العلة تطلق على أربعة معاني: الأول ما منه بذاته الحركة وهو السبب في وجود الشيء كالنجار للكرسي والأب للصبي. الثاني المادة وما لا بد من وجوده لوجود الشيء مثل الخشب للكرسي ودم الطمث والنطفة للصبي. والثالث الصورة وهي تمام كل شيء وقد تسمى علة صورية كصورة السرير من السرير وصورة البيت للبيت.
الرابع الغاية الباعثة أولا المطلوب وجودها آخرا كالكن للبيت والصلوح للجلوس من السرير.
واعلم أن كل واحد من هذه يقع حدودا وسطى في البراهين إذ يمكن أن يذكر كل واحد في جواب لم. أما مبدأ الحركة فمثاله من المعقولات أن يقال: لم حارب الأمير فلانا؟ فيقال: لأنه نهب ولايته،
[ ٢٥٨ ]
فالنهب مبدأ الحركة. ويقال: لم اقتل فلانا؟ فيقال: لانه أكرهه السلطان عليه. ومثاله من الفقه أن يقال: لم قتل هذا الشخص؟ فيقال: لأنه زنى أوارتد، فيكون الزنا مبدأ هذا الأمر وهو الذي تسميه الفقهاء في الأكثر سببا، وأما المادة فمثالها من المعقول أني قال: لم يموت الإنسان؟ فتقول: لأنه مركب من أمور متنافرة من الحرارة والرطوبة والبرودة واليبوسة المتنازعة المتنافرة. ومثاله من الفقه أن يقال: لم انفسخ القراض والوكالة بالموت والإغماء؟ فتقول: لأنه عقد ضعيف جائز لا لزوم له، وهذه علة ماديةإذ يرد الفسخ على العقد ورود الموت على الإنسان عند جريان سبب هومبدأ الأمر في الموت والفسخ جميعا.
وأما الصورة فبها قوام الشيء إذ السرير سرير بصورته لا بخشبه، والإنسان إنسان بصورته لا بجسمه، والأشياء هيآتها بالصور لا بالمواد، فلا يخفى كون القوام بها فإنه إذا قيلك لم صارت هذه النطفة إنسانا وهذا الخشب سريرا؟
[ ٢٥٩ ]
فيقال: بحصول صورة الإنسانية وحصول صورة السريرية. وأما الغاية التي لأجلها الشيء فمثالها من المعقول أن يقال: لم عرضت الأضراس؟ فيقال: لأنها يراد بها الطحن. ولم قاتلوا الطبقة الفلانية؟ فيقال: ليسترقوهم. وفي الفقه يقال: لم قتل الزاني والمرتد والقاتل؟ فيقال: للزجر عن الفواحش. وهذه العلل الأربع تجتمع في كل ما له علة، وكذا في الأحكام الفقهية، والفقهاء ربما سموا المادة محلا والفاعل الذي هو كالنجار والأب أهلا، والغاية حكما، فإذا فرض النكاح فالزوج أهل والبضع محل والحل غاية وصيغة العقد كأنها الصورة، وما لم تجتمع هذه الأمور لا يتم للنكاح وجود، ولذلك قيل: النكاح الذي لا يفيد الحل لا وجود له، وكذا البيع الذي لا يفيد الملك فإن وجود الغاية لا بد منه، وكونها معقولا باعثا شرط قبل الوجود،
[ ٢٦٠ ]
وكونها موجودة بالفعل واجب بعد الوجود، ومهما قدر الفاعل والمادة موجودا لم يلزم وجود الشيء في كل حال كالنجار والخشب والأب والنطفة والبايع والمبيع، ومهما وجدت الغاية بالفعل لزم وجود الشيء كالحل في النكاح والصلوح للإكتنان والجلوس في البيت، والشيء بهذه الجهات الأربع يختلف في هذا المعنى، ثم كل واحدة من هذه العلل إما بعيدة كإسلام المرأة للزوج عند ملك الزوج نصف الصداق، فإنه علة الصداق، والصداق هوالعلة القريبة للتسليم، وإما بالقوة كالإسكار للخمر قبل الشرب، وإما بالفعل كما في حال الشرب، وإما خاصة كالزنا للرجم، وإما عامة كالجناية للرجم أو العقوبة، وأما بالذات وهو المسمى علة عند الفقهاء كالزنا للرجم، وإما بالعرض كالإحصان له وهو الذي يسمى شرطا، فإن الرجم لا يجب إلا بالإحصان، وهي خصال كمال ولكن يعمل عمل العلة عنده، كما لو أرسلت الدعامة من تحت السقف فنزل فيقال نزوله بعلة الثقل، ولكن عند إشالة الدعامة فإن للهوى شرطا، وهو فراغ جهة الأسفل عن جسم صلب لا ينخرق. وأمثلة هذا في المعقولات كثيرة، فلذلك اقتصرنا على الأمثلة الفقهية، والمقصود أن المعلل في الفقه والمعقول إذا توجهت المطالبة عليه بالعلة، ينبغي أن يذكر العلة الخاصة القريبة التي بالفعل حتى تقطع المطالبة بلم، وإلا فيكون الطلب قائما.
[ ٢٦١ ]