السبب الزائف (أخذ ما ليس بعلةٍ علةً)
تأتي هذه المغالطة عندما يخلط العقل بين المعية والسببية، إن إثبات وجود علاقة سببية بين حدثين يستلزم أكثر من مجرد الارتباط: يستلزم الاطراد الدائم، والارتباط الدائم بين نمطي الحدثين إيجابًا وسلبًا، وعدم وجود أي أمثلة مضادة.
إن مجرد المعية قد يكون مرده إلى:
١ - المصادفة البحتة، مثل: وجود ارتباط كبير بين أعداد طائر اللقلق في أماكن معينة من أوربا وبين معدل المواليد من الأطفال. (من الخطأ أن نستدل من هذا الارتباط وحده على أن وجود طائر اللقلق سبب لولادة الأطفال)
٢ - إغفال سبب مشترك، مثل: قبيل اندلاع الحرب يتزايد معدل التسليح لدى الأطراف المتصارعة، إذًا زيادة التسليح
[ ٥٠ ]
تؤدي اندلاع الحرب (ربما يكون الصواب أن التوتر والخلاف هو الذي يفضي إلى التسلح والحرب)
*مثل هذه الطريقة التبسيطية في التفكير لن تؤدي إلا إلى حلول تبسيطية، ولن تؤدي الحلول التبسيطية إلا إلى الفشل وإهدار الوقت والجهد.
٣ - الاتجاه الخطأ للعلاقة السببية، وفي هذه المغالطة نجد العلاقة بين العلة والمعلول معكوسة، حيث يؤخذ المعلول علة وتؤخذ العلة معلولا،
مثل:
• انتشار مرض الإيدز ناتج عن زيادة الثقافة الجنسية. (العكس هو الصحيح وهو أن زيادة الثقافة الجنسية ناتجة عن انتشار الإيدز وتخوف الناس منه).
• يزداد انتشار الأمراض الفصامية بين الطبقات الاجتماعية الدنيا، إذًا تدني الطبقة الاجتماعية يؤدي إلى الانفصام العقلي. (الصواب أن المرض العقلي المزمن يؤدي إلى تدهور أداء المريض الدراسي والمهني والاجتماعي، فيهبط به شيئًا فشيئًا إلى طبقة اجتماعية أدنى).
[ ٥١ ]
بعد هذا .. إذن بسبب هذا
(المغالطة البعدية/ بعقبه إذن بسببه)
تفيد المغالطة البعدية أنه ما دام شيء ما قد أتى بعد شيء آخر فهو إذن قد أتى بسببه. لقد حدث بعقبه إذن فقد حدث بسببه.
لكي يوصف حدث ما (أ) بأنه سبب لحدث آخر (ب) ليس يكفي أن يأتي قبله فإثبات علاقة العلية يتطلب ما هو أكثر من مجرد التعاقب أو الارتباط يتطلب أن جميع أفراد فئة (ب) تأتي دائمًا وأبدًا بعد جميع أفراد فئة (أ) وتغيب دائمًا (ب) في غياب (أ)، مع شيء من التجاور في المكان والزمان، وغياب أي عامل آخر قد يكون وراء حدوث الاثنين معًا .. فالاكتفاء بمجرد التعاقب الزمني كدليل على علاقة السببية تفكير شديد الفجاجة والسوقية.
كان مؤرخو الإغريق دائمًا يفسرون الكوارث الطبيعية
[ ٥٢ ]
كنتاج لأفعال البشر، فإذا حدث زلزال مروع مثلًا ودمر مدينة بكاملها، فإن هيرودوت يعمد بهمة وجد إلى تفصيل الأحداث البشرية السابقة على الزلزال، ثم يستنتج أن المذبحة التي ارتكبها أهل المدينة مثلًا، قبل الزلزال كانت سببًا في وقوعه.
• من ذلك أن وباء الطاعون لما تفشى في مولمبو عقب وفاة أحد البرتغاليين اتخذ الأهالي كل الاحتياطات الممكنة لكي لا يموت رجل أبيض بعد ذلك في بلدهم.
• ومن ذلك ما حدث في جزر نيكوبار على أثر وفاة بعض من السكان الأصليين كانوا قد بدأوا لتوهم في مزاولة حرفة الخزف، إذ انفض الجميع عن مزاولة هذا الفن ولم يقربه أد بعد ذلك على الإطلاق.
• ومن ذلك ما حدث في إحدى قرى جنوب أفريقيا حين أهدى البيض رجلًا من البوشمن عصا مرصعة بالأزرار كرمز السيادة، إذ توفي الرجل وخلف العصا لابنه وسرعان ما توفي الابن، فأعاد البوشمن العصا إلى من أهداها خشية أن يموت الجميع.
[ ٥٣ ]
• وقد تصادف مرة أن انتشر الجدري بين شعب الياكات بعد أن شهدوا جملًا لأول مرة فوقر في ظنهم أن الجمل هو الذي أحدث المرض.
وما تزال هذه الطريقة في التفكير تعشش في أذهاننا حتى اليوم، فالتسونامي الآسيوي سببه تفاقم ذنوب البشر مع أن التسونامي نتاج زلزال تحت المحيط ناجم عن انزلاق طبقي، والضحايا ربما كانوا أقل أهل الأرض ذنوبا، وإعصار كاترينا سببه السياسة الأمريكية مع أن الأعاصير سببها حركة الرياح فوق ماء المحيط.
نحن بالطبع نلفق تفسيرات لنملأ الثغرات غير المرئية بين الحدثين، فكيف عرفنا أن هذه الأحداث غير المنظورة هي الأسباب حقًا؟ .. إنها تتوالى ويعقب بعضها بعضًا، هذه الفجوة في معرفتنا هي مرتع خصب وملاذ آمن للمغالطات، وما دامت هناك حقًا فجوة في معرفتنا، فلن يمكنك أن تقنع من مال به هواه إلى تفسير معين دون سواه.
وعلى هذه المغالطة السوقية تقوم حرف وترتزق طوائف: العِرافة والتنجيم والرقى والكهانة وتفسير الأحلام والعلاج الشعبي.
[ ٥٤ ]
أمثلة:
• لبست هذا القميص اليوم وذهبت إلى الامتحان فأجبت عن جميع الأسئلة بإجادة تامة. إذن هذا القميص فأل حسن ولسوف أرتديه في كل الامتحانات القادمة.
• أصيب حسن بصداع شديد، فعجنت له جدته عجينة من الدقيق والخل وزيت السمك وبول الأرنب، لصقها برأسه ونام، فذهب عنه الصداع بعد دقائق. (كثيرًا ما يذهب الصداع تلقائيًا بذهاب سببه الحقيقي)
• تشوشت الصورة في التلفاز، فخبط صاحبه بقوة على التلفاز، فصلحت الصورة، إذن خبط الجهاز هو أيسر طريقة لإصلاح أعطاله.
*هناك ظاهرة طبية لا فتة يقال لها: "الأثر البلاسيبي"، وهو تحسن صحي، محسن أو ملاحظ أومقيس لا يعزى إلى العلاج، فالبلاسيبو هو دواء أو إجراء علاجي يعتقد المعالج أنه خامل أو لا يضر، قد يكون حبوبًا من السكر أو من النشا، وقد يؤدي هذا العلاج الوهمي إلى نفس نتائج العلاج الحقيقي، وذلك بسبب الشعور الذاتي بالتحسن والاعتقاد في العلاج
[ ٥٥ ]
والإيمان بتأثيره الشفائي، فمن شأن الاعتقاد في العلاج ومشاعر الاهتمام والرعاية والمساندة والتشجيع والأمل التي يبثها الموقف العلاجي أن تستفز في الجسم آليات فيسولوجية تفضي إلى أثر فيزيقي حقيقي، وقد يكون هذا هو الباب الذي يدخل منه الدجالون والأدعياء، فبالإيحاء الذي يستخدمونه على المريض والأثر الذاتي والاعتقاد من المريض في علاج هذا الدجال قد يؤدي إلى نتائج إيجابية فيُظن بأن هذا الدجال يملك الدواء، مع أن الذي يجد نتائج إيجابية هم نسبة قليلة، وأكثر المرضى قد يزدادون وهنًا على وهن لكن الدجال والدعي ينشر القصص التي يظن أنه نجح بها، فتنطلي ألاعيبه على أصحاب التفكير السوقي.
[ ٥٦ ]