يقول أفلاطون في محاورة جورجياس: "في جدال حول الغذاء يدور أمام جمهور من الأطفال، فإن الحلواني كفيل بأن يهزم الطبيب. وفي جدال أمام جمهور من الكبار، فإن سياسيًا تسلح بالقدرة الخطابية وحيل الإقناع كفيل بأن يهزم أي مهندس أو عسكري حتى لو كان موضوع الجدال هو من تخصص هذين الآخرين، وليكن تشييد الحصون أو الثغور! إن دغدغة عواطف الجمهور ورغباته لأشد إقناعًا من أي احتكام إلى العقل".
ليس بالحق وحده تكسب جدلًا أو تقهر خصمًا أو تقنع الناس، من هنا يتبين لنا أهمية دراسة الحجة، ونحن في مجال المنطق غير الصوري إنما ينصب جهدنا على هذه الطبقة الكثيفة التي تغلف اللب الصوري للحجة نتلمَّسها ونتناولها بالتحليل والتفتيت وننفذ منها إلى ذلك اللب الصوري المفترض. في مجال المغالطات على سبيل المثال: طالب
[ ١٠ ]
جامعي يبكي عند الأستاذ ليحصل على درجة A، فيقول: إنه لمن دواعي البؤس والجزع ألا أحصل على درجة A (مقدمة)، إن عليك ألا ترمي بي في حضيض البؤس والجزع (مقدمة)، عليك إذًا أن تمنحني درجة A (نتيجة).
لا يخفى على القارئ أن المقدمة الثانية فيها نظر، فالأستاذ بعد كل شيء يعمل بمرفق التعليم العالي، وليس بمرفق الشؤون الاجتماعية، إن عليه أن يعين الطالب ويدعمه بأن يقرب إليه مادته العلمية ويذلل قطفها، وليس بأي طريق آخر، والحجة ثم تندرج في مغالطة "الاحتكام إلى الشفقة".