مغالطات الالتباس
كثيرًا ما يتبدل معنى الكلمات أو التعبيرات أثناء الحديث أو في مساق حجة، قد يحدث ذلك عن غفلة وقد يحدث عن عمد، فيحمل الحد معنى معينًا في إحدى المقدمات ويحمل معنى مختلفًا تمامًا في النتيجة، عندما يعتمد الاستدلال على مثل هذه التبدلات يكون مغالطًا بطبيعة الحال، ويطلق على هذا الفصيل من المغالطات "مغالطات الالتباس".
(١) الاشتراك (الالتباس المعجمي/ اشتراك اللفظ): معظم ألفاظ اللغة هي ألفاظ مشتركة لها أكثر من معنى واحد ولبعض الألفاظ نطاق كبير من المعاني.
اللغة تتغلب على الالتباس الكامن في ألفاظها بواسطة السياق الصريح الذي يتكفل في أغلب الأحوال ببيان المعنى المقصود، ومن الوسائل للتغلب على الالتباس استخدام
[ ٧٤ ]
"التعريف" فنتواضع على الطريقة التي سوف نستخدم بها هذه الكلمة أو تلك في سياق معين من القول.
ينشأ الالتباس حين يعجز كل من السياق والتعريف عن حصر نطاق المعاني الخاص بكلمة ما في معنى واحد بعينه، وحين نفعل ذلك في مساق حجة نكون قد ارتكبنا "مغالطة الاشتراك".
أمثلة:
-كل قانون ينبغي أن يطاع .. قانون الجاذبية هو قانون .. إذًا قانون الجاذبية ينبغي أن يطاع (هنا تستخدم لفظة "قانون" بمعنيين مختلفين، ويسمى هذا الصنف من المغالطة "مغالطة الحد الأوسط)
-كل العلوم تؤدي إلى الفهم الأفضل للعالم .. إذًا علوم السحر تؤدي إلى فهم أفضل للعالم (حيث تستخدم كلمة "علوم" بمعنيين مختلفين)
* ليس الاشتراك بحد ذاته مغالِطًا، فإن للاشتراك طاقات بلاغية هائلة حين يستخدم للتأثير البياني والشعري والخطابي، كما في قول بنيامين فرانكلين: "إذا لم نتعلق ببعضنا البعض
[ ٧٥ ]
سوف نتعلق على انفراد" بمعنى إن لم نتعلق بالتضامن سنُعلق على المشانق. ومنه القول المنسوب للشافعي: "ما جادلت عالمًا قط إلا غلبته، وما جادلت جاهلًا قط إلا غلبني"؛ فالمعنى أنني أغلب العالم بالحجة بينما يغلبني الجاهل بالصوت. غير أن الاشتراك يجعلنا عرضة للوقوع في المغالطة وذلك حين ينجح الاشتراك في أن يجعل الحجة المغلوطة تبدو حجةً صائبة.
(٢) التشابه (التباس المبنَى/ اشتراك التركيب): تعد العبارة متشابهة إن كان معناها غير محدد، نتيجة لتفكك مبناها وتعثر الطريقة التي تتضام بها ألفاظها، بحيث تكون قابلة بسبب تركيبها لأكثر من تفسير واحد أي حمالة أوجه، قد تكون العبارة المتشابهة صادقة وفقًا لتأويل معين وكاذبة وفقًا لتأويل آخر، فإن أوردناها كمقدمة على تأويل الصدق واستخلصنا منها نتيجة على تأويل الكذب نكن قد وقعنا في "مغالطة التشابه". أو الالتباس النحوي أو التركيبي.
أمثلة:
-إنني ضد الضرائب التي تعطل النمو الاقتصادي (هل يقصد ضد الضرائب كلها لأنها تعطل النمو الاقتصادي أو ضد نوع من الضرائب وهي التي تعطل النمو الاقتصادي)
[ ٧٦ ]
-كان ضرب زيد مبرحا (لا يبين لنا التركيب هل زيد الضارب أو المضروب)
-وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمن به (المعنى إذا وُقِفَ على "الله" مغاير للمعنى إذا وُقِفَ على "الراسخون في العلم")
(٣) النَّبر: هو التشديد على بعض الكلمات مثل: ينبغي أن نكون أمناء مع أصدقائنا فهي بالنبر والتشديد على كلمة أمناء تعني أننا ينبغي أن نكون أمناء بعامة وفي المقام الأول، وهي بالنبر على كلمة أصدقائنا تعني أننا في حل من الالتزام بالأمانة مع غير الأصدقاء.
* ومن أنواع مغالطة الالتباس قطع الكلمات عن سياقها ويعده بعض المناطقة جزءًا من النبر، بينما يعده بعضهم جزءًا منفصلًا من مغالطة الالتباس، ومن الأمثلة:
-ادعى الجمهوريون أن ألجور نائب الرئيس قد قال: " ليس هناك صلة مؤكدة بين التدخين وسرطان الرئة"، والكلام هذا لألجور لكن عبارته كالتالي: "بعض علماء شركات الدخان سوف يدَّعون بصفاقة أن ليس هناك صلة مؤكدة بين التدخين
[ ٧٧ ]
وسرطان الرئة، غير أن الأدلة الراجحة المقبولة لدى الأغلبية الساحقة من العلماء تقول: نعم، التدخين يسبب سرطان الرئة"
-في إعلان للدعاية: تخفيضات تصل إلى ٩٠% (مع تكبير ٩٠% وتصغير "تصل إلى")، وإذا استعرضت السلع فسوف تجد أن ما وصل تخفيضه إلى ٩٠% هو جانب لا يذكر من السلع.
- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤].
[ ٧٨ ]