سرير بروكرُسْت (البروكرستية)
تُرى كم "ثِيسيوس" يَلزمنا اليوم
لكي نَبْرَأَ من تحيزاتِنا المَكِينة
ونعدل منطقَنا المقلوب؟
كان بروكرست في الميثولوجيا اليونانية قاطع طريق يعيش في أتيكا، وكانت له طريقة خاصة جدًا في التعامل مع ضحاياه، فقد كان يستدرج ضَحِيّته ويضيِّفه ويكرم وفادته، وبعد العشاء يدعوه إلى قضاء الليل على سريره الحديدي الشخصي، إنه سرير لا مثيل له بين الأسرة إذ كان يتميز بميزة عجيبة، هي أن طوله يلائم دائمًا مقاس النائم أيًا كان، غير أن بروكرست لم يكن يتطوع بتفسير كيف يتأتّى لسريره أن يكون على مقاس الجميع على اختلاف أطوالهم، حتى إذا ما اضطجع الضحية على السرير بدأ بروكرست عمله فجعل يربطه بإحكام ويشد رجليه إن كان قصيرًا ليمطهما إلى الحافة،
[ ٩٨ ]
أو يبترهما بترًا إن كان طويلًا ليفصل منها ما تجاوز المضجع، حتى ينطبق تماما مع طول السرير! وظل هذا دأبه إلى أن لقي جزاءه العدل على يد البطل الإغريقي ثيسيوس الذي أخضعه لنفس المُثلة، فأضجعه على السرير ذاته وقطع رقبته لينسجم مع طول سريره.
يشير مصطلح "سرير بروكرست" أو البروكرستية إلى أية نزعة إلى فرض القوالب على الأشياء أو الأشخاص أو النصوص أو لَيّ الحقائق وتشويه المعطيات وتلفيق البيانات لكي تنسجم قسرًا مع مخطط ذهني مسبق، إنه القولبة الجبرية، والتطابق المُعْتَسف، والانسجام المبيت إنه افتئات على الواقع قلما يفلت من غضبة المنطق وانتقام الحقيقة.
ألوان من البروكْرُستيّة
البروكرستية التأويلية: هي فرض توقعاتنا وتحيزاتنا وإسقاطاتنا المسبقة على النصوص دون مراجعة لهذه الإسقاطات.
البروكرستية الإكلينيكية: حين يرهن طبيب مبتدئ أما الحالة ذهنه لتشخيص مسبق يكيف عليه الأعراض والعلامات ويلويها لتأتي مقاس تشخيصه.
[ ٩٩ ]
الاستخبارات البروكرستية: حين توعز الإدارة السياسية لمرفق الاستخبارات بأن يفصل لها معلومات استخباراتية على مقاس قرار سياسي مبيت.
بروكرستية العولمة الثقافية: هي صب الثقافات جميعًا في قالب واحد. يطمح دعاة العولمة إلى صب الثقافات جميعًا في قالب واحد ظنًا منهم أن إزالة الحواجز بين الأمم وتدفق الأفكار والمعلومات والبشر عبر الحدود من شأنه أن ينشر قيم التسامح والحرية وفهم الآخر، مع أن الانفتاح يثير في النفوس غريزة المحافظة والانكماش والتجمد والبحث عن حدود الذات وتدعيمها لإثبات الهوية وتجنب الانمحاء.
البروكرستية السياسية: هي صب المواطنين جميعًا في قالب واحد.
بروكرستية الملاحظة العلمية: إن إدراك الواقع متأثر بنظرياتنا التي تحدد طريقتنا في تفحص الواقع، يشمل ذلك إدراكاتنا ويشمل أدواتنا العلمية التي هي امتداد لإدراكاتنا. ففهمنا للواقع يتوقف بشدة على أدواتنا المتاحة.
[ ١٠٠ ]
بروكرستية البحث الأكاديمي: كلما طال الأمد على البحث الأكاديمي ترسخت فيه معايير معينة للدراسة، تتحول في النهاية إلى "سرير بروكرستي" علينا أن نطوع له عملنا وننتقي ملاحظاتنا وبياناتنا بحيث تفي بالمعايير وتأتي على مقاس السرير.
*دأبنا جميعًا في حياتنا اليومية كما في صعيد العلم أن نقاوم أي تغيير في النموذج المعرفي الأساسي، فكلما تراكمت المعرفة لدى الأفراد وترسخت نظرياتهم فإن ثقتهم بهذه النظريات يتعاظم ويكتسبون مناعة ضد أي نظريات جديدة لا تعزز النظريات السابقة، فقلما اتفق لتجديد علمي هام أن يشق طريقًا هينًا سلسًا ويحمل مناوئيه على التخلي عن نموذجهم والتحول إليه طواعية واقتناعًا.
[ ١٠١ ]