مغالطة المنشأ
وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها … فإن في الخمر معنى ليس في العنب
مغالطة المنشأ هي قبول الفكرة أو رفضها بحسب أصلها ومنشأها، فبالإنسان ولع متأصل بمعرفة مصدر الحجة، وقلما يولي الناس ثقتهم بآراء جاءت من مصدر يمقتونه، بغض النظر عن المزايا الفعلية لهذه الآراء.
*تولد الفكرة، وتنهض على أرجلها، تتوكأ على ذاتها، وتغادر بيتها، ولا تعود تسقط بسقوطه، أو تنجرح بانجراحه. فقوة الفكرة لا تكمن في الأصل التي ينميها بل في المنطق الذي يزكيها، وصواب الفكرة لا يحدده مصدرها الذي منه أتت بل الدليل الذي إليه تستند.
مثل:
-إن مستشار ألمانيا الحالي كان طفلًا في الثالثة عندما كان
[ ٢٤ ]
هتلر في السلطة؛ وبالنظر إلى هذه الخلفية، فإن خطة الإصلاح التي يقدمها ستكون برنامجًا نازيًا بالضرورة.
-كيف تسمح لنفسك أن تتخذ خاتم الزواج وأنت تعلم أن هذا الرمز يعود إلى أصول بدائية همجية، عندما كانت المرأة تسلسل من أعقابها بعقال، كالدواب المملوكة، حتى لا تفر من زوجها؟.
*في مجال الفن حين نتجه باهتمامنا كله إلى حياة الفنان وشخصيته وسيرته الذاتية، ونظن أننا بذلك نقارب العمل مقاربة فنية جمالية، بينما نحن نبتعد عن عالم الفن بقدر ما ندخل في عالم الفنان الشخصي ومفردات حياته، فالذي يهم هو العمل ذاته لا تاريخ العمل وظروف نشأته.
*حين نفهم المغالطة المنشئية يصبح كلامنا وتفكيرنا أشد حذرًا ودقة.
* ليس هناك أدنى شك في أن العوامل الاجتماعية والنفسية ضالعة في نشأة الأفكار والمذاهب، وأن فهم هذه العوامل هو شرط لا بد منه لفهم هذه المذاهب وتقييمها، غير أن الاقتصار على تقييم الأفكار وفقًا للظروف الاجتماعية التي اكتنفتها
[ ٢٥ ]
والدافع السيكولوجية التي أوقدتها، والاكتفاء بتحليل هذه الدوافع كبديل عن تناول هذه الحجج ذاتها يعد سقوطًا مزريًا في المغالطة المنشئية.
* حين تجلس مع أدعياء الثقافة فتقول هكذا قال رولان بارت أو جاك دريدا أو هكذا يذهب تيار ما بعد الحداثة يحظى قولك بالإكبار والإعجاب، كذلك حين تأتي تزكية الفكرة أو العمل من مصدر ذي مكانة واعتبار فلا تُدرك وجاهتها إلا من وجاهة المصدر، كأنما تستعير الهيبة والجدارة منه، يذكر عن طاغور عندما أسندت له جائزة نوبل تنادى قومه لتكريمه والاحتفال به، فقال في شيء من الاستهانة والازدراء: "إنهم يكرمون التكريم"، أي إنهم لم يفطنوا لقيمته من قبل حتى جاءت جائزة نوبل.
مثل:
-هذا معرض للحكومة لأنه عانى من طفولته من علاقات متعسرة مع والديه أدت به إلى صعوبة في تقبل السلطة، وفي تقبل كل "صورة والدية".
*مهما تكن أوضاع الخصم فلن تعدم أن تقيض له دوافع سيكولوجية تُوظف لتقويض فكرته.
[ ٢٦ ]