المصادرة على المطلوب: وضع القضية التي تريد البرهنة عليها في إحدى مقدمات الاستدلال بشكل صريح أو ضمني، وأنت بذلك تجعل النتيجة مقدمة، وتجعل المشكلة حلًا، وتجعل الدعوى دليلًا، وهو ضرب من الحجة الدائرية، كقولك الإنسان بشر، وكل بشر ضحاك، ينتج أن الإنسان ضحاك، فالكبرى ههنا والمطلوب شيء واحد.
من أبسط صور المصادرة على المطلوب وأكثرها شيوعًا أن تجعل المقدمة صيغة أخرى من النتيجة المراد البرهنة عليها، مثل:
-تستلزم العدالة أجورًا مرتفعة؛ وذلك لأن من الحق والصواب أن يكون الناس أقدر على الكسب الوفير. (وهي لا تعدو أن تقول إن العدالة تتطلب زيادة الأجور؛ لأن العدالة تتطلب زيادة الأجور).
[ ١٩ ]
- يجب إلغاء المواد غير المفيدة كاللغة الإنجليزية من مقررات الكلية؛ وذلك لأن إنفاق اعتمادات لمادة غير مفيدة للطالب هو شيء لا يقره أحد. (لاحظ: أن الحجة هنا لم تثبت لنا أن الإنجليزية مادة غير مفيدة، وهو لب المسألة، وكل ما فعلته هو أن "صادرت على المطلوب"، وكررت النتيجة في المقدمات، دون التفات إلى المقدمة المحذوفة).
*قد يبدو للقارئ المبتدئ أن المصادرة على المطلوب هي مغالطة واضحة للعيان سهلة الانكشاف وليست بحاجة إلى دراسة وتحليل يختلق صعوبة حيث لا صعوبة، غير أن الأمر ليس دائمًا ببساطة الأمثلة السابقة.
* من العسير حقًا أن تصوغ حججًا منتجة لميول إيديولوجية أو التزامات انفعالية.
* ليس من المستغرب أن تكون أحفل الحجج بالمصادرة على المطلوب هي الحجج الإيديولوجية والأخلاقية، ذلك أن هذه الحجج تكون موجهة غالبًا إلى الشكاك، وأنها تتناول مجالات تفتقر بطبعها إلى قضايا وقائعية يلمسها الجميع.
* كثيرًا ما تكون الألفاظ المستخدمة في هذه الحجج هي ألفاظ مشحونة تختزن داخلها افتراضات خفية ونظريات بتمامها
[ ٢٠ ]
(مثل: رجعي، انتحاري، استشهادي، ضحية، اضطهاد، إرهاب) وكأنها مصادرات جاهزة للاستعمال الفوري.
مثال: التجارة الحرة سوف تكون خيرًا لهذا البلد، والسبب في ذلك واضح للغاية؛ أليس من الواضح أن العلاقات التجارية غير المقيدة سوف تغدق على هذا البلد كل ألوان المنافع التي تنجم عندما لا تكون ثمة عوائق تعترض تدفق البضائع فيما بين بلدان العالم؟
لا يعدو الأمر هنا أيضًا أن يكون إعادة صياغة أو تكرارا للعبارة نفسها بألفاظ أخرى (لاحظ أن العلاقات التجارية غير المقيدة هو تعبير مطول بعض الشيء عن التجارة الحرة، وأن بقية العبارة هو تعبير مطول أكثر عن قولك: خير لهذا البلد)
*هناك أحوال أخرى فيها لا يفترض مباشرة صحة المطلوب معبرًا عنه في المقدمات بطريقة أخرى، وأما الذي يفترض هو شيء تتوقف صحته على صحة النتيجة، أي لا يمكن البرهنة عليه إلا بالنتيجة فيكون هنا حينئذ دور ويسمى بالاستدلال الدائري، وتقول القاعدة: "الأصل في البرهان أن يكون أوضح وأوثق معرفة مما يراد البرهنة عليه"، فالحجة الدائرية ليست مغالطة بالضرورة، وإنما يتوقف الأمر على
[ ٢١ ]
السياق الحواري للحجة وعلى الالتزامات الاعتقادية لدى المتحاورين، فإذا لم يتغير شيء في درجة الثقة التي يكنها الخصم في النتيجة المعنية (المسألة المطلوب اثباتها) يكون هذا الاستدلال مغالطة منطقية، فلو قلت لرجل غير مؤمن بالقرآن:
- سيظل القرآن محفوظًا إلى يوم القيامة من كل تصحيف وتحريف، والدليل قول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحِجر: ٩]، لانطوت هذه الحجة على مصادرة على المطلوب؛ لأن المتلقي ليس لديه التزام عقائدي بالقرآن ومن ثم فالدليل لا يضمن عنده أن يبقى القرآن محفوظًا بما فيه الآية المستدل بها.
وهذه الحجة بحذافيرها لو وردت على رجل مؤمن بالقرآن لقامت الحجة بوظيفتها البرهانية وكانت حجة صائبة مئة بالمئة وبريئة من أي مصادرة على المطلوب.
هكذا تتجلى أهمية أن يتقن الداعية منطق الجدل وألا يغفل لحظة هوية المخاطب والتزاماته الاعتقادية المبدئية، وأن يتجنب تأييد المذهب "من داخله" (المصادرة على المطلوب)، ويلتزم دائما بالحجج التي تؤيد المذهب "من خارجه".
[ ٢٢ ]
*من شأن الحجة السديدة لإثبات دعوى معينة أن تقدم دليلًا مستقلًا لتبرير الاعتقاد بهذه الدعوى، وأن تتجنب الاعتماد على الدعوى، أو شطر الدعوى لإثبات ذاتها، وما يكون لعاقل أن يفترض كدليل أو بينة ذات الشيء الذي يحاول أن يثبته، غير أننا كثيرًا ما يجرفنا الانفعال الإيديولوجي والالتزام بصدق مذهبنا السياسي أو الأخلاقي ويعصب أعيننا عن رؤية أننا في حقيقة الأمر نفترض مقدمًا صدق ما نريد أن نبرهن عنه، ولذلك تجد المصادرة على المطلوب مرتعا خصيبًا لها في مثل هذه المجالات.
[ ٢٣ ]