أما مَا يجوز فِي الْكَلَام فنحو آتِيك إِن أتيتني وأزورك إِن زرتني وَيَقُول الْقَائِل أتعطيني درهما فَأَقُول إِن جَاءَ زيد وَتقول أَنْت ظالمٌ إِن فعلت فَإِن قلت آتِي من أَتَانِي وأصنع مَا تصنع لم يكن هَا هُنَا جَزَاء وَذَلِكَ أَن حُرُوف الْجَزَاء لَا يعْمل فِيهَا مَا قبلهَا وَلَو قلت آتِي من أَتَانِي للزمك أَن يكون مَنْصُوبًا بِالْفِعْلِ الَّذِي قبلهَا وَهَذَا لَا يكون لِأَن الْجَزَاء مُنْفَصِل كالاستفهام وَلَو قلت آتِيك مَتى أتيتني أَو أقوم أَيْن قُمْت على أَن تجْعَل مَتى وَأَيْنَ طرفين لما بعدهمَا كَانَ جيدا وكأننا منقطعتين من الْفِعْل الأول إِلَّا أَنَّك لما ذكرته سد مسد جَوَاب الْجَزَاء فَإِن أردْت أَن يَكُونَا ظرفين لما قبلهمَا اسْتَحَالَ لِأَن الْجَزَاء لَا يعْمل فِي مَا قبله كَمَا لَا يعْمل هُوَ فِيمَا قبله أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول زيدا إِن تأت يكرمك وَلَا زيدا مَتى تأتِ تُحببه فَإِذا كَانَ الْفِعْل مَاضِيا بعد حرف الْجَزَاء جَازَ أَن يتَقَدَّم الْجَواب لِأَن إنْ لَا تعْمل فِي لَفظه شَيْئا وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع الْجَزَاء فَكَذَلِك جَوَابه يسد مسد جَوَاب الْجَزَاء وَيحسن فِي الْكَلَام إِن أتيتني لأقومنَّ وَإِن لم تأتني لأغضبنَّ
[ ٢ / ٦٨ ]
فسيبويه يذهب إِلَى إِنَّه على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير كَأَنَّهُ قَالَ لأغضبن إِن لم تأتني ولأقومن إِن أتيتني وَالَّذِي قَالَ لَا يصلح عِنْدِي لِأَن الْجَواب فِي مَوْضِعه فَلَا يجب أَن يقدر لغيره أَلا ترى أَنَّك تَقول يضْرب غُلَامه زيد لِأَن زيد فِي الْمَعْنى مقدم لِأَن حق الْفَاعِل أَن يكون قبل الْمَفْعُول وَلَو قلت ضرب غُلَامه زيدا لم يجز لِأَن الْفَاعِل فِي مَوْضِعه فَلَا يجوز أَن يقدر لغيره وَلَكِن القَوْل عِنْدِي أَن يكون الْكَلَام إِذا لم يجز فِي مَوضِع الْجَواب مُبْتَدأ على معنى مَا يَقع بعد الْفَاء فكأنك قدرته وَأَنت تُرِيدُ الْفَاء كَمَا أَنَّك تَقول أعجبني الَّذِي ضرب زيدا فَإِن جعلت الْألف وَاللَّام فِي مَوضِع الَّذِي كَانَ صلتها على معنى صلَة الَّذِي لَا على لَفظهَا
[ ٢ / ٦٩ ]
تَقول أعجبني الضَّارِب زيدا لِأَن الْألف وَاللَّام للأسماء فَلَا يليان ضرب لِامْتِنَاع مَا يكون للأسماء من الْأَفْعَال فَمن ذَلِك قَول زُهَيْر
(وإنْ أتاهُ خَليلٌ يومَ مسألةٍ يَقُول لَا غائبٌ مَا لي وَلَا حَرِمُ)
فَقَوله يَقُول على إِرَادَة الْفَاء على مَا ذكرت لَك وَمن ذَلِك قَوْله ﷿ ﴿وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين﴾ الْفَاء لَا بُد مِنْهَا فِي جَوَاب أما فقد صَارَت هَا هُنَا جَوَابا لَهَا وَالْفَاء وَمَا بعْدهَا يسدان مسد جَوَاب إنْ
[ ٢ / ٧٠ ]
وَلَو كَانَ هَذَا فِي الْكَلَام أما إِن كَانَ زيد عنْدك فَلهُ دِرْهَم لَكَانَ تَقْدِيره مهما يكن من شَيْء فلزيد دِرْهَم إِن كَانَ عنْدك لِأَن أما فِيهَا معنى الْجَزَاء وَاقع وَلَا بُد من الْفَاء وتقديرها مَا ذكرت لَك أَلا ترى أَنَّك تَقول أما زيد فمنطلق ﴿فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر﴾ فَالْمَعْنى مهما يكن من شَيْء فَلَا تقهر الْيَتِيم وَلَو اضْطر شَاعِر فَحذف الْفَاء وَهُوَ يريدها لجَاز كَمَا قَالَ
(أمّا القِتالُ لَا قِتالَ لَدَيْكُمو ولكنَّ سيْرًا فِي عِراضِ المَواكِبِ)
وَأما مَا لَا يجوز إِلَّا فِي الشّعْر فَهُوَ إِن تأتني آتِيك وَأَنت ظَالِم إِن تأتني لِأَنَّهَا قد جزمت وَلِأَن الْجَزَاء فِي مَوْضِعه فَلَا يجوز فِي قَول الْبَصرِيين فِي الْكَلَام إِلَّا أَن توقع الْجَواب فعلا مضارعا مَجْزُومًا أَو فَاء إِلَّا فِي الشّعْر فَأَما إِن تأتني أَتَيْتُك فَإِن بَعضهم قد يُجِيزهُ فِي غير الشّعْر كَمَا أَجَازُوا إِن أتيتني آتِك وَقد مضى قَوْلنَا فِي الْفَصْل بَينهمَا قَالَ الشاعرعلى إِرَادَة القاء
(وإنّي مَتّى أُشرِفْ على الجانِبِ الَّذِي بهِ أنتِ مِنْ بَيْنِ الجَوانبِ ناظِرُ)
[ ٢ / ٧١ ]
وَهُوَ عِنْدِي على إِرَادَة الْفَاء والبصريون يَقُولُونَ هُوَ على إِرَادَة الْفَاء وَيصْلح أَن يكون على التَّقْدِيم أَي وَإِنِّي نَاظر مَتى أشرفْ وَكَذَلِكَ قَول الشَّاعِر
(يَا أقْرَعُ بنَ حابِسٍ يَا أقرِعُ إنكَ إنْ يُصرَعُ أخوكَ تُصْرَعُ)
وَقَالَ آخر
(فقلتُ تَحَّملْ فَوْقَ طَوقِك إنّها مُطَبَعَةٌ مَنْ يأتها لَا يَضيرُها)
يُرِيد لَا يضيرها من يأتها وَأما قَول عبد الرَّحْمَن بن حسان
(مَنْ يَفْعَلِ الحَسناتِ اللهُ يَشْكُرُها والشَّرُ بالشَّرِ عندَ اللهِ مِثلانِ)
[ ٢ / ٧٢ ]
فَلَا اخْتِلَاف بَين النَّحْوِيين فِي أَنه على إِرَادَة الْفَاء لِأَن التَّقْدِيم فِيهِ لَا يصلح
[ ٢ / ٧٣ ]