الاحتكام إلى الجهل
"كان جحا غزير الشعر فسأله أحد جلسائه مداعبًا:
كم عدد شعرات رأسك ياجحا؟ فأجابه جحا دون تردد:
عددها واحد وخمسون ألفًا وثلاثمائة وتسع وستون شعرة.
فقال له جليسه متعجبًا: وكيف عرفت ذلك؟ فأجابه جحا:
إذا كنت لا تصدقني فقم أنت وعدها!! "
تفيد مغالطة "الاحتكام إلى الجهل" أن شيئًا ما هو حق بالضرورة ما دام أحد لم يبرهن على أنه باطل، والعكس أيضًا صحيح: أي أن شيئًا ما هو باطل بالضرورة ما دام أحد لم يثبت بالدليل أنه حق. في كلا الحالين يؤخذ غياب الدليل مأخذ الدليل.
*الجهل جهل، والجهل ليس دليلًا على شيء إلا أننا نجهل.
[ ٩٤ ]
*في الجدل إذا فاتك لحظة أن تستمسك بخلو جانبك حين يكون على خصمك عبء البينة ورحت بدلًا من ذلك تنسج حججًا إيجابية -وقد تكون ضعيفة- لكي تبرئ ساحتك وتثبت براءتك، فإنك بذلك تسلم سلاحك الأقوى بلا داعٍ وتستبدل به سلاحًا أضعف. يقول المثل الفرنسي: "من يعتذر إنما يتهم نفسه"، يعني أنك تولي ظهرك للواثبين وتتخذ مظهر المذنب تجاه الاتهامات الموجه ضدك إذ تُحَمِّل نفسك عبء الدليل حيث كان واجبك الوحيد هو أن تتحدى خصمك أن يبرهن هو على اتهاماته لك برهانًا ساطعًا.
أمثلة:
-ليس هناك دليل على أن الأشباح (العفاريت) غير موجودة.
إذًا الأشباح موجودة.
- اعتقد أن بعض الناس لديها قوى نفسية خارقة.
وما دليلك على ذلك؟
دليلي أنه لا أحد استطاع أن يثبت أن الناس لا تملك قوى نفسية خارقة.
[ ٩٥ ]
لاحظ أننا لسنا بصدد نفي وجود الأشباح أو نفي وجود قوى خارقة؛ إنما ننفي أن تكون الحجة الواردة صائبة منطقيًا.
متى تكون الحجة المستفادة من الجهل غير مغالطة؟
هناك أحوال كثيرة يكون فيها الاحتكام إلى الجهل مقبول تمامًا مثل:
-اتباع مبدأ السلامة في تناول الأسلحة فإذا كنت لا تعرف (تجهل) ما إذا كان السلاح ملقمًا بالذخيرة أم لا فإن عليك أن تتعامل معه على أنه ملقم، وأن تفتح خزانته قبل أن تلوح به؛ لكي تستوثق من أنه غير ملقم.
-إذا لم يتم العثور على شيء بعد البحث الجاد نستنتج أن هذا الشيء لا وجود له؛ كالأدوية التي يتم اختبارها على الحيوانات ففيها يؤخذ غياب الدليل على سمية الدواء مأخذ الدليل على أنه مأمون للإنسان.
-في مجال التاريخ يسمى هذا الصنف من الحجة ex silentio بحكم الصمت؛ كالحكم على أن الرومان لم يقلدوا الأوسمة شخصًا بعد وفاته، بناء على الدليل السلبي فالكتابات وشواهد القبور لم تسجل شيئًا من ذلك.
[ ٩٦ ]
-في مجال البحث العلمي يطلق اسم الدليل السلبي على ذلك الصنف من البينة حيث تلتمس نتيجة معينة بالاختبار فلا تحدث، تعد البينة السلبية في العلم غير عديمة القيمة، إلا أن الأبحاث التي تسجل نتائج إيجابية تحظى بقبول أكبر.
-في مجال الحاسوب ومجال العلوم الاجتماعية تعرف الحجة المستقاة من الجهل باسم "الاستدلال القائم على افتقاد المعرفة"، والذي يتم عندما تُلتمس معلومة معينة في قاعدة البيانات فلا يُعثر عليها.
*في مجال القضايا الجنائية يقع عبء الدليل على الادعاء، وعلى الدفاع أن يبين الثغرات أو نقاط الضعف في حجة الادعاء، وليس عليه أن يثبت براءة المتهم ابتداءً؛ لأن الأصل براءة الذمة.
[ ٩٧ ]