لعلك تقول قد استقصيت في شروط اليقين استقصاءً مؤنسًا عن نيله والظفر به فمن أين يقتنص مثل هذا اليقين وما آلته ومدركه. فاعلم أن مدارك الظنون لست أذكرها فإنها واضحة للفقهاء والناس كافة، ولكن أذكر مدارك اليقين والاعتقادات التي يظن بها اليقين ومجامعها فيما حضرني الآن ينحصر في سبعة أقسام، ولنخترع لكل واحد منها اسمًا مشتقًا من سببه:
[ ٢٣١ ]
الأول أوليات: واعني بها العقليات المحضة التي اقتضى ذات العقل بمجرد حصولها من غير استعانة بحس التصديرَ بها مثل علم الإنسان بوجود ذاته، وبان الواحد لا يكون قديما حادثا، وأن النقيض إذا صدق أحدهما كذب الآخر، وان الإثنين أكثر من الواحد ونظائره. وبالجملة هذه القضايا تصادف مرتبة في العقل منذ وجوده حتى يظن العاقل أنه لم يزل عالمًا به، ولا يدري متى حصل ولا يقف حصوله على وجود أمر سوى العقل، إذ يرتسم فيه الوجود مفردًا والقديم مفردًا والحادث مفردًا والقوة المفكرة تجمع هذه المفردات وتحسب بعضها إلى بعض، مثل أن تحضر أن القديم حادث ويكذب العقل به أو أن القديم ليس بحادث ويصدق العقل به، ولا نحتاج إلا إلى ذهن ترتسم فيه المفردات والى قوة مفكرة تنسب بعض هذه المفردات إلى البعض فيتربص العقل على البديهة إلى التصديق أو التكذيب.
الثاني المشاهدات الباطنة: وذلك كعلم الإنسان بجوع نفسه وعطشه وخوفه وفرحه وسروره وجميع احواله الباطنة التي يدركها من ليس له الحواس الخمس. وهذه ليست مدركة بالحواس الخمس ومجرد العقل. لا يكفي في إدراكها بل البهيمة تدرك هذه الأحوال من نفسها بغير عقل والأوليات لا تكون للبهائم والصبيِان. فإذا يحصل من هذا المدرك يقينيات كثيرة وقضايا قطعية مثل قطعه بأنه جائع ومسرور وخائف، ومن عرف نفسه وعرف السرور وعرف حلول السرور فيه ينظم من هذه المعارف قضية يحكم على نفسه بأنها مسرورة، فكانت القضية المنظومة منه عند العقل قضية حقيقة.
الثالث المحسومات الظاهرة: كقولك الملح ابيض والقمر مستدير والشمس مستديرة وهذا الفن واضح، ولكن يتطرق الغلط إلى الإبصار بعوارض فتغلط لأجلها مثل بُعدِ مفرط أو قرب مفرط أو ضعف في العين. وأسباب الغلط في الإبصار الذي على الاستقامة ثمانية، والإبصار الذي بالانعكاس كما في المرآة. والذي بالانعطاف كما يرى ما وراء البلور والزجاج تتضاعف فيه أسباب الغلط ومداخل الغلط في هذه الحالة على الخصوص لا يمكن استقصاؤُه في مجلدات. ولا يمكن أن يجعل علاوة على هذه الحالة وان أردت أنموذجًا من أغاليط البصر فانظر إلى طرف الظل فتراه ساكنًا والعقل يقضي بأنه ستحرك وإلى الكواكب فتراها ساكنة وهي متحركة والى الصبي والنبات في أول النمو وهي في النمو في كل لحطة تتزايد على التدريح ويراه واقفًا وأمثال ذلك مما يكثر.
الرابع التجريبات: ويعبّر عنها باطراد العادات وذلك مثل حكمك بأن النار محرقة والحجر هاو إلى جهة الأرض والنار متحركة إلى جهة فوق وألخبز مشبع والماء مرو
[ ٢٣٢ ]
والخمر مسكر وجميع المعلومات بالتجربة عند من جرّبها، فإن معرفة الطبيب بان السقمونيا مسهل كمعرفتك بان الخبز مشبع، فإنه انفرد بالتجربة وكذلك الحكم بأن المغناطيس جاذب للحديد عند من عرفه. وهذا غير المحسوسات لأن مدرك الحس هو أن هذا الحجر هوى إلى الأرض. فأما الحكم بأن كل حجر هاو إلى الأرض فهو قضية عامة لا قضية في عين فليس للحس إلا قضية في عين، وكذلك إذا رأى مائعًا وقد شربه فسكر لم يحكم بأن جنس هذا المائع مسكر، فإن الحس لم يدرك إلا شربًا وسكرًا عقيبه وذلك في شراب معين مثار إليه. والحكم الثاني هو حكم العقل بواسطة الحس وبتكرر الإِحساس مرة بعد أخرى إذا المرة الواحدة لا تحصل العلم فمن تألم له موضع فصبَّ عليه مائعًا فزال لم يحصل له علم بأنه مزيل بل هو كما لو قرأ عليه سورة الإِخلاص مرة فزال. إذ قد يخطر بباله إن زواله كان بالاتفاق، فإذا تكرر زواله مرات كثيرة حصل له العلم. وكذا لو جرب قراءة سورة الإِخلاص مثلًا على المرض الأول وكان يزول كل مرة أو في الأكثر يحصل له يقين بأنه مزيل كما حصل اليقين بأن الخبز مزيل للجوع والتراب غير مزيل له بل زائد فيه. وإذا تأملت هذا القن حق التأمل عرفت أن العقل نال هذه بعد الإِحساس والتكرر بواسطة قياس خفي ارتسم فيه، ولم يثبت شعوره بذلك القياس لأنه لم يلتفت إليه ولم يشكله بلفظه. وكان العقل يقول لو لم يكن هذا السبب يقتضيه لما اطرد في اكثر، ولو كان بالاتفاق لتخلف. فإن الإِنسان يأكل الخبز فيتألم رأسه ويزول جوعه فيقضي على الخبز بأنه مشبع وليس بمؤلم لفرق بينهما وهو أن الإِيلام يحمله على سبب آخر اتفق اقترانه بالخبز، إذ لو كان، بالخبز لكان دائمًا مع الخبز أو في الأكثر كالشبع. وهذا الأمر يحرك أصلًا عظيمًا في معنى تلازم الأسباب والمسببات والتعبير عنها باطراد العادات، وأن ذلك ما حقيقته. وقد ذكرنا في كتاب تهافت الفلاسفة ما ينبّه عن غوره. والمقصود أن القضايا التجريبية زائدة على الحسية ومن لم يمعن في تجربة الأمور تعوزه جملة من القضايا العينية فيتعذر عليه درك ما يلزم منها من النتائج، ولذلك نرى أقوامًا يتفردون بعلم ويستبعده آخرون لجهلهم بمقدماته التي لا تحصل إلا بالتجربة، وهذا كما أن الأعمى والأصم يعوز جملة من العلوم النظرية التي تستنتج من مقدمات محسوسة ولا يفرق الأعمى قط باليقين البرهاني، أن شكل الشمس مثل شكل الأرض أو أكبر منها، فإنها تعرف بأدلة هندسية تبنى على مقدمات مستفادة من البصر وكثير من العلوم النفيسة لا يتنقص العقل مقدماتها إلا بشبكة البصر وسائر الحواس، ولذلك قرن الله السمع والبصر بالفؤاد في القرآن.
[ ٢٣٣ ]
الخامس المعلومات بالتواتر: كعلمنا بوجود مكة ووجود الشافعي وبعدد الصلاة الخمس، بل كعلمنا بأن مذهب الشافعي أن المسلم لا يقتل بالذمي وغيره. فإن هذه أمور وراء المحسوس، اذ ليس للحس إلا أن يسمع صوتًا، المخبر بوجود مكة، فأما الحكم بصدقه فهو للعقل والته السمع ولا مجرد السمع بل تكرير السماع. ولا ينحصر العدد الموجب للعلم في عدد، ومن تكلف حصر ذلك فهو في شطط بل هو لتكرر التجربة، فإن كل مرة فيها شهادة أخرى تنضم إلى الآخر فلا يدري متى ينقلب الظن الحاصل منه يقينًا. فان ترقي الظن فيه وفي التواتر خفي التدريج لا تشعر به النفس البتة، كما أن نمو الشعر خفي التدريج لا يشعر بوقته ولكن بعد زمان يدرك التفاوت فكذا هذه العلوم، فهذه مدارك العلوم اليقينية الحقيقية الصالحة للبراهين التي تطيب منها النفس وما بعده ليس كذلك.
السادس الوهميات: وذلك ممل قضاء الوهم بان، كل موجود ينبغي أن يكون مشارًا إلى جهته، وأن موجودًا لا متصلًا بالعالم ولا منفصلًا ولا خارجًا ولا داخلًا محال. فإن إثبات شيء مع القطع بأن الجهات الست خالية عنه محال، وهو عمل قوة في التجويف الآخر من الدماغ تسمّى وهمية شأنها ملازمة المحسوسات التي ألِفها، فليس في طبعها إلا النبوة عنها وانكارها ومن هذا القبيل نفرة الطبع عن قول القائل ليس وراء العالم لا خلاء ولا ملاء. وهاتان قضيتان وهميتان كاذبتان، والأولى منهما ربما وقع كل الأنس بتكذيبها لكثرة ممارسَتك الأدلة العقلية الموجبة لإثبات موجود ليس في جهة، والثانية ربما لم تأنس بتكذيبها لقلة ممارستك الأدلة الموجبة له. وإذا تأملت عرفت أن ما أنكره الوهم من نفي الخلا والملا غير ممكن فإنك إن اثبت خلاء فما أراك تجعله قديمًا. فإن الخلا ينعدم بالملا والقديم لا ينعدم، ولأنك تعرف أن لا قديم سوى الله وصفاته وإذا جعلته محدثًا لزمك أن يكون متناهيًا فينقطع، وإذا جاوزت المنقطع كنت معترفًا بأنه ليس بعده لا خلا ولا ملا. وهذه القضايا الوهمية مع أنها كاذبة فهي في النفس لا تتميّز عن الأوليات القطعية، مثل قولك لا يكون شخص في مكانين، بل تشهد به أول الفطرة كما تشهد بالأوليات القطعية. وليس كل ما تشهد به الفطرة قطعًا هو صادق بل الصادق ما تشهد به قوة العقل فقط ومداركه الخمسة المذكورة. وهذه الوهميات لا يظهر كذبها للنفس إلا بدليل العقل ثم بعد معرفته الدليل أيضًا لا تنقطع منازعة الوهم بل تبقى على نزاعها. فان قلت فبماذا أُميز بينها وبين الصادقة والفطرة قاطعة بالكل، ومتى يحصل لي الأمان منها فأقول إن هذه ورطة تاه فيها جماعة فتسفسطوا وأنكروا كون النظر مفيدًا لليقين فقال بعضهم طلب اليقين غير ممكن،
[ ٢٣٤ ]
وقالوا بتكافؤ الأدلة وادّعوا النفس، وليس يحصل لنا الأمان وقال لبعضهم لسنا نتيقن أيضًا تكافؤ الأدلة بل هذا أيضًا لا ندريه، وكشف الغطاء عن هذا صعب ويستدعي تطويلًا ولكن أفيدك ألان طريقين تثق بهما في كذب الوهم.
الأول جملي: وهو أنك لا تشك في وجود الوهم والقدرة والعلم والإرادة وهذه الصفات وليس هذا من النظريات، ولو عرضت الوهم على نفس الوهم لأنكره. فانه يطلب له سمكًا ومقدارًا ولونًا فإذا لم يجده إياه، ولو كلفت الوهم إن يقابل ذات القدرة والعلم والإرادة لتصور لكل واحد قدرًا ومكانًا مفردًا، ولو فرضت له اجتماع هذه الصفات في جزء واحد وجسم واحد لقدر بعضها منطبقًا على البعض كأنه ستر مرسل على وجهه، ولم يقدر على تقدير إدخال البعض في البعض الآخر باسره، فانه إنما يشاهد الأجسام ويراها متميزة في الوضع فيقضي على كل شيئين بانه متميز في الوضع عن الآخر.
الطريق الثاني: وهو معيار في آحاد المسائل وهو أن تعلم إن جميع قضايا الوهم ليست كاذبة فأنها توافق العقل في استحالة وجود شخص في مكانين، بل لا تنازع في جميع العلوم الهندسية والحسابية وما يدرك بالحس، لانها تنازع فيما وراء المحسوسات لأنها تمثل غير المحسوس بالمحسوس، إذ لا تقبله إلا على نحو المحسوسات. فحيلة العقل في أن يعق بكذبه وبقضاياه مهما نظر في غير محسوس أن يأخذ مقدمات يقينية يساعد الوهم عليها وبنظمها بنظم المقياسين التي ذكرناها. فإن الوهم يساعد على أن اليقينيات إذا نظمت كذلك كانت النتيجة لازمة كما سبق من الأمثلة وكما في سائر الهندسيات فيتخذ ذلك ميزانًا وحاكمًا بينه وبينه. فإذا رأى الوهم قد كاع عن قبول نتيجة دليل قد ساعد على مقدماته وساعد على صحة نظمه وساعد على أن مثل هذا النظم منتج يالضرورة وان تلك المقدمات صحيحة بالضرورة ثم أخذ يمتنع عن قبول النتيجة علم أن ذلك من نفور في طباعها عن إدراك هذا الشيء الخارج عن المحسوسات. فاكتفِ بهذا القدر فإن تمام الإيضاح لا يحصل إلا بالامتحان في أمثلة كثيرة، وذلك مما يطول فيه الكلام.
السابع المشهورات: وهي أراء مجموعة أوجب التصديق بها، إما شهادة الكل واكثر أو شهادة الجماهير أو الأفضل، كقولك الكذب قبيح والإنعام حسن وشكر المنعم حسن وكفران النعمة قبيح وهذه قد تكون صادقة وتكون كاذبة، فلا يجوز أن يعول عليها في مقدمات القياس. فان هذه القضايا ليست أولية ولا وهمية، فإن الفطرة الأولى لا يقضي بها بل ينغرس قبولها في النفس بأسباب كثيرة تعرض من أول الصبي، وذلك بتكرير ذلك على
[ ٢٣٥ ]
الصبي وتكليفه اعتقاده وتحسين ذلك عنده، وربما يضطر إليها في حب التسالم وطيب المعاشرة، وربما نشا من الحياء ورقة الطبع، فنرى أقوامًا يصدقون بأن ذبح البهائم قبيِح ويمتنعون من أكل لحومها وما يجري هذا المجرى، فالنفرة من المجبولة على الجبن والرقة أطوع لقبولها، وربما حمل على التصديق بها الاستقراء الكثير، وربما كانت القضية صادقة ولكن بشرط دقيق لا يفطن الذهن لذلك الشرط ويستمر على تكرير التصديق فيترشح في نفسك كمن يقول مثلًا التواتر لا يورث العلم لأن قول الواحد لا يورث، وكذلك الثاني، فقد انضم ما لا يوجب إلى ما لا يوجب والمجموع لا يزيد على الآحاد، لأن قوله الواحد لا يوجب العلم، إذ يجوز عليه الغلط، وهذه قضية يظن أنها صادقة بالإِطلاق وليس كذلك، بل الصادق أن قول الواحد المنفرد بقوله يحتمل الغلط والجمع يخرجه عن الانفراد، وكل واحد لا يوجب قوله العلم بشرط أن لا يكون معه الآخرون، فإذا اجتمعوا بطل هذا الشرط. وهذه من المثارات العظيمة الغلط وللتصديق بالمشهورات أسباب كثيرة يطول إحصاوُها ولا ينبغي إن تتخذ مقدمات القياس اليقيني منها البتّة، واكثر أقيسة الجدليين من المتكلمين والفقهاء في مجادلاتهم وتصانيفهم مؤلفة من مقدمات مشهورة فيما بينهم، سلموها لمجرد الشهرة وذهلوا عن سببها. ولذلك نرى أقيستهم تنتج نتائح متناقضة فيتحيّرون فيها وتتخبط عقولهم في تنقيحها. فإن قلت فيما أدرك الفرق بين المشهور والصادق فاعرض قول القائل الصدق جميل والكذب قبيح على العقل الأولي الفطري الموجب للأوليات، وقد رانك لم تعاشر أحدًا ولم تخالط أهل ملة ولم تأنس بمسموع ولم تؤدب باصطلاح ولم تهذب بتعليم أستاذ وأب ومرشد وكلّف نفسد أن تشكك فيه، فإنك تقدر عليه وتراه متأتيًا، وإنما الذي يعسر عليك هذه التقريرات. فإن تقدير الجوع في حال الشبع عسير وكذا تقدير كل حالة أنت منفك عنها في الحال. ولكن إذا تحدّقت فيه أمكنك التشكّك، ولو كلفت نفسك الشك في أن الاثنين أكثر من الواحد لم يكن الشك متأتيا بل لا يتأَتى الشك في أن العالم ينتهي إلى خلا وهو كاذب وهمي، ولكن فطرة الوهم تقتضيه والآخر تقتضيه فطرة العقل. فأما كون الكذب قبيحًا فلا تقضي به لا فطرة الوهم ولا فطرة العقل بل ما آلفه الإنسان من العادات والأخلاق والاصطلاحات، وهذه أيضًا مغاصة مظلمة يجب التحرز عنها. وقلَّ من لا يتغير بهذه المقدمات ولا تلتبس عليه باليقينيات، لا سيما في تضاعيف الأقيسة مهما كثرت المراتب والمقدمات. وهذا القدر كاف في المقدمات التي هي جاملة للنظم والترتيب والتأليف. والمستفاد من غلط الوهم لا يصلح البتة والمشهورات تصلح للفقهيات الظنية ولا تصلح لغيرها ولنختم هذا في المقاصد.
[ ٢٣٦ ]