تبوأ الأُبذَّي مكانةً رفيعةً ومنزلةً عاليةً بين علماءِ عصرهِ، لأنه حصَّلَ معظمَ العلومِ وتقدَّم فيها.
قال عنه السخاويُّ: "تقدَّم في العلوم سيما العربية"١.
وقد عدَّد السخاويُّ تلك العلوم، فذكر العربيَّةَ، والصرفَ والعروضَ والمنطقَ والفقه٢.
فكان شيخًا من شيوخ العربية والصرف، يُؤخذ عنه هذا العلم. قال السخاويُّ: "وكنتُ ممن أخذ عنه العربية وغيرها"٣.
وجاء في ترجمة تلميذيه القاضي زكريا الأنصاري والأشموني أن ممن أخذا عنه النحو الأبذي وقد قرأ عليه الثاني الألفية٤.
ولا أدلَّ على معرفته بالعربيةِ والصرفِ من وضعه كتاب الحدود، وقد وصفه السخاوي بأنه نافعٌ كما مَرّ بنا.
وكان إمامًا في علم المنطق، ويشيرُ إلى إحاطته بهذا العلم وضعُه شرحًا على أحد كتبِ المناطقةِ، فوضع شرحًا على إيساغوجي، وتصدَّى لتدريسِ
علمِ المنطق كما تقدَّم٥، وقال عنه عمر رضا كحاله: "عالمٌ بالمنطق"٦.
_________________
(١) ١ انظر الضوء اللامع ٢: ١٨٠. ٢ انظر الضوء اللامع ٢: ١٨١. ٣ المصدر السابق ٢: ١٨٠. ٤ المصدر السابق ٣: ٢٣٤، ٤: ١٢٢. ٥ انظر الضوء اللامع ٣: ٢٣٥. ٦ معجم المؤلفين: عمر رضا كحاله ٢: ١٥٠.
[ ٤١٧ ]
ويوميء إلى تبحره في الفقه أنه طلب منه القضاء فاعتذر عنه١.
ويكفي للإشارة إلى علمه بأصول الدين أن القاضي زكريا الأنصاري درس على يديه هذا العلم كما تقدّم.
ولا شك أن رحلاتهِ في سبيل طلب العلم وتطوافه وتجواله بين حواضر العلم، ومنابره في ذلك الوقت، وانتقاله من بلدٍ لآخر، صقل شخصيّته العلميّة وجعله من متنوّعي الثقافة ومتعدّدي التخصّصات، فقد انتقل كما هي عادة علماء الأندلس إلى بلاد المشرق لينهل من مواردِ العلم.
فانتقلَ من الأندلس إلى المغربِ، وزار مصر والحجازَ٢، وأخذ عن العلماء والتقى بهم واستفادَ من علومِهم المختلفة ومعارفِهم المتنوعة.
كلُّ ذلك خوَّله ليكون من العلماءِ الذين يأخذُ عنهم الأعيانُ من كلِّ مذهبٍ فنونًا مختلفة.
قال السخاويُّ: "أخذ عنه الأعيان من كلِّ مذهبٍ فنونًا، كالفقهِ والعربيةِ والصرفِ والمنطقِ والعروضِ، وكنتُ ممن أخذَ عنه العربيةَ وغيرَها، بل أخذَ عنه أخي أيضًا"٣.
وقد قضى الأبذي حياته عالمًا ومتعلمًا في البيتِ وخارج البيت، فجنَّد نفسه لخدمةِ العلمِ، حتى لقد درَّب زوجه على كتابةِ أشياء له٤، وهذا يدلُّ على شدةِ حبِّه للعلمِ واهتمامِه به، وولعِه بالمعارف، وأن يكون بيتُه بيتَ علم.
_________________
(١) ١ انظر الضوء اللامع ٢: ١٨١. ٢ المصدر السابق ٢: ١٨٠. ٣ المصدر السابق ٢: ١٨٠. ٤ المصدر السابق ٢: ١٨٠.
[ ٤١٨ ]
وقد انتفع طلابُ العلمِ بالأُبذي، قال عنه السخاويُّ: "وتصدَّى لنفعِ الطلبة بالأزهرِ أولًا، ثم بالباسطية، حين سكنها برغبةِ أحدِ شيوخِه العزّ البغداديّ له، إلى أن مات"١.
وقد أُوتي الأبذي موهبةً عظيمة ومقدرةً كبيرة على إرشادِ المبتدئين وإعطائِهم أصولَ الصناعةِ وحدودَها بشكل عام ومبسّط ينتظمُ معظمَها ويشملُ غالبَ أبوابِها.
قال عنه السخاويُّ: "لم يكنْ بعدَ الشيخِ ابنِ خضرٍ٢ من يدانيه في إرشادِ المبتدئين"٣.
[ ٤١٩ ]