إما الاستقراء فهو عبارة عن تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها على أمر يشتمل تلك الجزئيات، كقولنا في الفقه الوِتر ليس بفرض لأنه يؤدى على الراحلة، فيقال ولِمَ قُلتم إن الفرض لا يؤدّى على الراحلة؟ فنقول عرفنا ذلك بالاستقراء، فإنا رأينا القضاء والأداء والمنذور وسائر أصناف الفرائض لا تؤدى على الراحلة، فعلمنا أن كل فرض لا يؤدى على الراحلة. ووجه دلالة هذا لا تتم إلا بالرد إلى النظم الأول وهو أن نقول كل فرض إما قضاء أو أداء أو نذر، وكل قضاء وأداء ونذر فلا يؤدّى على الراحلة فإذًا كل فرض لا يؤدّى على الراحلة، وهذا مخيل يصلح للظنيات دون القطعيات. والكذب تحت قوله إما أداء فإن حكمه بان كل أداء لا يؤدّى على الراحلة لا يسلّمه الخصم. فإن الوِتر أيضًا أداء كالعصر والصبح، وإنما سلّم الخصم الصلاة الخمس، إما السادس فما سلمه. فنقول وهل استقريت حكم الوِتر في تصفّحك وكيف وجدته؟ فان قلت وجدته لا يؤدّى على الراحلة فالخصم لا يسلّم وإن لم تتصفّحه فلم يتبين لك إلا بعض الأداء، فخرجت المقدمة الثانية عن أن تكون عامة وصارت خاصة، وكان الواجب أن تقول بعض الفرض لا يؤدّى على الراحلة، وذلك لا
[ ٢٣٩ ]
ينتج فإثا بيّنا أن المقدمة الثانية في النظم الأول ينبغي أن تكون عامة، فإن كانت خاصة لم تنتج. وهذا غلط من قال إن صانع العلم تعالى عن قوله جسم، إذ يقال له لِمَ فيقول لأن كل فاعل جسم، فيقال له فبما عرفت هذا فيقول بالاستقراء، إذ تصفحت الفاعلين من خياط وبنّاء واسكاف وحجام وحداد وغيرهم فوجدتهم أجسامًا، فيقال وهل تصفحت صانع العالم، فإن قلت نعم فوجدته جسما فهو محل النزاع، فكيف أدخلته بالمقدمة؟ وإن قلت لا فقد ظهر لك بعض الفاعلين لا كلّهم، فظهر بذلك أن الاستقراء إذا لم يكن تامًا مستوعبًا لم يقدران استوعب دخلت فيه النتيجة المطلوبة، ولا يصح ذلك إلا في الظنيات لأنه مهما وجد الأكثر على نمط واحد غلب على الظن أن الآخر كذلك.