغة والعُرف.
(الحمد لله الذي منح) منح بمعنى أعطى، والذي هنا اسم موصول جاء به ليكون وُصلة، معلومٌ أن القاعدة عند النحاة: أن الجمل بعد المعارف أحوال، وبعد النكرات صفات.
إذًا: إذا جاءت الجملة بعد المعرفة فهي حال، إذا أراد أن يصف بالجملة ويخرجها عن كونها حالًا جاء باسم الموصول؛ ليَتوصل بأن يصف ما قبلها "يعني: الذي" بما بعدها.
لأنه لو قال: الحمد لله منح أحبته، قلنا: منح أحبته الجملة في محل نصب حال، لكنه لم يرد ذلك، وإنما أراد أن يصف ما قبل الذي بما بعده، وفرقٌ بين الوصف والحال.
إذًا: الذي يُتوصل بذكر الموصول إلى وصف المعارف بالجمل؛ لأنه لو لم نأت بالاسم الموصول لكانت الجملة التي هي صلة الموصول حالًا لا نعتًا، وليس هذا المراد ولذلك جاء بالذي.
[ ٣ / ٤ ]
كما يتوصل بلفظ أي لنداء ما فيه أل «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» [البقرة:١٠٤]، «يَا أَيُّهَا النَّاسُ» [البقرة:٢١] يا الناس هل يصح؟ لا يصح؛ لأنه لا يصح نداء ما فيه أل، فلا بد من وُصلة –توصيلة-: شيءٌ يجوِّز دخول يا على الاسم المحلى بأل، فحينئذٍ جيء بأي قيل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ» [البقرة:١٠٤]، «يَا أَيُّهَا النَّاسُ» [البقرة:٢١].
حينئذٍ على المشهور أن الناس هو المنادَى، وقيل: أيُّ، وحينئذٍ جيء بأي هنا ليُتوصل بكون "يا" داخلةً على الاسم المنادَى وهو محل بأل.
كذلك ذي: مررت برجلٍ ذي مال، رجل مال لا يصح أن يقع مال نعتًا لرجل، وإنما يتوصل بذي بمعنى صاحب؛ لأن مال هذا اسم جنس، ولذلك يُشترط في ذي التي هي من الأسماء الستة أن تضاف إلى اسم جنسٍ ظاهر غير مُضمر؛ لأن الأصل في المجيء بها ليَتمكن المتكلم من أن يصف ما قبلها بما بعدها؛ لأن الصفات إنما تكون مشتقات.
وَانْعَتْ بِمُشْتَقَ كَصَعْبٍ وَذَرِبْ وَشِبْهِهِ كَذَا وَذِيْ وَالمُنْتَسِب
حينئذٍ ما فيه معنى المشتق كذي لأنها تُفسَّر بمعنى صاحب، نقول: جيء بها لأجل أن يُتمَكن من وصف ما قبلها بما بعدها، فلو لم يؤتَ بها لما صحَّ أن يوصف بالمضاف إليه تبعًا لأصلها.
ومعلومٌ أن الموصول مع صلته في قوة المشتق، كما هو القاعدة عند البيانيين.
ولذلك يصح أن يقال في مثل هذا التركيب: الحمدُ لله المانحِ، المانح هذا اسم فاعل يصح أو لا يصح؟ نقول: نعم يصح؛ لأنه من حيث المعنى والمدلول لا فرق بين المانح والذي منح، وإنما يُعدَل عن المانح إلى الذي منح لعدم وروده وجَعْلِه عَلمًا على الباري جل وعلا، وهذا بناءً على أنه يصح أن يُخبَر عن الباري جل وعلا بلفظٍ لو لم يَرد في الكتاب والسنة، وأما إذا قُيِّد بأنه لا بد أن يكون واردًا فحينئذٍ لا بد من النظر في كل لفظٍ على حِدة.
فالأصل فيه: الحمد لله المانح، فحُذِف المانح لعدم وروده وجيء بصيغة تدل على الخبرية لا على العلَمية، فقيل: الذي منح.
إذًا القاعدة: أن الموصول (الذي) مع صلته (منح) في قوة المشتق، كيف في قوة المشتق؟
يعني: يصح أن تحذف الموصول مع صلته وتأتي باسم مشتق: اسم فاعل، أو اسم مفعول .. أو نحو ذلك، فيصح المعنى ويستويان من حيث الدلالة.
ومعلومٌ أن الموصول مع صلته في قوة المشتق أي: المانح، ولم يُعبِّر به لعدم وروده؛ لأنه إذا كان كذلك فهو اسمٌ، والأسماء معلومٌ أنها توقيفية، والصفات كذلك توقيفية، وإنما يُتوسع في باب الإخبار.
ولذلك يقال: بابُ الصفات أوسع من باب الأسماء، لماذا؟
لأن الاسم لا بد أن يأتي بلفظه ومعناه في الكتاب والسنة، فلا يؤخذ من الفعل ولا يؤخذ من المصدر.
وأما الصفات فتؤخذ من الأسماء، ويزيد عليها الفعلُ «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» [طه:٥]، الاستواء، كذلك المصدر «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ» [المنافقون:٨]، «إِنَّ بَطْشَ» [البروج:١٢].
[ ٣ / ٥ ]
فحينئذٍ نقول: هذه زاد على مدلول الأسماء، فصار باب الصفات أوسع من باب الأسماء، وباب الإخبار أوسع من البابين، لماذا؟ لأنه قد يكون بما جاء في الكتاب والسنة وقد يَزيد عليه بما لم يرد وصح معناه، يزيد عليه بما جاء في الكتاب والسنة، فتقول: الصانع تُخبر عن الله ﷿ بأنه الصانع، من أين الصانع؟ ما جاء اللفظ هكذا الصانع وإنما جاء «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ» [النمل:٨٨] فلو قال: الصانع صح أو لا؟ صح، لكنه لا يكون عَلمًا وإنما يكون من باب الإخبار.
كذلك لو قال المتقن «الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ» [النمل:٨٨] فقال: المتقن. صح أو لا؟ صح.
إذا لم يرد في الكتاب والسنة كلفظ القديم، وأراد به معنى الأزلي صح أو لا؟
على اختيار شيخ الإسلام يصح، وكذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، لكن في هذا المقام وهذا النوع الأولى أن يقال: بأن التوقُّف هو الأصل؛ لأن الأصل فيما يُطلق على الباري جل وعلا ما جاء به الكتاب والسنة لفظًا ومعنًى.
فما جاء به اللفظ فحينئذٍ لا إشكال فيه ويكون التصرف فيه من حيث القواعد اللغوية كالمستوِي، نزَل، ينزِل، فهو نازل .. إلى آخره.
يكون هذا واردٌ من حيث القواعد اللغوية لا من حيث ما نطق به الشارع.
وأما ما لم يرد كالقديم بمعنى الأزلي نقول: لفظ القديم ما جاء القِدَم في الكتاب والسنة، فالأصل فيه المنع أو التوقف. وأما جواز إطلاقه فهذا يحتاج إلى دليل.
إذًا: (الحمد لله الذي منحَ) لماذا عدل عن المانح إلى الذي المنح؟ لعدم وُروده .. لأنه لم يرد في الكتاب والسنة، والأسماء توقيفية كما أن الصفات توقيفية.
قال: (الذي منح) منح يعني: أعطى، يتعدى لاثنين بنفسه تارة، تقول: منحته درهمًا، وتارة يتعدى للثاني بالباء كما عدَّاه الشارح هنا (الذي منح) هو (أحبته) هذا مفعول أول.
قال: (باللطف) هذا مفعولٌ ثاني، عدَّاه بالباء، وهذا واردٌ في لسان العرب.
سمَّيتُه "يعني: ولدي" زيدًا، سمّيتُه بزيدٍ يصح أو لا؟ يصح.
"سميتُه" الضمير الأول تام نصبَه بنفسه، أو سميتُ ابني زيدًا، فحينئذٍ زيدًا بزيدٍ نقول: يجوز فيه الوجهان؛ لأن من الأفعال ما يتعدى إلى اثنين ويجوز أن تدخل الباء على الثاني ومنه منح، منحتُه درهمًا وكما قال الشارح هنا وعدَّاه بالباء: (منح أحبته باللطف) يعني منح أحبته اللطفَ، فيجوز فيه الوجهان.
فلا حاجة حينئذٍ لتضمينه معنى خصَّ أو أَكرم، ما دام أن النوع هذا يتعدى بنفسه تارة وبالباء تارة أخرى، فيُحمل على القواعد اللغوية أولى من التضمين.
(الذي منح أحبته) أحبته، قال هنا في الحاشية: جمع حبيب .. فعيل بمعنى محبوب أو مُحِب.
أحبة أصله أفعِلة، أحبِبةٌ أفعِلةٌ، وأفعِلةٌ هذه من أوزان القلَّة.
أَفْعِلَةٌ أَفْعُلُ ثُمَّ فِعْلَهْ ثُمَّتَ أَفْعَالٌ جُمُوْعُ قِلَّةْ
وحينئذٍ أحبة نقول: هذا جمعُ قلّة أصله: أَحبِبةٌ، جمعُ حبيب، وحبيب يأتي بمعنى فاعل ويأتي بمعنى مفعول.
لكن على النوعين فاعل ومفعول يأتي على وزن مُحِب أو مُحَب خلاف ما ذكره المحشِّي، مُحِب بكسر الحاء ومُحَب بفتح الحاء، لماذا؟
لأن المشهور في هذه المادة أَحب، ويأتي لغة حَب.
حينئذٍ أحب يُحب فهو مُحِبٌ ومُحَبٌ، وحَب فهو حَابٌ ومحبوبٌ.
[ ٣ / ٦ ]
إذًا: فعيل بمعنى محبوب أو مُحِب، هذا جَمعَ بين اللغتين:
إما أن يقال: مُحِب مُحَب من أحب. وهذا المشهور وهو الفصيح.
وإما أن يقال: حابٌ فاعلٌ حابِبٌ أو محبوب، فيكون من الثلاثي الذي هو حَبَّ وهذا واضحٌ بيّن.
أحباب الله إما أن يراد بهم مطلق المؤمنين، كل مؤمن ويحبه الله تعالى، أو يراد به خواص المؤمنين، لكن الأول هو الذي يكون ظاهرًا.
قال هنا: وأحبّه جمع حبيب، فعيل بمعنى مفعول أو فاعل أي: مُحِب أو مُحَب بفتح الحاء أو كسرها، فهو من الثلاثي المزيد يعني: أَحَبَّ.
أو حابٌ ومحبوبٌ إن كان من الثلاثي المجرد أعني: حبَّ، وهي لغةٌ في أحبَّ.
(منح أحبته باللطف) وهو الرأفة والرفق (والتوفيق) عطَفه عليه عطف مغايرة وهو كذلك.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وقد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان أن يكلك الله إلى نفسك ويُخلّيَ بينك وبينها.
والتوفيق يقابله .. أن لا يكلك الله إلى نفسك، وإنما تكون الهداية هداية الإرشاد وهداية التوفيق.
قال: (ويسَّر لهم سلوك سبيل التصور والتصديق).
يسّر يعني: سهَّل، هذا تفعيلٌ من اليُسر وهو ضد العسر.
(يسَّر لهم) لمن؟ للأحبّة المذكورين، مطلق المؤمنين أو خواصهم.
(سلوك سبيل التصور) سلوك المراد به المرور والدخول، يقال: سلكتُ الشيء في الشيء سلكًا فانسلك أي: أدخلتُه فيه فدخل فيه، هذا على المشهور.
وفيه لغة أخرى: سلكتُه سلوكًا.
(سبيل التصور) سبيل يعني: طريق، والسبيل يُذكَّر ويؤنَّث، ومنه «وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ» [الأنعام:٥٥] قراءتان والشاهد الذي معنا: «وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ» [الأنعام:٥٥] القراءة المشهورة.
تستبينَ سبيلُ، سبيلُ هذا فاعل، تستبينَ أنتَ سبيلُ، قد يظن الظان هكذا لا، ليس هذا المراد، التاء هذه تاء التأنيث -تأنيث الفاعل- مثل: تضربُ هندٌ زيدًا، "وَتَاءُ تَأْنِيْثٍ تَلِي الْمَاضِي"، وإذا كانت في المضارع تأتي أولًا: تضربُ هندٌ زيدًا، تضربُ لماذا جاء بالتاء هنا؟ نقول: هذه التاء تاء التأنيث؛ لأن الفاعل مؤنث، ولا يصح أن يقال: يضربُ هندٌ إنما يقال: تضربُ هندٌ.
هنا الفاعل جاء مؤنثًا: تستبين سبيلُ الفاعل هنا مؤنث وهو مجازي التأنيث، حينئذٍ أنَّث الفعلَ قال: تستبينُ بالرفع، سبيلُ يعني: تظهر سبيل المجرمين. فلا يشكل كيف جاء تستبينُ والظاهر أنه للمخاطب وليس المخاطب به النبي ﷺ في هذه القراءة.
إذًا: "السبيل" الطريق يُذكَّر ويؤنث، ويُجمع المذكَّر على سُبُل بضمتين، والمؤنث على سُبُول.
قال هنا: (ويسّر لهم سلوك سبيل التصور والتصديق) هذا قلنا فيه براعة استهلال، براعة الاستهلال أن يأتي بشيءٍ مما يدل على المقصود، يعني يأتي بعبارة، يأتي بمصطلح في فن المنْطِق فيَذكُره في المقدمة ليُشير للقارئ ابتداءً أن هذا الكتاب في فن المنْطِق. وهو واضحٌ بيّن.
هنا المصنف لعله أراد أن يشير بالتصور والتصديق إلى كون المصنف "إيساغوجي" في كتابه لم يذكر بابًا يُعتبر مقدمة مهمة في علم المنْطِق ابتداءً، هو ليس داخلًا في الموضوع لكنه لا بد منه، وهو ما يتعلق بتقسيم العِلْم إلى تصور وتصديق.
[ ٣ / ٧ ]
ولذلك عيَّن هذين اللفظين مع كون المناسب أن يَذكر مصطلحًا قد ذكره المصنّف، المناسب إذا أراد أن يأتي بما يشير إلى المقصود أن يأتي بلفظٍ أو مصطلح قد ذكره المصنَّف فيما يأتي، لكنه جاء بلفظٍ الذي هو يُعتبر تقسيمًا للعلم ولم يَذكره المصنّف، لعله فيه فُسحةً للشارحين أن يذكروا هذا الباب في هذا المقام، وهذا الذي سنسلكه.
يعني: قوله: (سلوكَ سبيل التصور والتصديق) نقول: هذا فيه إشارةٌ إلى بابٍ يُعنوِن له المناطقة في كتبهم: بابُ أنواع العلم الحادث، كما عنوَن له في السُلَّم.
فيذكرون حدَّ العلم، ثم يذكرون تقسيم العلم إلى تصور وتصديق، ثم يقسِّمون هذين القسمين إلى النظري والضروري، ثم يذكرون طريق كل واحدٍ منهما.
فهذه ثلاثة مسائل: حدُّ العلم أولًا.
ثم يُقسَّم العلم باعتبار ما يتعلق به الإدراك إلى تصور وتصديق.
ثم ثالثًا يُقسَّم العلم باعتبار الطريق إليه وهو كونه نظريًا أو ضروريًا.
ولذلك يقول: أنواع العِلم. لماذا أنواع العلم؟ لأن العمل أنواع أربعة؛ لأنه إما تصوَّر وإما تصديق، وكلٌ منهما إما نظري أو ضروري. تصور نظري تصور ضروري، تصديقٌ نظري تصديقٌ ضروري. هذه أربع، ولذلك يقول: أنواع.
بعضهم يجعل هذا التركيب وهو موجودٌ في كتب المناطقة يقول: أنواع العلم احترازًا عن علم الله تعالى فإنه لا يتنوع. وهذا لا يُسلَّم .. القول بأن علم الله تعالى لا يتنوَّع هذا ليس على طريقة أهل السنة والجماعة، وإنما قد يقال على وجهٍ ما بقولهم: العلم الحادث احترازًا من علم الله تعالى؛ لأن البحث في هذا النوع بكونه ينقسم إلى أربعة أقسام إنما هو في علم المخلوقين؛ لأن الذي يوصف بكونه تصورًا أو تصديقًا أو نظريًا أو ضروريًا نقول: هذه الأوصاف الأربعة لا يوصف بها علم الباري جل وعلا، لماذا لا يوصف بها؟ أولًا: لم يرِد، هذا التعليل الأكبر.
لأن الأصل فيما يُوصف الله تعالى به أو يُسمى هو الاعتماد على ما جاء به الوحيان: كتاب وسنة. هذا الأصل .. أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ إثباتًا أو نفيًا.
وهذه الألفاظ لم يرِد واحدٌ منها، لم يرد في القرآن وإنما جاء وصف العلم مطلقًا، فلم يقيَّد بكونه تصوريًا ولا تصديقيًا، ولا نظريًا ولا ضروريًا.
إذًا: هذه الأوصاف الأربعة إنما تختص بعلم المخلوقين، وأما علم الباري جل وعلا فلا يُوصف بواحدٍ منها البتة؛ لأنه لم يرد.
ثم بعضها يُوهم النقص بل فيه نقص، كالنظري مثلًا المراد به العلوم الكسبية يعني: التي تُستحصَل، لم يكن معلومًا ثم علِمه، هذا لا يمكن أن يقال في حق الباري جل وعلا، ولذلك قال هناك في التوشيح:
عِلْمُ الإِلَهِ لاَ يُقَالُ نَظَرِي
وَلَيْسَ كَسْبِيًَّا فَكُلُّ مُوْهِمِ وَلاَ ضَرُورِيٌّ وَلاَ تَصَوُّرِي
يُمْنَعُ فِي حَقِّ الْكَرِيْمِ المُنْعِمِ
لكن التعليل هذا ليس على إطلاقه، (فَكُلُّ مُوْهِمِ يُمْنَعُ) يعني: كلُّ ما أوهَم نقصًا وعيبًا وتشبُّهًا بالمخلوقين (يُمْنَعُ فِي حَقِّ الْكَرِيْمِ المُنْعِمِ) هذا بناءً على قولهم:
وَكُلُّ نَصٍّ أَوْهَمَ التَّشْبِيهَا أَوِّلْهُ أَو فَوِّضْ وَرُمْ تَنْزِيهَا
[ ٣ / ٨ ]
نقول: لا، ليست هذه العِلَّة، نعم قد يكون في بعضها أنها موهِمة النقص، وحينئذٍ تنفى، ولكن الأصل العظيم المطرد هنا هو عدم الورود، فحينئذٍ لا نصف الله تعالى بهذه الأوصاف أو واحدٍ منها لأنه لم يرِد لا في الكتاب ولا في السنة.
إذًا: قوله: (سبيلَ التصور والتصديق) أشار به إلى هذا الباب.
قلنا: العلم اختُلِف فيه هل يُحد أو لا يُحد، والصحيح أنه يُحد يعني: يُعرَّف؛ لأنه حقيقةٌ من الحقائق كغيرها، كما يُعرَّف العام ويعرّف الخاص، ويعرَّف التصور والتصديق، كذلك يعرَّف العلم الذي هو أصلٌ وجنسٌ لهما.
المناطقة لهم حدٌ خاصٌ في العلم لا يَختلط معك بالحدود التي يذكرها الأصوليون أو يذكرها غيرهم من أهل اللغة.
فحينئذٍ ما المراد بالعلم عند المناطقة؟
يطلَق العلم ويراد به مطلق الإدراك، أو إن شئت قلت: الإدراك مطلقًا [العِلْمُ إِدْرَاكُ المَعَانِي مُطْلَقًَا] أو إن شئت عبِّر بقولك: مطلق الإدراك.
عندنا كلمتان: مُطلق الإدراك. ما هو الإدراك؟
الإدراك هذا مصدر من باب الإفعال، أَدرك يُدرك إدراكًا.
معناه في الاصطلاح: وصول النفس إلى المعنى بتمامه، يزيد بعضهم: من نسبةٍ أو غيرها.
وصول النفس، عبَّر بالوصول لأنه هو المعنى اللغوي، ما العلاقة بين المعاني الاصطلاحية والمعاني اللغوية، والمعاني اللغوية لا بد أن تؤخذ جنسًا في المعاني الاصطلاحية.
قوله: وصول النفس؛ لأن الإدراك هو وصول .. الإدراك في اللغة هو: بلوغ الشيء غايتَه ومنتهاه.
ولذلك يقال: أدركت الثمرة إذا نضجت، كمُلت .. إلى آخره.
وأدرك الصبيُ إذا بلغ يعني: وصل الحدَّ الذي يُكلَّف به شرعًا.
فحينئذٍ المعنى هذا لا بد أن يؤخذ جنسًا في حد الإدراك في الاصطلاح، فقالوا: وصول النفس. ما المراد بالنفس؟
هذه عبارة مختصَّة يعني: اصطلاحٌ خاصٌ عند المناطقة.
يُطلق لفظ النفس ويراد به القوَّة العاقلة التي هي محل الإدراك؛ لأن الإنسان يُدرِك بمعنى أنه تستقر عنده المعاني، أين تستقر؟
عبَّر المناطقة عن محل الإدراك ومحل استقرار المعاني، ومحل نشوء المعاني بالنفْس، وهل هي العقل أو غيره؟
هذا محل خلافٍ عندهم، لكنهم يُعبّرون على المشهور عندهم بأن النفس هي القوة العاقلة التي هل محل الإدراك، وآلتُها العقل. فالعقل وسيلة وآلة وليس هو محلًا للإدراك، ففرْقٌ بين النفس والعقل.
"وصول النفس إلى المعنى بتمامه" المعنى كما هو معروفٌ عند أهل اللغة: ما يُقصد من اللفظ، فكل ما يُقصد من اللفظ يسمى معنى سواء كان هذا المعنى مفردًا أو كان هذا المعنى مركبًا، متقابلان .. إما أن يكون مفردًا وإما أن يكون مركبًا.
فالذي يُفهَم ويُدرَك من لفظ زيد نقول: هذا مفرد. وصول النفس إلى المعنى.
معنى زيد، ماذا يراد بلفظ زيد؟ ما الذي تفهمه من لفظ زيد؟ ما مدلول لفظ زيد؟
نقول: هذا يسمى معنى، فالمدلول والمعنى والمفهوم والمسمى بمعنى واحد، فزيدٌ المراد به الذات المشخَّصة، كذلك لفظ سماء، لفظ أرض له مدلولٌ .. له معنى .. له مفهوم.
إدراكُك بمعنى فهمِك، لمعنى هذا اللفظ يسمى إدراكًا.
النوع الثاني من المعاني: المعاني المركبة، وهذا المركب على نوعين: إما مركب مرادف لمعنى الكلام عند النحاة، أو لا يكون مرادفًا. من أجل التعميم.
[ ٣ / ٩ ]
فما كان مرادفًا لمعنى الكلام عند النحاة فهو الجملة الاسمية والجملة الفعلية، حينئذٍ إذا قيل: زيدٌ قائمٌ. دل على ثبوت القيام لزيد، هذا معنى جزئي أو مركب؟ معنى مركب؛ لأنه استُفيد وأُخذ ودُل عليه، وفُهم من مركب وهو جملة اسمية وهو قولك: زيدٌ قائمٌ.
إذًا: مدلول هذا التركيب -التركيب الإسنادي التام- زيدٌ قائمٌ يسمى معنى، وصول النفس إلى المعنى المركب الذي دل عليه هذا اللفظ يسمى إدراكًا.
قوله: "بتمامه" المراد به أن النفس قد تصل إلى بعض المعنى، وهذا كما يقع من الشاك، أو في المتردد في هذا المعنى.
إذا قيل: خندريس قد يتوارد إلى الذهن معنًى ما .. لعله ولعله ولعله، نقول: هذا المعنى ليس هو الوارد من حيث إطلاق اللفظ في لغة العرب، لكن قد يصل إلى كون هذا اللفظ يراد به معنى الخمر، لكنه لا على جهة الجزم. حينئذٍ نقول: هذا وَصَل إلى المعنى لا بتمامه وهذا لا يسمى إدراكًا وإنما يسمى شعورًا عند المناطقة.
إذًا: لا بد أن يستوفي هذه الأركان: وصول النفس إلى المعنى بتمامه، فحينئذٍ يسمى إدراكًا.
"من نسبةٍ أو غيرها" هذا تفصيلٌ للمعنى؛ لأن الذي يُدرك من المركَّبات إما أحدُ جزئي المركب، وإما الارتباط والعلاقة بين الجزأين، وإما دلالة المركب.
إما أحدُ جزئي المركب، وإما النسبة والارتباط بينهما، وإما الدلالة التركيبية.
فإذا قلت: زيدٌ قائمٌ، إدراكُك لمعنى زيد هذا إدراكٌ لمفرد، قائم إدراكُك معنى قائم، يعني: ماذا فهمتَ من لفظ قائم؟ ثبوت القيام مثلًا. هذا إدراك أحدُ الجزأين، بقي العلاقة والارتباط بينهما الذي يسمى النسبة عند المناطقة، هذا الثالث.
الرابع: إدراك الجزأين مع النسبة على جهة الوقوع والإيجاد في الخارج، وهذا الذي سيأتي أنه هو التصديق.
إذًا: "وصول النفس إلى المعنى بتمامه من نسبةٍ فقط أو غيرها" يعني: غير النسبة "كإدراك الموضوع والمحمول، أو إدراك الموضوع فقط، أو إدراك المحمول فقط، أو الموضوع دون النسبة، أو المحمول دون النسبة". كما سيأتي.
إذًا: (العلم هو إدراك المعاني مطلقًا) فهو مطلقُ الإدراك، وعرفنا المراد بحد الإدراك: وصول النفس إلى المعنى بتمامه. زاد بعضهم: من نسبةٍ أو غيرها.
والنفس: هي القوة العاقلة للمعنى.
والمعنى هنا يشمل المفرد الذي هو التصور، ويشمل كذلك المعنى المركَّب الذي هو التصديق.
(من نسبةٍ أو غيرها) منْ بيانية، والنسبة هي النسبة الحُكمِية الخارجية، وهذا التصديق وسيأتي.
(أو التقييدية) وهذا تصور.
(أو غيرها) أي: أو غير النسبة، كإدراك الموضوع وحده، أو إدراك المحمول وحده، أو إدراك الموضوع والمحمول معًا دون النسبة، هذا مراده بغير النسبة.
(فالإدراك: وصول النفس إلى المعنى بتمامه، فإن وَصَلَتَ إليه لا بتمامه يسمى عندهم في الاصطلاح شعورًا وليس إدراكًا؛ -لأن أول مراتب الطلب عندهم الشعور- ثم التصوُّر، ثم إن طلبه وبقي في حافظته سُمِّي حفظًا والطلب تذكُّر والوجدان ذِكرٌ).
الخلاصة: أن العِلم عند المناطقة هو إدراك المعاني مطلقًا، شمِل هذا الحد نوعي العلم: الذي يسمى بالتصور، والذي يسمى بالتصديق.
[ ٣ / ١٠ ]
حينئذٍ صار العلم منقسِمًا إلى هذين النوعين، فما كان المعنى فيه مفردًا فهو التصور، وما كان فيه المعنى مركبًا إسناديًا تامًا فهو التصديق. والإدراك مر معنا.
ومطلق الإدراك هنا إدراك المعاني مطلقًا، هل قيَّده بكونه جازمًا أو لا؟ نقول: لا لم يقيِّده، هل قيّده بكونه مطابقًا للواقع أو لا؟ نقول: لا. لم يقيِّده.
ينتج من ذلك: أن العلم عند المناطقة يَدخل فيه الظن، ويدخل فيه الجهل المركَّب، ويشمل كذلك ما يسمى بالنسبة المشكوك فيها، ويدخل فيه كذلك ما يسمى بالنسبة المتوهَّمة. أربعة أشياء.
فكل إدراك عند المناطقة يسمى علمًا، ولذلك الجهل البسيط ليس بواردٍ هنا؛ لأنه عدمُ الإدراك، ونحن قلنا العلم هنا إدراك. إذًا: لا بد أن يكون فيه إدراك، وأطلق الإدراك سواءٌ كان على وجه الجزم الذي يسمى عِلمًا ويُخص به عند الأصوليين، أو لا على وجه الجزم فدخل الظن؛ لأن الظن ما هو؟ إدراك الشيء إدراكًا غير جازمٍ.
إذًا: هو إدراكٌ للشيء لكنه غير جازم؛ لأنه يحتمِل النقيض فدخل الظن.
كذلك الجهل المركب دخل معنا أو لا؟ نقول: نعم دخل في حد العلم عند المناطقة على جهة الخصوص؛ لأنه إدراك الشيء. إذًا: فيه إدراك، فكلُّ ما كان إدراكًا فهو نوعٌ من أنواع العِلم عند المناطقة .. إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع.
بقي النسبة المشكوك فيها، هذا إذا أدرك الطرفين وشكَّ في الإيقاع وعدمه. يعني: لو أدرك زيد قائم وشك: هل بالفعل زيدٌ قائمٌ أم لا؟ الارتباط والعلاقة بين المحمول والموضوع هنا المبتدأ والخبر مشكوك فيها وقع أو لم يقع؟
زيدٌ مسافر، يأتيك خبرٌ زيدٌ مسافر فتشك: هل سافر بالفعل أو لا؟
هذه نسبة مشكوكة، تسمى عِلمًا عند المناطقة؛ لأن الإدراك قد حصل، إدراك النسبة هنا والتعلق والارتباط بين الموضوع والمحمول قد وُجد.
النسبة المتوهَّمَة قيل: ما إذا رأى شبَحًا على بُعد قال: هذا أسد، فلما قرُب فإذا به زيد.
قوله: هذا أَسدٌ أَدرك الموضوع وأدرك المحمول وأدرك النسبة بينهما. هل هو بالفعل مطابق للواقع؟ الجواب: لا؛ لأنه ليس بأسد.
يسمى هذا عند المناطقة بالنسبة المتوهمة، يظن أن هذا زيد وإذا قرب منه قال: هذا عمروٌ ليس بزيد. نقول: هذه نسبة متوهمة.
هي نوعٌ من العِلم، إذًا: العلم عند المناطقة وإن كان يختص على جهة العموم بالتصديق والتصور إلا أنه يشمل كذلك الظن، ويشمل الجهل المركب، ويشمل النسبة المشكوك فيها، والنسبة المتوهَّمة .. هذه كلها أنواع من أنواع العلم، كل واحدٍ منها نوع ويسمى عِلمًا، بخلاف الأصوليين الذين جعلوا إدراك النسبة التصديقية هو العلم، أو -خصَّ بعضهم-: إدراك النسبة التصديقية على وجه الجزم أخص؛ لأن العِلم يُطلق ويراد به التصور والتصديق، وهذا مصطلح المناطقة.
يعني: يُطلق ويراد به إدراك المفردات، فإذا فهمت معنى المراد بلفظ زيد أو سماء أو أرض أو صلاة يسمى عِلمًا، لكن عند الأصوليين لا يسمى علمًا؛ لأنه ليس فيه حكم.
يُطلق عند المناطقة ويراد به التصديق يعني: الجُمل التركيبية، هذه الجمل قد تكون جازمة أو غير جازمة، قد تكون مطابِقة للواقع أو غير مطابقة للواقع. هذه أربعة أقسام دخلت كلها تحت التصديق.
[ ٣ / ١١ ]
عند الأصوليين بعضهم خص العلم بالإدراك التصديقي فأَخرج الإدراك التصوري فلا يُسمى علمًا. وهذا هو المشهور.
ومنهم من جعل التصديق على نوعين: جازم وغير جازم، فخَص العلم بالجازم. وهذا المشهور عند الأصوليين على جهة الخصوص وهو ما عرَّفه به الفخر الرازي في كتبه وتبعه كثير من الأصوليين، فحينئذٍ ثم فرقٌ بين التعريفين.
يرِد السؤال هنا: الظن هل هو نوعٌ من العِلم عند الأصوليين أو مقابِلٌ له؟
مقابلٌ له؛ لأنه ليس بجازم، وعند المناطقة نوعٌ من العلم.
الجهل المركب عند الأصوليين هل هو نوعٌ من العلم أو مقابلٌ له؟
مقابلٌ له.
وعند المناطقة نوعٌ من العِلم.
إذًا: الذي يجمع هذه الأقسام كلها -وقل ما شئت، التَّعداد أكثر مما ذكرنا- هو أن نقول: العِلم هو إدراك المعاني مطلقًا.
ولذلك في بعض كتب الأصوليين كمختصر التحرير يقول: يُطلق العلم ويرادف المعرفة، ويطلق العلم ويشمل التصور، ويطلق العلم على التصديق الظني، ويطلق العلم ويراد به التصديق الجازم. يعني له استعمالات، فكأنهم خصَّوا لفظ العلم بالتصديق الجازم ثم قالوا: يطلق على التصور أنه علم ويطلق على التصديق غير الجازم أنه علم.
وهذا يؤكد أن مذهب المناطقة ما اختاروه في تعريف العلم هو الأصح، وهو المرادف لمعنى العلم عند أهل اللغة، وهذه التقسيمات التي ذكرها الأصوليون إنما هي اجتهادات شخصية بمعنى أنها اصطلاحات.
فالعلم من حيث كونه إدراكًا جازمًا. نقول: هذا اصطلاح الأصوليين وليس هو المعنى اللغوي، وإنما جاء في لسان العرب وفي القرآن وفي السنة إطلاق العلم هكذا، حينئذٍ يُنظر في القرائن هل المراد به التصور؟ هل المراد به التصديق الظني؟ هل المراد به التصديق الجزم أو لا؟ فننظر في كل تركيبٍ على حِدة.
وأما المعنى اللغوي الصحيح للعلم فهو إدراك المعاني مطلقًا، فالتصور في لسان العرب يسمى عِلمًا حقيقة لا مجازًا كما هو الشأن عند الأصوليين، والظن يسمى عِلمًا، وكذلك التصديق الجازم يسمى عِلمًا، والتصديق الظني يسمى علمًا.
يؤكِّد هذا: أن الأصوليين خصَّوا اللفظ بمعنى ثم قالوا: يطلق العلم ويراد به الظن، يُطلق العلم ويراد به التصديق الظني .. إلى آخره.
نقول: هذه الإطلاقات تدل على ماذا؟ لأنهم يستدلون عليها بلسان العرب، ويأتون بآيات «فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ» [الممتحنة:١٠] قالوا: المراد به الظن هنا، طيب هذا لسان العرب .. هذا قرآن، فأطلق العلم وأراد به الظن، إذًا: الظن نوعٌ من العلم.
وهذا يتحدد على تعريف المناطقة لا تعريف الأصوليين، إذًا: أصاب المناطقة في هذا الموضع.
إذًا: مطلق الإدراك هنا يشمل الجازم وغير الجازم، ويشمل المطابق للواقع وغير المطابق للواقع، فشمل حدُّ العلم هنا الظن، والجهل المركب، والنسبة المشكوك فيها، والنسبةَ المتوهمة. إذًا: هذا تعريف العلم عند المناطقة.
ينقسم العلم عند المناطقة إلى نوعين على جهة الإجمال، وما مضى يدخل تحته، حينئذٍ نقول: العلم إما تصورٌ وإما تصديقٌ.
التصور عند المناطقة له استعمالان .. لفظ التصور؛ لأنه قد يطلِق بعضهم التصور بمعنى عام، ويطلق بعضهم التصور بمعنى خاص.
[ ٣ / ١٢ ]
يُطلق التصور بالمعنى الأعم ويراد به حصول صورة الشيء في النفس "حصول يعني: وجود" أيًا كان ذاك الشيء، وأشبه ما يكون بالشيء هنا ما يراد به المعنى، وحينئذٍ لا يختص لا بمفرد ولا بمركب.
حصول صورة الشيء في النفس يعني: القوة العاقلة، حصول صورة الشيء كزيد، هذا مفرد؟ حصول صورة الشيء كزيد. مدلول زيد حصل في النفس مفرد؟ مفرد.
إذًا: دخل في هذا الحد الذي هو التصور ولا إشكال فيه.
حصول صورة الشيء كـ: زيدٌ قائمٌ وهو ثبوت القيام لزيد، أو كقام زيدٌ وهو ثبوت القيام لزيد، حصل في النفس؟ حصل في النفس، يدخل تحت قوله: حصول صورة الشيء؟ نعم يدخل تحته.
إذًا: شمِل إدراك المفرد، وشمِل إدراك المركب.
سؤال: ما الفرق بين قولنا: العلم إدراك المعاني مطلقا، وبين قولنا: التصور حصول صورة الشيء في النفس، ما الفرق بينهما؟
لا فرق؛ لأن الأول شمِل "دعك من الألفاظ"، الأول شمِل التصور والتصديق يعني: إدراك المفردات وإدراك المركبات، والثاني شمل كذلك إدراك المفردات وإدراك المركبات.
إذًا: التصور يُطلق في بعض الاستعمالات ويرادف العلم، يكون مرادفًا للعِلم لكن ليس بالمعنى الأخص وإنما بالمعنى الأعم، فشمِل التصور هنا التصديق .. دخل فيه التصديق، سواء كان نظريًا أو ضروريًا، جازمًا أو غير جازم، مطابقًا أو غير مطابق.
إذًا: دخل التصور بأنواعه، ودخل التصديق بأنواعه تحت الحد.
حينئذٍ نقول: هنا المراد به مطلق التصور، هل هذا هو الذي يكون قسيمًا للتصديق؟ الجواب: لا، وإنما المراد به الذي يكون قسيمًا للتصديق وأحد نوعي العلم وليس مرادفًا للعلم هو أن يعرَّف التصور بأنه إدراك المفرد، وهو الذي يعبِّر عنه بعضهم بأنه التصور المقيد بعدم الحكم.
بمعنى أنه يَتصور المفرد يعني: يُدرِك معنى المفرد، وما أكثر المفردات التي يتصورها الإنسان ويدرك معانيها دون أن يحكم عليها بشيء، فتتصور معنى زيد مثلًا ولا تحكم عليه لا بقائم ولا بعالم ولا بجاهل .. إلى آخره.
نقول: إدراك وفهم معنى زيد دون أن تُثبِت له شيء أو تنفي عنه شيء يسمى تصَورًا، فهو إدراك مفرد ليس إدراك مركَّب إسنادي.
ثم هو إدراكٌ لمفرد وهذا الإدراك لم يَنصب معه على المفرد حُكمٌ لا بالإثبات ولا بالنفي، فقلت: زيد. وعرفتَ المراد بزيد.
وهذا يجري في سائر الفنون، ولذلك في أول العلوم يقال: الفاعل هو الاسم المرفوع المذكور قبله فعلُه، هذا يسمى حد، لكن يسمى بالذي معنى هنا تصورًا؛ لأنك عرَفْت كلمة الفاعل كما لو عرَفت كلمة زيد، ما المراد بزيد؟ الذات المشخَّصة.
الفاعل، ما هو الفاعل؟ الاسم المرفوع، ما هو المفعول به؟ ما هو التمييز؟ ما هو الحال؟ ما هو العام؟ ما هو الخاص؟ ما هو الناسخ؟ .. إلى آخره.
فجميع التعاريف في جميع الفنون هي مثالٌ للتصورات النظرية، فهي إدراك لمفردٍ، فإذا فهِمت المراد بالفاعل حينئذٍ تحكُم عليه بأنه مرفوع، وهو الاسم المرفوع المذكور قبله فعله ..
مرفوع قالوا: هذا غلط، لماذا؟ لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، فأنت بيّن لنا أولًا ما هو الفاعل ثم احكم عليه، أما تبيّن الفاعل وتذكر الحكم معه ونحن نريد التصور هذا غلط .. تناقض.
[ ٣ / ١٣ ]
وَعِنْدَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ المَرْدُوْدِ أَنْ تُدْخَلَ الأَحْكَامُ فِي الحُدُوْدِ
لماذا؟
لأن التصور إنما يفيد كشف المعنى الذي ينطوي تحت اللفظ فحسب. ما المراد بالفاعل، ما المراد بالعام، ما المراد بالخاص، ما المراد بالناسخ، المنسوخ .. إلى آخره.
فتبين المعنى المراد بهذا اللفظ، ثم بعد ذلك تحكم عليه بما شئت.
فهذا يسمى تصورًا، لكنه تصور بالمعنى الأخص أو بالمعنى الأعم؟ بالمعنى الأخص الذي هو إدراك المفرد "يعني: إدراك معنى المفرد" من غير تعرُّضٍ له بإثبات شيءٍ ولا بنفي؛ لأن الحكم دائرٌ بين أمرين: إما إيجاب وإما سلب، تتصور معنى زيد فقط، وتتصور معنى قائم دون أن تثبت القيام لزيد، يسمى تصورًا وهو إدراكٌ المفردات.
قال هنا: (التصور المطلق) إذا: التصور له استعمالان، هذه كلها ستأتي معنا من أول الكتاب إلى آخره، التصور والتصديق والموضوع والمحمول والمقدم والتالي .. كلها، فهي أساس هنا، لا بد من فهمها.
(التصور المطلق هو حصول صورة الشيء في النفس).
يقابل التصور المطلق هذا: التصور بالمعنى الأخص، يسميه بعض أرباب المنْطِق بالتصور الساذَج بفتح الذال وهي معرَّبة –ساذَج-، يسمى بالتصور الساذَج يعني: من السذاجة التي ليس معها شيء، يقال: إنسان ساذج يعني ليس عنده شيء.
هنا اللفظ المفرد ليس معه شيء ساذج، بمعنى أنه لم يترتب عليه حكمٌ لا بالإيجاب ولا بالسلب.
وهو التصور المقيد بعدم الحكم.
والنفس هي القوة العاقلة أو القوة المدرِكة التي هي محل الإدراكات، وبعضهم يطلق عليها العقل تجوُّزًا .. يسمي النفس العقل.
والمشهور الفصل بين العقل والنفس، فتُجعَل النفس هي محلٌ للإدراكات، والعقل آلتها.
والتصور تفعُّلٌ من الصورة "يعني: وزنُه" لأن المدرِك لحقائق الماهيات تنطبع صورتُها في مرآة ذهنه. يعني: لماذا سُمي تصور؟ هذا من باب فلسفة اللفظ: لماذا سُمي تصور؟
قال: تفعُّل من الصورة، ما هي الصورة؟ الصورة التي هي المثال .. الصورة في اللغة المثال، هكذا قال في القاموس.
أكثر أهل اللغة على ذلك، الصورة هي المثال، والمثال عُرِّف كذلك بالصورة، حينئذٍ صورة الشيء "يعني مثالُه" ينطبع في الذهن.
كما أن الصورة المحسوسة تنطبع في المرآة الحسية كذلك الذهن يُعتبر مرآة معنوية للمعاني فتنطبع فيها المعاني كما تنطبع صورتك في المرآة الحسية. هذا معنى صحيح.
فالمرآة نوعان: مرآة حسيَّة وهي المحسوسات، ومرآة معنوية وهي للمعقولات.
فلذلك سُمِّي تصورًا تفعُّلًا من الصورة؛ لأن المعنى كأنه صار صورة محسوسة ينطبع كما أنك ترى صورتك في المرآة المحسوسة كما هي لا تزيد ولا تنقص، كذلك المعنى ينطبع في الذهن لا يزيد ولا ينقُص. وهذا تشبيهٌ جميل.
والتصور المطلق مرادفٌ للعِلم عند المناطقة، وعليه فينقسم هذا التصور إلى نوعين: تصور ساذَج وتصديق.
إذًا: العلم ينقسم إلى نوعين: تصور وتصديق، لمَّا ذكرنا التصور لا بد أن نذكر له استعمالًا آخر وهو أن التصور يُستعمل مرادفًا للعلم عند النحاة، وهل هذا هو المراد في التقسيم؟ الجواب: لا، وإنما المراد به التصور المقيَّد بعدم الحكم.
الذي يقابله يسمى تصديقًا؛ لأن إدراك المعاني إما أن تُدرِك معنًى مفردًا أو تدرك معنى مركبًا.
[ ٣ / ١٤ ]
نأتي نفصِّل في الإفراد والتركيب هنا:
التركيب المراد به: الجملة الاسمية والجملة الفعلية.
يعني: الكلام عند النحاة، ما هو الكلام عند النحاة؟
لفظٌ مُركب مفيد بالوضع، أحسن تعريف تعريف ابن آجروم، [كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كاسْتَقِمْ] هذا فيه شيءٌ من الخلل.
"اللفظ المركب المفيد بالوضع" لا بد أن يشتمل على هذه الأربعة الأركان. جملة اسمية وجملة فعلية، هل كل مركَّب كلام؟ الجواب: لا. متى يكون المركب كلامًا؟ إذا أفاد فائدة تامة.
إذًا: بعض المركبات ليس بكلام، التصديق مختصٌ بالمركبات التامة.
إذًا: المركبات غير التامة أين نضعها؟ في التصور.
إذًا: معنى المفرد هنا ليس هو المفرد عند النحاة، معنى المفرد هنا عندما نقول: التصور هو إدراك المفرد [إِدْراكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ] ما المراد بالمفرد هنا؟
نقول: ما يقابل المركب تركيبًا إسناديًا تامًا. يعني: ما يقابل الجملة الاسمية والجملة الفعلية عند النحاة وهو الكلام بنوعيه.
حينئذٍ ما لم يستوفِ شرطَ الكلام يكون داخلًا في المفرد.
إذا: أدركتُ معنى غلام زيد. تصور أم تصديق؟ إذًا: يُعتبر مفردًا في باب المفرد التصور والتصديق عند المناطقة.
حينئذٍ نقول: غلام زيدٍ نقول: هذا يُعتبر مفردًا هنا؛ لأنه ليس مركبًا تركيبًا إسناديًا.
إن جاء زيدُ بنُ عمروٍ العالمُ الجليل، هذا تصور أم تصديق؟
تصور، مع كونه مركبًا، لكنه يعتبر كَلِمًا لا كلامًا.
إذًا: بعضُ الكلِم داخلٌ في المفرد.
إذًا: العِلم قسمان: تصورٌ وتصديقٌ.
التصور له استعمالان: استعمالٌ بالمعنى الأعم: حصول صورة الشيء في النفس، وهو مرادفٌ للعِلم وليس مرادًا هنا.
التصور بالمعنى الأخص وهو التصور المقيَّد بعدم الحُكم، وهذا واضح ويعبَّر عنه بأنه إدراك المفرد، والمراد بالمفرد هنا ما ليس مركبًا تركيبًا إسناديًا، يقابله التصديق -النوع الثاني-، والمراد به: إدراك المعنى المركَّب الذي دلَّت عليه الجملة الاسمية أو الجملة الفعلية، فما دل عليه مركبٌ ولم يكن إسنادًا تامًا حينئذٍ لا يسمى تصديقًا وإنما يسمى تصورًا.
إِدْراكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ وَدَرْكُ نِسْبَةٍ بِتَصْديقٍ وُسِمْ
لكن المراد هنا في هذا المقام أن يقال: الإدراك الذي يسمى تصديقًا ليس المراد به إدراك مفهوم الجملة فحسب؛ لأن إدراك مفهوم الجملة .. الجملة مركبة من مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل، هذه عندنا فيها أربعة تصورات، ولذلك اختلفوا في التصديق هل هو مركبٌ أم بسيط؟
عندنا أربعة تصورات: خذ مثلًا زيدٌ قائم، زيدٌ قائم هذا مبتدأ وخبر.
الجزء الأول: زيد، الجزء الثاني: قائم.
هذا عند النحاة يسمى الأول مبتدأ "زيد" والثاني "قائم" يسمى خبرًا.
عند المناطقة الأول يسمى موضوعًا، والثاني محمولًا.
عند البيانيين -أهل البلاغة- يسمى الأول: مسندًا إليه، ويسمى الثاني: مسندًا.
عند الأصوليين وبعض المناطقة يسمي الأول: محكومًا عليه، والثاني: محكومًا به.
إذًا: أربعة اصطلاحات مختلِفة في اللفظ لكنها في الحقائق متفقة.
زيدٌ مبتدأ موضوعٌ مسندٌ إليه .. ما تعرب هكذا وإنما من باب الإيضاح. زيدٌ مبتدأٌ محكومٌ عليه، موضوعٌ مسندٌ إليه.
قائمٌ خبرٌ محمولٌ مسندٌ محكومٌ به، هذه ألفاظ أربعة.
[ ٣ / ١٥ ]
فزيدٌ قائمٌ هذه جملة اسمية، كل تصديق يستلزم التصور ولا عكس .. كل تصديقٍ تصورٌ ولا عكس؛ لأن كل تصديقٍ يتضمن ثلاثة تصورات سابقة، فإذا قلت: زيدٌ قائمٌ لا يمكن أن تحكُم بإيقاع ثبوتِ قيام زيد أو عدمِه إلا بعد أمورٍ ثلاثة:
أولًا: تَعرِف معنى زيد. يعني: إدراك الموضوع، ما المراد بزيد؟
يعني: زيد فقط، يسمى الموضوع فقط، يسمى تصورًا هذا.
الثاني: إدراك قائم فقط معناه ما المراد به، يسمى تصورًا فقط.
إذًا: عندنا تصوران:
أولًا: تصور الموضوع .. إدراك المفرد زيد.
ثانيًا: تصور المحمول وهو قائم هنا.
الثالث: ما يسمى بتصور النسبة، والمراد بالنسبة هنا عند المناطقة: العَلاقة والارتباط والتعلُّق بين الموضوع والمحمول.
يعني: كون الموضوع متصفًا في المعنى بالمحمول، ولذلك اشترط بعض النحاة "الكلام في الإسناد هنا" اشترط أن يكون ثَم أُلفة، ولذلك ابن مالك قال: باب الكلام وما يتألف منه، لم يقل: وما يتركب منه؛ احترازًا عن تركيبٍ لا أُلفة بينهما، فلا يسمى كلامًا على شرطه يعني: لو قال قائل: الجدار طار، لو قال: مشى الجدار أو صام أو صلى الجدار.
لو جئنا على ظاهرية النحاة نقول: صلى الجدار، صلى فعلٌ ماضي والجدارُ فاعل. إذا جئنا وطبقنا القواعد هكذا: صلى فعلٌ ماضي والجدار فاعل، لكن هل بينهما أُلفة؟ هل يُتصور في العقل أن الجدار يتصف بهذا الوصف وهو الصلاة؟ الجواب: لا.
إذًا: ما الذي انتفى؟ هل يسمى كلامًا؟
إذا اشترطنا الأُلفة بين المسند والمسند إليه، بين المبتدأ والخبر قلنا: لا يسمى كلامًا لاِنتفاء الشرط، وإذا لم نشترط سميناه كلامًا.
حينئذٍ النسبة بين الموضوع والمحمول هو أن يُجيز العقل، أن يَتصور العقل إمكان اتصاف الموضوع بالمحمول.
هذه عند المناطقة يمكن إدراكهُا دون الموضوع والمحمول، وهذا فيه شيءٌ من التكلُّف، لكن نسميه نحن بأنه إدراكٌ اعتباري.
يعني: هل يمكن أن يَتصور العقل نسبة بين زيد وقائم دون أن يَتصور زيد ولا قائم؟ لا يمكن، هذا إذا قلنا بأنه ينفك انفكاكًا كليًا عن الموضوع والمحمول، أما مع الملاحظة فيمكن.
فيَتصور نسبةَ القيام إلى زيد دون أن ينصبَّ التفكير على زيدٍ وحده أو على قائم وحده، كما تنظر إليَّ أنت الآن وأنت تلحظ ما ورائي، أنت لحظته لكنك لم تصب نظرك عليه، حينئذٍ نقول: هذا ملحوظ.
كذلك هنا الذي معنا نقول: يمكن أن تُلحَظ النسبة وينصب عليها الذهن من حيث إدراك المعنى، دون أن يكون الانصباب على الموضوع أو على المحمول. وهذا ممكن، لكن يسمى إدراكًا اعتباريًا.
وعليه يمكن أن يقال بأنه يدرَك الموضوع مع النسبة دون المحمول، أو النسبة مع المحمول دون الموضوع؛ لأن الاحتمالات ثلاث هنا.
أولًا: الموضوع مع النسبة، باعتبار الكلام على النسبة ليس ما سبق.
النسبة مع المحمول.
إدراك النسبة فقط دون الموضوع والمحمول. ثلاثة إدراكات وكلها اعتبارية، لأنه لا يمكن أن ينفك المحمول عن الموضوع، ولا يمكن أن ينفك الموضوع عن المحمول وإنما هو تجويز عقليٌ فحسب.
إذًا: إذا قيل: زيدٌ قائمٌ حينئذٍ يَتصور أولًا العقل معنى زيد، ثم بعد ذلك يتصور العقل -يعني: يُدرِك- معنى قائم، ثم العلاقة بينهما وهو إمكان اتصاف زيدٍ بالقيام.
[ ٣ / ١٦ ]
بقي التصور الرابع: هل وقع بالفعل في الخارج قيام زيد أو لا؟
إدراك الرابع هذا يسمى تصديقًا، فزيدٌ قائمٌ يمكن أن يقول قائل: زيدٌ مسافرٌ وهو معنا الآن، حينئذٍ نقول: إدراك عدم سفر زيد نقول: هذا يسمى تصديقًا، ولو لم يكن مطابقًا للواقع.
إدراك ثبوتِ سفر زيدٍ في الواقع "يعني: بالفعل" فحينئذٍ نقول: هذا يسمى تصديقًا.
هذه النسبة تسمى النسبة الخارجية التي هي مورِد الإيجاب والسلب.
والفائدة اللغوية: أن الجملة لها مدلول: لها معنى ولها حُكم، إذا قلت: زيدٌ قائمٌ فحينئذٍ زيدٌ قائم مبتدأ وخبر، تصورت أولًا الموضوع .. المعنى بزيد المراد، تصورت قائم، تصورت العَلاقة بينهما، فحينئذٍ بقي مدلول الجملة.
كيف نأتي بمدلول الجملة؟
إذا كنت أنت تسمع فلا تحتاج إلى التعبير، وإنما إذا أردت أن تصف لغيرك فحينئذٍ لا بد من التركيب.
الضابط عند النحاة: أنك إذا أردت أن تعبِّر عن مضمون الجملة يعني: معنى الجملة كيف نعبِّر عنه؟ ما الذي نقول أدركناه من الجملة؟
نقول: زيدٌ قائمٌ، المحمول إما أن يكون مشتقًا أو جامدًا، إذا قيل: الاشتقاق يقابله الجمود.
فحينئذٍ إذا كان المحمول مشتقًا يعني له مصدر، والمشتقات سبعة كما هو المشهور عند النحاة.
فحينئذٍ تأتي بمصدر ذلك المشتق .. تتصيده من نفس المشتق، قائمٌ مصدره قيام، حينئذٍ تأتي بالقيام الذي هو مصدر المحمول، وتُضيف إليه المحكوم عليه "الذي هو الموضوع" فتقول: قيامُ زيدٍ، كيف جاء قيامُ زيدٍ؟
نقول: قيام زيدٍ نظرتَ إلى المحمول فإذا به مشتق، فأخذتَ المصدر وأضفتَه إلى الموضوع فقلتَ: قيامُ زيد.
هذا يسمى مضمون ومدلول ومعنى ومفهوم الجملة، هذا إن كان مشتقًا.
فإن كان جامدًا كقولك: زيدٌ أسدٌ. كيف تأتي بمضمون الجملة؟ أسد هذا ليس بمشتق، إذًا: ليس عندنا مصدر.
قالوا نأتي بالكون، الكون الذي هو مصدر كان الناقصة "وَكَونُكَ إِيَّاهُ عَلَيْكَ يَسِيرُ" إذًا لها مصدر.
بِبَذْلٍ وَحِلْمٍ سَادَ فِي قَوْمِهِ الْفَتَى وَكَونُكَ إِيَّاهُ عَلَيْكَ يَسِيرُ
إذًا: كان الناقصة لها مصدر.
قالوا: نأتي بالكون نُضيفه إلى الموضوع، ونأتي بالمحمول منصوبًا على أنه خبرٌ لكان، تقول: كونُ زيدٍ، مثل قيامُ زيد، لكن لم تأتِ بقيام لأنه ليس عندنا مصدر.
إذًا: زيد في الموضعين يكون مضافًا إليه، سواء كان للمصدر في باب الاشتقاق أو للكون في باب الجمود إذا كان المحمول جامدًا، فتقول: كونُ زيدٍ أسدًا. جئت بأسد على أنه منصوب؛ لأن كان وما اشتُق منها تعمل عمل الأصل.
وَغَيْرُ مَاضٍ مِثْلَهُ قَدْ عَمِلاَ إِنْ كَانَ غَيْرُ الْمَاضِ مِنْهُ اسْتُعْمِلاَ
فحينئذٍ: كونُ زيدٍ أسدًا، هذا هو المشهور عند كثير من النحاة ومن المناطقة.
بعضهم يرى أنك تأتي بالمصدر الصناعي وهو أن تنظر إلى الجامد هذا أسد مثلًا، وتضيف إليه ياء مشددة وتاء التأنيث تقول: أسديّةُ زيدٍ.
إذًا: مضمون "زيدٌ أسدٌ" أسديّةُ زيدٍ، أو: كونُ زيدٍ أسدًا.
مضمون "زيدٌ قائم" قيامُ زيد.
"زيدٌ عالم" علمُ زيدٍ .. وهكذا، هذا يسمى مضمون.
[ ٣ / ١٧ ]
قولك: قيام زيد، أسديّةُ زيد، كون زيدٍ أسدًا .. هذا ليس فيه إثبات ولا نفي، الحكم هو إيجابٌ أو سلْبٌ إما إثبات وإما نفي "هذا هو الحكم"، حرام ليس بحرام، حرام إثبات واجب إثبات، لا يجب لا يحرُم هذا نفي، تارة يكون بالإثبات وتارة يكون بالنفي.
إذا قلت: قيامُ زيد هذا مضمون الجملة ليس فيه إثبات ولا نفي، إذًا ما هو حكم الجملة؟
حكم الجملة هو الثبوت المضاف لمضمون الجملة، أو السلبُ المضاف إلى مضمون الجملة، فحينئذٍ عندنا أمران متغايران كما بين السماء والأرض الذي هو المضمون "مضمون الجملة" لأنه يشتبه على الطلاب هذا، يظنها مسألة واحدة لا.
مضمون الجملة يعني: ما دلت عليه الجملة، ولكن الثبوت والنفي هذا شيءٌ زائدٌ عليها.
ولذلك الأصل في الجُمَل الإيجاب، والنفي هذا فرعٌ؛ لأنه يحتاج إلى قرينة، إذا قلتَ: ما قام زيدٌ، قام زيدٌ إيجاب .. ثبوت، قام زيدٌ فيه ثبوت. ما الدليل؟
الأصل في الجمَل الإثبات، بدليل أنه لو أُريد النفي لسُلِّط عليه إما حرفٌ أو فعلٌ، ليس زيدٌ قائمًا فعلٌ، ما قام زيد هذا حرفٌ، لن يقوم زيد هذا حرف.
فإذا سُلِّط عليه، فما احتاج إلى قرينة فرعٌ عما لا يحتاج، كما نقول في المجاز والحقيقة، لا نقول هذا مجاز إلا إذا دلَّت القرينة، إذا لم توجد قرينة رجعنا إلى الأصل، ما هو الأصل؟ الحقيقة، متى نقول مجاز؟ إذا استُعمل اللفظ في غير موضعه لقرينة، إذا وُجدت قرينة حينئذٍ حُمل عليه.
وَحَيْثُمَا اسْتَحَالَ الاَصْلُ يُنْتَقَلْ إِلَى المَجَازِ أَوْ لأَقْرَبٍ حَصَلْ
إن لم يكن رجعنا إلى الأصل، فإذا اختُلف في اللفظ هل هو حقيقة أو مجاز رجعنا إلى الأصل وهو أنه حقيقة؛ لأنه لو كان مجازًا لأثبت أو أقام عليه قرينة تدل على أن اللفظ استُعمل في غير ما وضع له ابتداءً.
كذلك هنا لو أراد النفي لقدَّم على الجملة إما حرف يدل على السلب أو فعلًا يدل على السلب يعني: أداة السلبي، فلما انتفت رجعنا إلى الأصل وهو أنها موجَبة يعني: مثبَتة.
حينئذٍ ما هو حكم الجملة، كيف نصيغه؟
نقول: نأتي بالثبوت أو النفي مضافًا إلى مضمون الجملة، "قيام زيد" ثبوت قيام زيد، ما زيدٌ قائمٌ نقول: نفيُ أو عدم قيام زيد. إذًا: فرقٌ بين النوعين.
التصور والتصديق عرفنا أن التصور إدراك المفرد، والتصديق إدراك المركَّب، والمراد بالمركَّب -هكذا لأن المركب هذا مجمل- المراد بالمركب هنا المركب الإسنادي التام الذي ينقسم إلى الجملة الاسمية والجملة الفعلية.
ما المراد بالإدراك المتعلِّق بالجملة الاسمية؟
نقول: المراد هنا إدراك النسبة الخارجية التي هي يعبِّر عنها المناطقة بالوقوع واللاوقوع، كون الشيء واقعًا بالفعل في الخارج.
الآن المضمون وحكم الجملة كلها في الذهن، إذا قلت: مضمون الجملة. هذا أمرٌ ذهني، حكم الجملة أمر ذهني، ثبوت قيام زيد .. أنت تدَّعي ثبوت قيام زيد لكن في الخارج هل بالفعل زيدٌ قائم؟
إن كان بالفعل زيدٌ قائم فحينئذٍ إدراكُك لوقوع ثبوت قيام زيد هذا يسمى تصديقًا، وما قبل ذلك يسمى تصورًا.
[ ٣ / ١٨ ]
حينئذٍ كل تصديقٍ يتضمن ثلاثةَ تصورات: تصور الموضوع وحده، وتصور المحمول وحده، وتصور النسبة. ثم إن كانت هذه النسبة التي هي النسبة الخارجية التي هي مورِد الإيجاب والسلب، إن حُكم عليها أو أدرك العقل وقوعها بالفعل في الخارج، أو عدمَ وقوعها بالفعل في الخارج يسمى تصديقًا.
فكل تصديقٍ لا بد أن يتقدمه ثلاثة تصورات، ومن هنا اختلفوا هل التصديق بسيط أو مُركَّب؟
الحكماء المناطقة الفلاسفة على أنه بسيط، بمعنى أن الإدراك الرابع الذي هو الوقوع واللاوقوع، أو الذي يُعبَّر عنه بالانتزاع والإيقاع يسمى تصديقًا، وما قبله شروطٌ، وخالف الرازي في ذلك فقال: بل التصديق مركَّب من أربعة أركان.
فتصور الموضوع ركنٌ وجزءٌ في التصديق لا ينفك عنه، وكذلك تصور المحمول ركنٌ وجزءٌ من التصديق لا ينفك عنه.
وكذلك تصور النسبة الكلامية التي هي ارتباط بين الاثنين .. الجزأين، كذلك ركنٌ وجزء، والإدراك الرابع كذلك ركنٌ وجزء.
حينئذٍ اتفقا واختلفا -يعني: طائفتان- اتفقوا على أن التصور الرابع لا يمكن أن يوجد إلا بثلاث تصورات، هذا متفق عليه.
لكن الخلاف: هل توقف ماهيّة التصور الرابع -يعني: وجودها حقيقتُها- هل هو من توقف الماهيَّة على شرطها أو على ركنها؟ هذا محل النزاع.
[وَالرُّكْنُ جُزْءُ الذَّاتِ وَالشَّرْطُ خَرَجْ] يعني: الركن ما كان داخلًا في الماهيّة كقراءة الفاتحة في الصلاة، وكذلك الركوع والسجود .. هذه داخلة في الماهيَّة.
إذًا: لا تنفك الصلاة عن ركنها، وأما الطهارة بالنسبة للصلاة فهي خارجة عنها، لكنها متوقفةٌ عليها، كذلك التصور الرابع هنا منفكٌ عند الجمهور لكن الماهيّة لا توجد إلا بوجود هذه الشروط الثلاثة.
إذًا يرِد السؤال هنا: هل التصديق بسيط أو مركب؟
نقول: فيه مذهبان:
جمهور الحكماء على أنه بسيط، بمعنى أن الإدراك الرابع الوقوع واللاوقوع هو المسمى بالتصديق، وما قبله شروطٌ له على الصحيح.
وأما على مذهب الرازي فهي أربعة، بمعنى أن توقُّف الماهيّة على أركانها .. على أجزائها. حينئذٍ كل واحدٍ من هذه الأربعة يُعتبر ركنًا وجزءً في التصديق، يعني: لا يحصل بدونه.
وَالرُّكْنُ جُزْءُ الذَّاتِ وَالشَّرْطُ خَرَجْ وَصِيْغَةٌ دَلِيْلُهَا فِي المُنْتَهَجْ
النسبة تسمى بالمفهوم وبالمدلول وبالمعنى، النسبة الكلامية الحُكمية: هي ثبوت المحمول للموضوع على وجه الإثبات أو على وجه النفي، هذا على ما ذكرناه سابقًا.
النسبة الخارجية: وقوع ذلك الثبوت أو عدم وقوعه.
يعني: النسبة نسبتان، ولذلك قد يمر معكم قول صاحب السلَّم:
وَدَرْكُ نِسْبَةٍ بِتَصْديقٍ وُسِمْ
حينئذٍ يرد السؤال (دَرْكُ نِسْبَةٍ) يعني: إدراك النسبة، سمَّاه تصديقًا.
ما المراد بالنسبة؟
إن قلنا المراد به النسبة الخارجية، فحينئذٍ (دَرْكُ نِسْبَةٍ) أي: إدراك النسبة الخارجية التي هي الوقوع أو اللاوقوع هي التصديق.
وإن فُسِّرت النسبة هنا بالنسبة الكلامية ارتباط بين الجزأين التي هي التصور الثالث، إن فُسِّرت النسبة فحينئذٍ لا بد من مضاف، وهو: ودركُ وقوعِ نسبةٍ. أكثر الشُرَّاح هكذا في السلَّم هناك.
[ ٣ / ١٩ ]
دركُ وقوع نسبة يعني: دركُ أو إدراك وقوع النسبة الكلامية؛ لأن النسبة الكلامية إدراكُها من باب التصور لا من باب التصديق، وأما وقوعها في الخارج بالفعل، ثبوت القيام لزيد، هذا تصور، ثبوت قيام زيد نقول: هذا تصور وليس بتصديق، وقوعُه بالفعل في الخارج، وافق ما في الباطن نقول: هذا يُعتبر تصديقًا، إدراك الوقوع واللاوقوع يسمى تصديقًا.
حينئذٍ (دَرْكُ نِسْبَةٍ) إن فُسِّرت النسبة بالخارجية فلا نحتاج إلى مضاف؛ لأن إدراكها مباشرة يسمى تصديقًا، وأما إن كان المراد بالنسبة الكلامية هنا .. النسبة الكلامية التي هي ثبوت القيام لزيد، أو قيام زيد سواءٌ مع الحكم أو دونه فحينئذٍ نقول: لا بد من تقدير مضاف: دركُ وقوع نسبةٍ بتصديقٍ وُسِم.
ثم إن كلًا من التصور والتصديق ينقسم إلى ضروري ونظري، والضروري هو ما لا يحتاج إلى التأمل، والنظري ما يحتاج إلى التأمل.
وَالنَّظَرِيْ مَا احْتَاجَ لِلتَّأَمُّلِ وَعَكْسُهُ هُوَ الضَّرُورِيُّ الجَلِي
هذا واضح، إذًا: كلٌ منهما إدراك، لكن هناك إدراك يحتاج إلى تأمُّل وتفكُّر وبحث ونظر، هذا يسمى علومًا نظريًا.
وهناك إدراك لا يحتاج إلى تأمل كإدراك أن الكل أكبر من الجزء لا يحتاج إلى إثبات ولا يحتاج إلى تأمل، ولا إلى بحث. هذا يسمى بالعلوم الضرورية.
ولذلك هذا التقسيم هو من تقسيم العِلم كذلك، عندنا تقسيمان:
تقسيم العلم إلى تصور وتصديق، هذا باعتبار الإدراك وما يتعلق به؛ لأنا قلنا: الإدراك هو وصول النفس إلى المعنى بتمامه، إذًا: النفس تعلَّقت بالمعنى الذي دل عليه المفرد أو المركب.
فعندنا متعلِّق ومتعلَّقٌ به، ما هو المتعلِّق؟ النفس، والمتعلَّق به المعنى مفردًا كان أو مركبًا.
هنا التقسيم باعتبار الطريق الموصِل إلى العلم، قد يكون بكسبٍ وقد يكون بلا كسبٍ، حينئذٍ ما كان بكسبٍ يسمى نظريًا، وما كان بدون كسبٍ يسمى ضروريًا.
وعليه كما نقول هناك: العلوم أو المعلومات تصورية وتصديقية، هنا نقول: علومٌ نظرية أو معلوماتٌ نظرية، وعلومٌ ضرورية أو معلومات ضرورية.
قال هنا: (والتصديقات النظرية تستفاد من التصديقات الضرورية) هذه قاعدة.
التصديقات النظرية هي بكسب وتأمل وبحث، تؤخذ من أين؟ من التصديقات الضرورية.
والتصورات النظرية تستفاد من التصورات الضرورية كأصلها.
إذًا: أيهما أصل وأيهما فرع، العلم الضروري أم النظري؟ الضروري أصل؛ لأن النظري سواءٌ كان تصورًا أو تصديقًا إنما يستفاد من الضروري تصورًا أو تصديقًا.
(وتلك الاستفادة إنما تكون بالنظر والفكر وهو) أي: النظر والفكر (ترتيبُ أمورٍ حاصلة ليُتوصلَ بها إلى تحصيل غير الحاصل).
النظر الذي هو حدٌ أو مأخوذٌ في حد العلم النظري، ترتيب أمورٍ حاصلة؛ ليتوصل بها إلى تحصيل ما لم يحصل. وهذا ما مر معنا في بيان موضوع الفن، أنه معلومات موجودة سواءٌ كانت هذه المعلومات تصورية أو تصديقية بترتيبٍ معيَّن، وهو ما يُعرف في المعرِّفات: تقديم الجنس على الفصل ونحو ذلك، أو في الأقيسة: المقدِّمات الصغرى والتَّكرار، بترتيبٍ معيَّن سيُذكر، يُتوصل بهذا الترتيب إلى معرفة المجهولات.
[ ٣ / ٢٠ ]
فحينئذٍ لا بد أن تكون هذه المعلومات حاصلة في النفس نظريةً أو ضرورية؛ يُتوصل بها إلى معرفة المجهولات سواء كانت تصديقات أو تصورات.
وحينئذٍ يكون لكل واحدٍ من القِسمين طريقٌ خاصٌ، فالطريق الموصل إلى التصديقات النظرية الأقيسة، والطريق الموصل إلى التصورات النظرية التعريفات.
ولذلك انحصر موضوع الفن في المعرِّفات والأقيسة.
موضوع الفن كلُّه في المعرِّفات وما يوصل إليها، المقدمات المعتبرة لها كالكُلِّيّات الخمس، وما تُوصل هي به إلى التصور، والأقيسة وما يتعلق بها من مقدمات كالقضايا وأحكامها، وما توصل هي إلى مجهولات تصديقية.
وحينئذٍ فيراد بكلام المصنف هنا: (ويسَّر لهم سلوك سبيل التصور والتصديق).
يُراد حينئذٍ بكلام المصنف هنا: (سبيل التصور) المعرِّفات، و(بسبيل التصديق) الأقيسة.
ويصير معنى كلام الشارح: ويسَّر لأهل محبته الوصول بأفكارهم في الطريق الموصل إلى التصور، والطريق الموصل إلى التصديق، وفيه استعارةٌ تصريحية أصلية بتشبيه المعرِّفات والأقيسة بالسبيل، وذِكر التصور والتصديق قرينة.
وهذا إن فُسِّر السبيل بالطريق، وإن فُسِّر بالسبب فالكلام على حقيقته إذ يصير معناه: وسهّل لهم أسباب التصورات والتصديقات، ويراد السبب حينئذٍ السبب بالمعنى اللغوي حتى لا يرِد أن يقال: إن الأفكار ليست أسبابًا، بل هي من قبيل المُعِدَّات كما قُرِّرَ في محله.
قال رحمه الله تعالى: (ويسَّر لهم سلوك سبيل التصور والتصديق).
عرفنا خلاصة ما يذكره المناطقة هنا في هذا الباب، وهو يُعتبر مقدمةً لما سيأتي ذكره في المعرِّفات وفي الأقيسة، ولا بد من ذكره؛ لأنه يفوت به العلم بحقيقة الموضوع، والمحمول، وإدراك الأول مع الثاني، والنسبة، وتمييز التصور عن التصديق، والعكس كذلك، ثم معرفة التصور أنه يُطلق بمعنى أعم مرادف للعلم، وأنواع العلم .. هذه لا بد من وجودها أولًا.
قال رحمه الله تعالى -ننتهي من مقدمة المصنف-: (والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمدٍ الهادي).
(والصلاة والسلام) هذا سيأتي تفسير الصلاة في كلام الماتن، قال: (والسلام) أنه بالتَّحِية أو اسم الباري جل وعلا، أو بالمعنى اللغوي السلامة من العيوب والنقائص.
(على أشرف) هذا متعلِّق بالسلام، تنازع فيه الصلاة والسلام .. الصلاة على أشرف والسلام على أشرف، حُذِف من الأول [وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَهْ] فأُعمل الثاني –السلام- وحُذف من الأول.
(على أشرف خلقه) الشرف هو العلو والمكان العالي والمجد.
(خلقِه) هذا مفرد مضاف، نكرة مضاف فيعم يعني: خلقِه فَعْل، لفظٌ بمعنى ملفوظ، «هَذَا خَلْقُ اللَّهِ» [لقمان:١١] يعني: مخلوقات الله، خلقِه يعني: مخلوقاته؛ لأن الخلق إذا كان مصدرًا المراد به فعل الباري جل وعلا، وهذا لا تمييز فيه هنا .. ليس بوارد، وإنما المراد أثرُ الصفة، الخلق .. الصفة ليست مرادة.
(والصلاة والسلام على أشرف خلقه) ليست صفته الباري جل وعلا، وإنما مخلوقاته فهو عام.
ولما كان فيه شيءٌ من العموم قال: (محمدٍ) عطف بيان أو بدل.
(محمدٍ) وهو اسمه .. اسم النبي ﷺ عَلمٌ شخصي منقولٌ من اسم مفعول "حُمِّدَ" المضاعف.
(الهادي) أي: الدال.
[ ٣ / ٢١ ]
(إلى سواء الطريق) هذا من إضافة الصفة للموصول أي: الطريق المستقيم.
سواء هنا بمعنى مستقيم.
(وعلى آله) أي: أتباعه على دينه. يراد بهم أتقياء أمته للوصف بعده، وأضافه إلى الضمير بناءً على الصحيح أنه يجوز إضافته إلى الضمير، وإن منع منه الكسائي.
(آله) سيأتي في كلام المصنف فيما يتعلق بالمعاني الأخرى.
(وصحبه) اسم جمع صاحب وليس جمع تكسير، صاحب لم يُجمع جمع تكسير على فَعْل، وإذا كان كذلك فحينئذٍ نقول: هذا اسم جمعٍ وإن كان له مفرد، اسم الجمع ليس له واحدٌ من لفظه، هذا الأصل. لكن قد يقال بأنه يوجد له على قلَّة من لفظه، وهذا مثال له: صَحْب فعْل، واحدُه صاحب.
كيف نقول بأنه اسم جمع، واسم جمع لا واحد له من لفظه كنساء، نساء اسم جمع له واحدٌ من معناه وهو امرأة، لكن ليس له واحدٌ من لفظه.
فحينئذٍ نقول: هذه هي القاعدة، هذا هو الأصل أنه لا واحد له من لفظه، لكن قد يقال بأن له واحدٌ من لفظه ومثاله ما ذُكِر: صحْب، صحْب اسم جمع صاحب والصحابي معلوم أنه من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به.
(الحائزِين) جمع حائز، اسم فاعل من الحيازة وهي الضم والجمع، وهم المنتصفين.
(للصدق والتحقيق) الصدق ما يقابل الكذب، وهو مطابقة النسبة الكلامية للنسبة الواقعية، الصدق مطابقة، يعني: الذي نقول بأن إدراكه هو التصديق.
(والتحقيق) تفعيلٌ مِن حقَّ الشيء، والمراد به الإتيان بالشيء على الوجه الحق أو إثباتُه بدليله.
إثبات الشيء بالدليل يسمى تحقيقًا، فحينئذٍ لا نحتاج إلى تمييز العلماء بأن هذا محقِّق أو غير محقِّق، إلا إذا كان مقلِّدًا، فيُميَّز الذي يتَّبع الدليل عن المقلِّدة بكون ذاك محقِّقًا، وأما في فرز العلماء الذين يتَّبعون الدليل بأن هذا محقِّق وهذا غير محقق. هذا ليس بوارد؛ لأن التحقيق هو إثبات المسألة بدليلها.
لأنا نجد بعض الناس إذا أراد أن يقوِّي قوله قال: وقال بعض المحققين. يعني: كأنه انتهى الأمر، يعني: لا تَبحث ولا تناقِش، ولذلك أنا أقول: هذه كلمة إرهابية، إذا أراد أن يُرهِب المخالف قال: قال بعض المحققين، وقد يعني به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لأنه موافقٌ له في هذه المسألة.
يأتي في مسألة أخرى يقول: قال المحققين وهو ما اختاره المحققون، وأخرج ابن تيمية منهم. أنت أدخلته فيما سبق وأخرجته هنا، وتارة يُدخل الشوكاني وتارة يُخرجه، وتارة يريد به فلان .. إلى آخره، فصار هذا المصطلح ألعوبة .. تارة يُخرِج وتارة يُدخل.
ولذلك نقول: المحقق المراد به كل من يُثبت المسألة بدليلها يعني: ما يسمى بالمتحرِّر عن التقليد المذهبي، فحينئذٍ يكون محقِّقًا، ينظر بنفسه ويستعمل القواعد المعلومة ويُفرز الأقوال، وما وافق الدليل قبِله هذا هو المحقِّق.
فحينئذٍ لا نحتاج إذا أردنا أن نقويَ أقوالنا نقول: قال المحققون. نقول: هذا كلام فاسد.
إذًا: (للصدق والتحقيق) قال: تفعيلٌ من حقَّ الشيءُ وثبت، المراد به هنا إتقان الأمور وإحكامِها.
(وبعدُ) أي: بعدما ذُكر، وسيأتي الكلام فيها في الشرح إن شاء الله تعالى.
قال: (وبعدُ فهذا) أي: المشار إليه هنا ما في الذهن.
[ ٣ / ٢٢ ]
(هذا) الأصل في وضع اسم الإشارة أن يكون لمحسوس، وهنا المشار إليه أمرٌ معنوي، حينئذٍ نقول: نزَّل المعقول منزّلة المحسوس لقربه، هذا على المشهور إذا كان قبل الكتاب. يعني: كتب المقدمة أولًا ثم الكتاب بعدُ ما وُلد، حينئذٍ نقول: الإشارة هنا أشار إلى شيءٍ في الذهن، وإن كانت المقدمة بعد الكتاب .. ألَّف الكتاب ثم قال: فهذا حينئذٍ يكون لمحسوس على بابه. هذا هو المشهور، وثم تفصيلٌ آخر.
قال هنا: (فهذا) المشار إليه ما في الذهن تقدَّمت الخطبة أو تأخرت.
هذا هو الصحيح، وإن اشتهر التفصيل على ما ذكرناه عن الجمهور فيما سبق، وفيه استعارةٌ تصريحية لتنزيل المعقول منزَّلة المحسوس.
(فهذا شرحٌ) مصدرٌ باقٍ على مصدريته للمبالغة كقوله: زيدٌ عدلٌ. أو بمعنى اسم الفاعل على طريق الإسناد المجازي.
والشرحُ لغة: الكشفُ والإيضاح.
وعُرفًا: ألفاظٌ مخصوصةٌ دالة على معاني مخصوصة.
(شرحٌ لطيفٌ لكتاب) لطيف يعني: مختصر أو حسن.
(لكتابِ العلاَّمة أثير الدين) كتاب .. سمَّاه كتاب، مصدر بمعنى اسم المفعول.
سمّاه المصنف نفسه صاحب المتن أثير الدين: رسالة، قيل: من باب التواضع سمَّاه رسالة، وسمّاه الشارح كتابًا؛ لأن الكتاب أعظم، من باب الأدب مع أهل العلم، فسمّاه صاحبه رسالة تواضعًا وسمَّاه الشارح هنا كتابًا من باب الأدب مع المصنف.
قال: (كتاب العلامة) العلاَّمة صيغة مبالغة، وتاؤه لتوكيدها أي: كثير العلم.
قال: (العلامة أثير الدين الأبهري ﵀).
أَثِيْر بفتح الهمزة وكسر الثاء وسكون الياء وآخره راء، المراد به المختار.
وهو على حذف مضاف أي: مختار أهل الدين والإضافة على معنى من أو اللام.
(أثير الدين) أثير يعني: مختار، والدين: المراد به ما يُدان به يعني: العمل، يُطلق الدين ويراد به العمل.
والأبهري نسبةً إلى أبهر، وهي مدينة مشهورة بين قزوين وزِنجان وهمَدان من نواحي الجبل .. هناك في فارس.
(أثير الدين الأبهري) وهذا اسمه: أثير الدين المفضَّل بن عمر بن المفضل الأبهري السمرقندي الحكيم المنطقي الفلكي الرياضي الفيلسوف، وليس له عِلمٌ بالشريعة.
والأبهري نسبةٌ إلى أبهر وهي مدينة فارسيةٌ قديمة بين قزوين وزِنجان.
من كتبه: هدايةُ الحكمة، وهو مختصرٌ في علم الهيئة، وتنزيل الأفكار في تعديل الأسرار في المنْطِق، وجامعُ الدقائق في كشف الحقائق كذلك في المنْطِق، ومتن إيساغوجي وهو كتابنا.
توفي أثير الدين الأبهري سنة ٦٦٣هـ.
قال: (المسمى) وهذا نعتٌ للكتاب، المسمى الكتاب هو (بإيساغوجي) وسيأتي بحثه ومر معنا أن المراد به: المدخل إلى المنْطِق "يعني: مكان الدخول" أو المقدمة وهو الكُلِّيّات الخمس.
قال هنا: (في علم المنْطِق).
المؤلف كما قال العطّار صنَّف الكتاب وجعله على قسمين على ما هو الشائع عند من ألّف في الحكمة.
يعني: يأتي بالكتاب على قسمين: قِسمٌ هو مقدمة، وقسمٌ هو المقصود.
المقصود هذا يتعلق بالإلهيات لأنه علم الفلسفة، ويُجعَل المنْطِق مقدمةً له.
[ ٣ / ٢٣ ]
حينئذٍ قُسِم الكتاب قسمين، هو في أصله على قسمين، قُسِم قسمين، ففُصِل المنْطِق عن الفلسفة وشُرح وحُشِّي عليه، وبقي الأصل وكذلك خُدم ذاك الكتاب لكن ليس لنا فيه حاجة، وإنما المراد هنا فيما يتعلق بالمنطق.
ولذلك قال العطَّار: المصنّف ألَّف كتابه هذا وجعله على قسمين: الأول في فن المنْطِق، والثاني في الطبيعي والإلهي؛ جريًا على طريقة الحكماء بناءً على أن المنْطِق مقدمةٌ لعلم الحكمة أو جزءٌ منها على اختلاف البراهين، وشرَح كل قسمٍ من الكتاب كثير.
قال هنا: (في علم المنْطِق) أي: المهم منه، ليس في كل المسائل لأنه مختصر.
قال: (يحُل ألفاظه ويبيّن مراده، ويفتح مغلقَه، ويقيِّد مطلقَه على وجهٍ لطيف) هذه أربع صفات، وهي من وظيفة الشارح.
(يحُل) بضم الحاء يعني: يفُك.
(ألفاظه) يعني: ألفاظ الكتاب .. المتن نفسه، والذي يُحل ماذا؟ الضمير هنا يعود إلى الشرح وليس الشارح، قال: (فهذا شرحٌ لطيف يحُل) أي: هذا الشرح.
يحل ماذا؟ (ألفاظَه) يعني: ألفاظ الكتاب؛ لأن بعض الألفاظ تحتاج إلى فكٍ، وهذا الأصل فيه.
(يحُل ألفاظه) بمعنى يفك ألفاظه.
(ويبيِّن مرادَه) يبيِّن الشرح مرادَ من؟
الإرادة من صفات المخلوقِين على الأصل الشائع «جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ» [الكهف:٧٧] هذا نستثنيه نقول: هذا جاء به النص. يعني: لا نَنفي الإرادة عن الجمادات. قال الكثير بأن «جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ» [الكهف:٧٧] هذا مجاز وتشبيه واستعارة .. إلى آخر ما يقال.
والصواب: لا. ما الداعي إلى القول بأن هذا مجاز؟ هل العقل يمنع أن يريد الجدار؟ لا يمنع العقل، واختصاص أن الإنسان أو المخلوق هو الذي يريد نقول: هذا من جهة العقل "عقلِك أنت" لكن أخبرك الباري جل وعلا أن الجدار يريد كما قال: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» [الإسراء:٤٤] «مِنْ شَيْءٍ» هذا أعلى درجة العموم، وشيء هذا يصدُق على الحي وعلى غير الحي.
فدخل فيه الجمادات والسماوات والأرض .. إلى آخره.
«قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ» [فصلت:١١] «قَالَتَا» القول هو اللفظ الدال على معنى "على بابِه" لا نؤول، لا نقول: هذا مجاز، وإنما نقول: ما جاء النص في إثباته للجمادات يبقى على ظاهره وهو الحقيقة.
هنا قال: (يبيِّن مراده) يعني: مراد مؤلفه.
(يبيِّن) أي: هذا الشرح مراد مؤلفه؛ لأن المراد قد لا يظهر، قد تلتبس العبارة .. تتداخل حينئذٍ نحتاج إلى فَصلٍ.
(ويفتح مغلقَه) أي: يوضح غامضه هذا الأصل.
(ويقيِّد) هذا مقابل للإطلاق، يقيِّد ماذا؟ يقيّد الشرح (مطلقه) يعني: ما أطلقه المصنف.
(على وجهٍ لطيف) أي: طريقٍ وهو ظرفٌ تعلَّق به الأفعال الأربعة:
يحُلُّ ألفاظه على وجهٍ لطيف، يبيِّن مراده على وجهٍ لطيف، يفتح مغلقَه على وجهٍ لطيف، يقيِّد مطلقه على وجه لطيف.
فتعلَّق بالأخير يعني: من باب التنازع، وحُذف من الأول والثاني والثالث.
إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ
عاملان فأكثر
إِنْ عَامِلاَنِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ
وَالْثَّانِ أَوْلَى قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ
[ ٣ / ٢٤ ]