في حصر مثارات الغلط. إعلم أن المقدمات القياسية إذا ترتبت من حيث صورتها على ضرب منتج من الأشكال الثلاثة، وتفصلت منها الحدود الثلاثة أولا، وهي الأجزاء الأولى، إذ تميزت المقدمتان وهي الأجزاء الثواني، وكانت المقدمات صادقة وغير النتيجة واعرف منها، كان اللازم منها بالضرورة حقا لا ريب فيه، والذي لا يحصل منه الحق فإنما لا يحصل لخلل في هذه الجهات التي ذكرناها، إما لخروجه عن الأشكال أو لخروجه عن الضروب المنتجة منها، أو لعدم التمايز في الحدود أو في المقدمات أو لإدراج النتيجة في المقدمات فلا تكون غيرها، أو لأن النتيجة تكون متقدمة على إحدى المقدمات في المعرفة فلا تكون المقدمة أعرف من النتيجة فهذه سبع مثارات؛ فلنشرح كل واحد بمثال حتى يتيسر الإحتراز عنه فنقول: المثار الأول: أن لا تكون على شكل من الأشكال الثلاثة، بأن لا يكون من الحدود حد مشترك
[ ٢٠٧ ]
إما موضوع فيهما أو محمول أوموضوع لأحدهما محول للآخر، فإذا انتفى الإشتراك حقيقة ولفظا لم يغلط الذهن فيه، فإن ذلك يظهر وإنما يغلط إذا وجد ما هو مشترك لفظا مع إختلاف المعنى، ولذلك وجب تحقيق القول في الألفاظ المشتركة لا سيما ما يشتبه منها بالمتواطئة، ويعسر فيها درك الفرق، وهو مثار عظيم للأغاليط.
وقد ذكرنا تفصيل ذلك على الإيجاز في كتاب مقدمات القياس، إلا أنا لم نذكر ثم إلا الألفاظ التي لا يتحد معناها، وقد يكون الإشتراك سببه النظم والترتيب للألفاظ لا نفس الألفاظ ونحن نذكر من أمثلتها أربعة:
؟ الأول: ما ينشأ من مواضع الوقف والإبتداء كما ذكرنا من قوله تعالى: (إِلاّ الله وَالرَاسِخونَ في العِلم) إذ له معنيان مختلفان، فيطلق أمثاله في إحدى المقدمتين بمعنى وفي الثاني بمعنى آخر، فيبطل الحد المشترك ويظن أن ثم حد مشترك.
؟ الثاني: تردد الضمائر بين أشياء متعددة تحتمل الإنصراف إليها كقولك: كل ما علمه العاقل فهو كما علمه، والعاقل يعمل الحجر فهو كالحجر، فإن قولك: فهو متردد بين أن يكون راجعا إلى العاقل أو إلى المعقول، ويسلم في المقدمة على أنه راجع إلى المعقول، ويلبس في النتيجة فيخيل رجوعه إلى العاقل.
[ ٢٠٨ ]