مغالطة التأثيل
ثمة اعتقاد خاطئ يقر في أذهان الكثيرين مفاده أن المعنى الحقيقي لأي كلمة يجب أن يُلتمس في الأصل التاريخي الذي أتت منه الكلمة، وهو ما يسمى باللسانيات بـ"التأثيل"، وهو اعتقاد فيه تبسيط مفرط لطبيعة اللغة ومنشئها وقوانينها المسيرة.
مثل من يمنع أن يكون التعليم إلزاميًا لأن أصل كلمة تعليم مشتقة من الكلمة اللاتينية educere التي تفيد معنى الملاطفة والانجذاب دون معنى الإلزام.
*يعول مستخدمو اللغة على السياق لاستشفاف المعنى المقصود للكلمة، ولا يفكرون كثيرًا في "التأثيل": أي رد الكلمة إلى أصلها التاريخي، والذي قد لا يكون واضحًا على الإطلاق وبخاصة إذا كان مؤسسًا على لغة أجنبية أو لغة قديمة بائدة.
[ ٩١ ]
*هناك تغيرات كثيرة تعتري اللغة؛ منها الصوتي، والنحوي، والدلالي (وهو ما يعنينا في هذا المقام)، والتغير الدلالي أنواع عديدة منها ما يعرف بـ"الانحدار الدلالي": وهو تغير يلحق بمعنى اللفظ فيكسبها دلالة سلبية، وتقابل ظاهرة الانحدار الدلالي ظاهرة "التحسن الدلالي" حيث تكتسب اللفظة دلالة إيجابية أو يزول عنها ما كان من دلالة سلبية في الأصل، مثل كلمة وزير فقد كانت تعني قديمًا الخادم، وقد تغير مدلولها إلى الأحسن.
*إن المشكلة التي يقع فيها أنصار المنهج التأثيلي هي ما سماه لا ينز: "مغالطة التأثيل"، ذلك أنهم يحتجون بأن كلمة ما تعود إلى أصل إغريقي أو لاتيني أو عربي أو غيره ولذا فإن معناها ينبغي أن يكون مطابقًا لما كانت عليه في الأصل.
* معظم الكلمات في معجم أية لغة لا يمكن أن تعزى إلى أصولها وهو ما تكشف للتأثيلين وسلم به اللسانيون عامة في هذا الوقت الحاضر.
*تبلغ المغالطة التأثيلية مداها حين تُعمِل أدواتها التاريخية في المصطلح العلمي أو التكنيكي وتحاول أن تفهم المصطلح الفني المتخصص بمعناه اللغوي الدارج، وهو ما يمكن أن
[ ٩٢ ]
نطلق عليه "ابتذال المصطلح". إن اللفظ اللغوي العادي حين يوضع بين هلالين ويتحول إلى مصطلح علمي، فإنه يفارق داره وينسى ماضيه ويكتسي معنى جديدا قد لا يكون له علاقة بمعناه اللغوي الدارج، وبالتالي لا يجدي نفعًا تنقيبنا عن أصله وفصله ولا يقربنا إلى فهم المصطلح في وضعه الجديد.
وبعد؛ فحين يحاج المرء بأن دعواه صائبة لا لشيء إلا لأن الأصل اللغوي نفسه للكلمة يفيد ذلك فإنه يقع في ضرب من الاستدلال الدائري، وفضلًا عن ذلك فإن افتراض أن الكلمات يجب أن تظل لصيقة بمعناها التاريخي الأول هو افتراض ينطوي على إغفال عبثي للطبيعة الاصطلاحية للغة وتقييد لا مبرر له لنموها وتطورها.
إن اللغة لفي سيرورة دائمة وتحوّل دائب، وهناك ألف سبب يلح على الألفاظ أن تخرج من جلدها وتكتسي معاني جديدة غير ذات صلة بمعناها القديم.
[ ٩٣ ]