يقسم جان بياجيه مراحل النمو المعرفي للإنسان إلى أربع مراحل:
الأولى: هي المرحلة الحسية الحركية (من الولادة إلى سنتين)؛ حيث لا توجد بناءات ذهنية.
الثانية: هي مرحلة ما قبل العمليات (من سنتين إلى سبع سنين) وفيها يكتسب الطفل اللغة، ويكون بناءات ذهنية أكثر تعقيدًا- وإن تكن قبل منطقية-، ولا يزال فيها غير قادر على الانفصال من ذاته ورؤية الأشياء من منظور مختلف.
الثالثة: هي مرحلة تفكير العمليات العيانية (من سبع سنوات وحتى المراهقة) وفيها يتخذ منظورات مغايرة، ويبدأ في التساؤل عن الحياة، ويحل المشكلات ولكن بشكل عشوائي، إنها عمليات منطقية، ولكنها لا تزال لصيقة بالعالم المادي العياني.
[ ١٣ ]
الرابعة: هي مرحلة العمليات الصورية، وفيها تواتيه القدرة على التفكير المنطقي المعقد، والتفكير التجريدي غير المرتبط بالأشياء المادية، والتفكير الافتراضي، والحل المنطقي للمشكلات.
ويقترح بعض المنظرين إضافة مرحلة خامسة أرقى من هذه المراحل الأربع؛ وهي مرحلة التفكير الجدلي، -وهي مرحلة بعد منطقية-، وفيها يكتسب المرء التفكير النقدي، ويدرك مفارقات الحياة، ويتناول الأسس التحتية التي يقوم عليها المنطق ويحللها ويضعها موضع التساؤل والنقد، وهي مرحلة غير عمومية وغير بيولوجية ولا يبلغها المرء إلا بالتعلم والتدريب والممارسة.
يتألف التفكير النقدي من ثلاث مراحل:
١ - الوعي بوجود افتراضات أساسية.
٢ - التصريح بهذه الافتراضات وإخراجها إلى واضحة النهار.
٣ - تسليط أضواء النقد على هذه الافتراضات، هل هي ذات معنى؟ هل تنسجم مع
الواقع كما نفهمه ونعيشه؟ متى تصح هذه الافتراضات ومتى تبطل؟
[ ١٤ ]
• في غياب التفكير النقدي نكون رهائن للمؤثرات المحيطة، فلا يسعنا إلا أن نكرر تكرارًا أعمى تلك الاستجابات التي تعلمناها من قبل، ولا يسعنا إلا أن نقبل قبولًا أعمى كل رأي يصدر عن "سلطة" سياسية أو تجارية أو غيرها.
• إن التفكير النقدي والعلمي ليس شيئًا فطريًا نأتيه بالطبيعة ونعرفه بالسليقة، إنما هو عمل حرفي يتطلب حذقًا ومهارة.
• ونحن إذ نمارس التفكير النقدي والعلمي فإنما نمضي ضد مقاومة شديدة ونسبح ضد تيار عارم من التحيزات المتأصلة والأوهام الجبلية، ونتجشم اجتياز العديد من العوائق الطبيعية التي تحول بيننا وبين التفكير الواضح؛ فنحن بطبيعتنا لا نتحمل الغموض ولا نطيق معايشة السر، وإن بنا نزوعًا طبيعيًا إلى طلب اليقين حيث لا يقين، والتماس الإجابات البسيطة عن الأسئلة المعقدة، وشغفًا بالدعاوى العريضة و"نظريات كل شيء" محمولة على ظهر بينة ضامرة هزيلة، وميلًا إلى الأخذ بالفرضيات التي ترضي رغائبنا وتدغدغ أمانينا، والالتفات إلى أضغاث من الأمثلة التي تؤيد فرضيتنا وغض الطرف عن تلال من الأمثلة المفندة، وإلى تذكر الرميات الصائبة وتناسي الرميات
[ ١٥ ]
الخائبة، وإلى أخذ الاستعارات التوضيحية والتشبيهات المقربة مأخذ الدليل، وإلى الانضواء مع القطيع والتلفع بالرايات والانضمام إلى "الزفة"، وإلى قتل الرسل بدلًا من تفنيد الرسالة، وإلى التخلص من عبء البرهان وإلقائه على عاتق الخصم، وإلى الاستدلالات الدائرية وتحصيلات الحاصل، وإلى التعويل الزائد على السلطة والانبهار الزائد بالمشاهير، وإلى التعميم الكاسح المتسرع، … إلى آخر تلك الأغاليط التي نغرق فيها إلى الأذقان، والتي يتناولها هذا الكتاب بالتحليل والدرس.
• يمضي التفكير النقدي ضد هذه المقاومات الشرسة، فيحتاج إلى طاقة نفسية كبيرة، غير مقصورة على الذكاء الذهني المحض … يحتاج إلى شيء من الذكاء الانفعالي: إلى التسامح، والتعاطف، والمواجدة: أي القدرة على أن يضع المرء نفسه موضع الآخر، ويرى الأمور من وجهة نظر الآخر، ويتخذ الإطار المرجعي للآخر، القدرة على اكتشاف "ماذا يشبه أن يكون" أن يعتقد المرء تلك الأفكار التي يضعها موضع التساؤل قبل أن يقوم بتقويضها … إنها رحلة طويلة شاقة، ليس لها خرائط محددة، غير أننا لا نعدم بعض المبادئ المرشدة:
[ ١٦ ]
- فكر بنفسك لنفسك، ولا تكل إلى غيرك أن يفهم نيابة عنك؛ لأن التقدم في التفكير النقدي لا يتم إلا كرحلة فردية وكدح شخصي.
- اكتسب القدرة على الانفصال عن رأيك، وموضعته، ووضعه على محك التحليل والنقد، مثلما نفعل مع آراء الغير.
- لا تصدق كل ما تسمع، ونصف ما ترى! ولا تبخل بجهد من أجل الخروج من "مركزية العرق" من كهف الآراء الشائعة في عرف جماعتنا الإثنية، والتمييز بين حقائق العالم وبين مجرد المسايرة لما تصادف أن يكون رأي الأسلاف أو اتفق أن يكون هو الرأي السائد في مسقط رأسنا وزمان وجودنا.
- كن على استعداد من حيث المبدأ للتخلي عن رأيك إذا ما تبين خطؤه. أسأل سؤالا حقيقيا، سؤال من يبحث عن الحق لا مجرد تبرير لما يعتقده سلفًا.
- تعلم كيف تسل الافتراضات التي تتبطن الرأي، وتضعها تحت أضواء النقد. ليكن ولعك بالأسس، وانتحاؤك إلى الأسس.
[ ١٧ ]
- لا تسقط رغباتك على الأشياء ولا تجعل من أمنياتك معيارًا للحق، فأكبر الظن أن العالم لم يخلق من أجلها ولم يفصل على مقاسها.
- خذ البلاغة ولا تؤخذ بها، وفرق دائما بين الخطابة والبرهان، ولا يخبلك زخرف القول عن جوهر الحجة، ولا تقف عند التشبيه البليغ وتظنه المحطة النهائية وتأخذه مأخذ الدليل.
- لا تجعل من درجة حرارة الاعتقاد معيارًا لصوابه؛ فكثيرًا ما تتناسب قوة هذا الانفعال عكسيًا مع قوة البينة، بحيث يمكننا تعريف" التحيز اللامعقول" بأنه ما يجلب الغضب عند مساءلته، ويمكننا أن نحدد مكمن تحيزاتنا بأن نلاحظ متى أخرجتنا الآراء الأخرى عن طورنا وأثارت غضبنا.
- مهما بلغ نضجك في التفكير النقدي ستظل بحاجة أبدًا إلى تحصيل العلم واكتساب المادة المعرفية التي تعمل فيها فكرك النقدي.
- تعوّد لذة التساؤل؛ الأجوبة تنقلك وتطفئك وتجمدك، وحدها الأسئلة ما يشوقك ويهزك ويحدوك.
[ ١٨ ]
الفصل الأول