قَالَ أَبو الْعَبَّاس كنَّا قدّمنا فِي أَوّل كتَابنا وَبعد ذَلِك أَشياءَ جرى ذكرهَا لما يشاكلها فِي موَاضعهَا وَلم يكن موضعَ تَفْسِيرهَا فوعدنا أَن نفسّرها إِذا قضينا القَوْل فِيمَا قصدنا لَهُ عِنْد ذكرهَا فَمن ذَلِك لَام الْخَفْض الَّتِي يسمّيها النحويّون لَام المِلْك / فَقُلْنَا هِيَ مَكْسُورَة مَعَ الأَسماءِ الظَّاهِرَة ومفتوحة مَعَ الأَسماءِ المضمرة لعلَّة نذكرها وَهَذَا أَوان ذكرهَا أَصلها عندنَا الْفَتْح كَمَا يَقع مَعَ الْمُضمر نَحْو قَوْلك المَال لَك وَالْمَال لَنا وَالدَّرَاهِم لَكم وَلَهُم وَكَذَلِكَ كلّ مُضْمر فإِذا قلت المَال لِزيد كسرتها لئلاَّ تَلْتَبِس بلام الابتداءِ وَلم تكن الْحَرَكَة فِيهَا إِعرابا فيسلمها على مَا خيّلت
[ ١ / ٢٥٤ ]
وَمَوْضِع الالتباس أَنَّك لَو قلت إِنَّ زيدا لَهذا وإِن عمرا لَذاك وأَنت تُرِيدُ لَام الْملك لم يدر السَّامع أَيَّهما أَردت إِنَّ زيدا فِي مِلْك ذَاك أَو إِنَّ زيدا ذَاك فإِذا كسرت فَقلت إِن زيدا لِذاك علم أَنَّه فِي مِلْكِه وإِذا قلت إِنَّ زيدا لَذاك علم أَنَّ زيدا ذَاك وَكَذَلِكَ الأَسماءُ المعربة إِذا وقفت عَلَيْهَا فَقلت إِنَّ هَذ لَزيد لم يدر أَهو زيد أَم هُوَ لَهُ فإِن قَالَ قَائِل فَلم لَا يكون / ذَلِك فِي الباءِ قيل لأَنَّ الباءَ لَا يشرَكها مثلهَا فتخاف لبسا فبِنْيتُها أَبدا الكسرُ مَعَ الظَّاهِر والمضمر تَقول مَرَرْت بزيد وَبِك وَبِه وبِهم كَمَا أَنَّ بِنْية الْكَاف الفتحُ إِذا قلت أَنت كزيد وَلست كَه يَا فَتى فإِن قَالَ فَمَا بالك تكسرها إِذا قلت لست كِى فإِنَّما ذَاك لأَنَّ ياءَ الإِضافة تحوّل كلّ حَرَكَة إِلى كسرة تَقول هَذَا غلامِي وَضربت غلامِي وَالْمَال لِي فأَمّا أَمْنُك الالتباسَ فِي اللَّام مَعَ الْمُضمر فإِنَّما ذَاك لأَنَّ ضمير الرّفْع لَا يلتبس بضمير الجرّ تَقول إِنَّ هَذَا لَك وإِنَّ هَذَا لأَنت وإِنَّ هؤلاءِ لنَحْنُ فاختلاف اللَّفْظَيْنِ أُمِن الالتباس قَالَ وكنَّا ذكرنَا فِي صدر هَذَا الْكتاب أَمْر الأَفعال والأَسماءِ ووعدنا أَن نخبر لِمَ كَانَت الأَسماءُ على ثَلَاثَة أَنحاءٍ لَا زِيَادَة فِيهَا على ثَلَاثَة أَحرف وأَربعة وَخَمْسَة وَكَانَت الأَفعال على ضَرْبَيْنِ على ثَلَاثَة وأَربعة وَلم يكن فِي الأَفعال شيءٌ على خَمْسَة أَحرف كلُّها أَصليّ فَهَذَا وَقت تَفْسِيره وموضعه للنحويّين فِي هَذَا أَقاويل يُقَارب بعضُها بَعْضًا
[ ١ / ٢٥٥ ]
يَقُولُونَ الأَسماءُ أَمْكَن من الأَفعال فَلذَلِك كَانَ لَهَا على الأَفعال فَضِيلَة تمكُّنها وإِنَّ الأَفعال تَبَع لَهَا فَقُلْنَا فِي تَفْسِير قَول هؤلاءِ الدَّلِيل على صحّة مَا قَالُوا أَنَّ الأَسماءَ الثلاثيَّة تكون على ضروب من الأَبنية تلحقها أَبنية الأَفعال لأَنَّ أَبنية الأَفعال إِنَّما هِيَ فَعَل وفَعُل ومضارعاتها يَفْعُلُ ويَفْعِل ويَفْعَل والأَسماءُ تكون على (فَعَل) نَحْو جَمَلِ وجَبَل وعَلى (فَعِل) نَحْو فَخِذ وكتِف وعَلى (فَعُل) نَحْو رجُل وعضُد وَتَكون الأَسماءُ مُفْردَة (بفِعَل) نَحْو ضِلَعَ وعِوَض و(بفُعُل) نَحْو حُضُضَ وعُنُق وَتَكون سواكن الأَوساط نَحْو فهْد وكلْب وَنَحْو جِذْع وعِدْل وَنَحْو بُرْد وخُرْج وَيكون فِي المتحرّكة نَحْو إِبل وإِطلٍ فإِذا صرت إِلى الأَربعة لم تكن الأَفعال / بِغَيْر زَائِدَة إِلاَّ على (فَعْلَلَ) نَحْو دحرج وسَرْهَفَ وهَمْلَجَ فَهَذَا نَظِيره فِي الأَسماءِ جَعْفَر وصندل وفرقد وَتَكون فِي الأَسماءِ على (فِعْلَل) نَحْو دِرْهَم وهجرع وفُعْلُل نَحْو حُبْرُج وتُرْتُم و(فِعْلِل) نَحْو زِبْرِج وزِئْبِر
[ ١ / ٢٥٦ ]
فَلذَلِك كَانَ فِي الأَسماءِ مثل سفرجل وجَحْمَرِش وجِرْدَحِل وقُذَعْمِل فزادت هَذِه الأَبنية كَمَا زَاد مَا ذكرت لَك وإِنَّما ذكرت لَك رسما وَبقيت أَشياءُ لأَنِّي إِنَّما أَردت بِمَا بيّنت الإِيضاح لهَذَا الأَصل الَّذِي ذكرته وَقَالَ قوم الأَفعال تلزمها الزَّوَائِد وتتصرّف بهَا فيلزمها حُرُوف المضارعة وَغير ذَلِك من الزَّوَائِد كَمَا لحق الأَربعة التاءُ فِي تدحرج وأَلف الْوَصْل وَالنُّون فِي احرنجم وَنَحْوه وتضعيف اللَّام فِي قَوْلك اقشعرّ واطمأَنَّ فكرهوا أَن يبلغُوا بهَا الْخَمْسَة فتلزمها الزَّوَائِد فَتخرج عَن الْمِقْدَار وَتصير إِلى مَا يستثقل والأَسماءُ لَا يكره ذَلِك فِيهَا لأَنَّ / الزَّوَائِد غير لَازِمَة لَهَا وإِن كَانَت قد تدخل فِي بَعْضهَا وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة اللَّازِم للمعاني أَلا ترى أَنَّ قَوْلك اقتدر واستخرج وَقَاتل واغدودن واعْلَوَّط قد خرجت هَذِه الأَفعال إِلى مَعانٍ بالزوائد لَوْلَا هَذِه الزَّوَائِد لم تعلم إِذا قلت استخرج فَمَعْنَاه أَنَّه طلب أَن يخرج إِليه وَإِذا قلت: (فَاعل) وَجب أَن يكون الْفِعْل من اثْنَيْنِ وإِذا قلت (فاعَلَ) فقد كثَّرت الْفِعْل والأَسماءُ لَا يكون فِيهَا شيءٌ من هَذَا إِلاَّ الَّتِي تُبنى على أَفعالها نَحْو مستخرج ومنطلق فإِنَّها بَعْدُ رَاجِعَة إِلى الأَفعال وَقَالَ قوم لمّا كَانَت الأَسماءُ هِيَ الَّتِي يخبر عَنْهَا وإِنَّما الأَفعال آلَة لَهَا جعلت لَهَا على الأَفعال فَضِيلَة تبيّن بهَا حَال تَمَكُّنها وكلّ الأَقاويل حسن / جميل وَهَذَا الأَخير قَول المازنيِّ
[ ١ / ٢٥٧ ]