إعلم أن المحمول في القضية لا يخلو إما أن تكون نسبته إلى الموضوع نسبة الضروري الوجود في نفس الأمر، كقولك
[ ١١٨ ]
الإنسان حيوان، فإن الحيوان محمول على الإنسان ونسبته إليه نسبة الضروري الوجود، وأما أن يكون نسبته إليه نسبة الضروري العدم كقولنا الإنسان حجر فإن الحجرية محمولة، ونسبتها إلى الإنسان نسبة الضروري العد، وأما ألا يكون ضروريا لا وجوده ولا عدمه كقولنا الإنسان كاتب الإنسان ليس بكاتب، ولنسم هذه النسبة مادة الحمل، فالمادة ثلاثة: الوجوب والإمكان والإمتناع. والقضية بهذا الإعتبار أما مطلقة وإما مقيدة، والمقيدة ما نص فيها بأن المحمول للموضوع ضروري أو ممكن أو موجود على الدوام لا بالضرورة. والمطلق ما لم يتعرض فيه إلى شيء من ذلك، فإن هذه الأمور زائدة على ما يقتضيه مجرد الحمل، والقضية الضرورية تنقسم إلى ما لا شرط فيه كقولنا الله حي، فإنه لم يزل ولا يزال كذلك، وإلى ما شرط فيه وجود الموضوع كقولنا الإنسان حي، فإنه ما دام موجودا فهو كذلك، فوجود الموضوع مشروط فيه ولا يفارق هذا المشروط الضروري الأول في جهة الضرورة، وإنما يفارق في دوام الموضوع لذاته أزلا وأبدا ووجوب وجوده لنفس حقيقته، ولنسم هذا بالضروري المطلق.
فأما الضروري المشروط فثلاثة: الأول ما يشترط فيه دوام وجود الموضوع ما تقدم.
[ ١١٩ ]
الثاني ما شرط فيه دوام كون الموضوع موصوفا بعنوانه كقولنا كل متحرك متغير، فإنه متغير ما دام متحركا لا مادام ذات المتحرك موجودا فحسب. والفرق بين هذا وبين قولنا الإنسان حي إن الشرط في ذات الإنسان، والشرط ههنا ليس هو ذات المتحرك فقط، بل ذات المتحرك بصفة تلحق الذات وهو وهو كونه متحركا فإن المتحرك له ذات وجوهر من كونه فرسا أو سماء أو ما شئت أن تسميه ويلحقه إنه متحرك، وذاك الذات هو غير المتحرك، وليس الإنسان كذلك.
الثالث ما يشترط فيه وقت مخصوص إما معين أو غير معين، فإن قولنا القمر بالضرورة منخسف مقيد بوقت معين، وهو وقت وقوعه في ظل الأرض محجوبا بذلك عن ضوء الشمس، وقولنا الإنسان بالضرورة متنفس فمعناه أنه في بعض الأوقات، وذلك الوقت غير متعين.
فإن قال قائل: وهل يتصور دائم غير ضروري؟ قلنا: نعم.
أما في الأشخاص فظاهر كالزنجي، فإنك قد تقول أنه أسود البشرة ما دام موجود البشرة وليس السواد لبشرته ضروريا ولكنه قد اتفق وجوده لها على الدوام، ولنسم هذه القضية وجودية.
وأما في الكليات فكقولنا كل كوكب إما شارق أو غارب،
[ ١٢٠ ]
فإنه في كل ساعة كذلك وليس ذلك ضروريا في وجود ذاته إذ ليس كالحيوان للإنسان، فافهم.