اعْلَم أَنَّ حدّ الإِضمار أَن يكون كافا وميما وواوا إِذا كَانَ المخاطبون مذكَّرِين فَتَقول ضربتكمو يَا قوم ورأَيتكمو المنطلقين وإِنَّما كَانَت الْوَاو لهَذَا لَازِمَة لأَنَّ التَّثْنِيَة رأَيتكما وإِذا لَزِمت التثنيةَ الأَلف لَزِمت الْجمع الْوَاو كَقَوْلِك مسلمان ومسلمون ولكنَّك تحذف إِن شِئْت هَذِه الْوَاو اسْتِخْفَافًا / فَتَقول رأَيتكمْ وضربتكمْ وإِنَّما كَانَ ذَلِك لأَنَّ التَّثْنِيَة تلزمها الأَلفُ فَلَا يكون هَا هُنَا التباس فإِن قَالَ قَائِل فَلم لم تحذف الأَلف من الِاثْنَيْنِ وَتبقى الْوَاو فِي الْجمع قيل لما تقدّم ذكره مِنْ خفَّة الفتحة والأَلف أَلا ترى أَنَّك تَقول فِي الْمُؤَنَّث مَرَرْت بهَا فَلَا تقف إِلاَّ بالأَلف وَفِي وقف المذكَّر مَرَرْت بهْ ورأَيتهْ بِغَيْر ياءٍ وَلَا وَاو كَمَا وصفت لَك فِي قَوْلك مَرَرْت بزيْد ورأَيت زيدا فإِن قَالَ قَائِل فَمَا بالكم إِذا قُلْتُمْ رأَيتكم حذفتم الْوَاو وَلم تثبتوا الْحَرَكَة قيل لأَنَّ الضمّة فِي الاستثقال مَعَ هَذَا كالواو وإِنَّما بقيت الْحَرَكَة فِي الْوَاحِد فِي قَوْله ﴿مِنْهُ آيَات محكمات﴾ و﴿عَلَيْهِ مَا حمل﴾ لأَنَّ مَا قبل الهاءِ سَاكن فَلم يجز إِسكانها فيلتقي ساكنان
[ ١ / ٢٦٨ ]
وإِن خبّرت عَن جمَاعَة مخاطبين أَنَّهم فعلوا فحقُّه أَن يُقَال فعلتمو وذهبتمو كَمَا يُقَال للاثنين فعلتما وأَمَّا الْكَاف فِي ضربتكم فإِنَّما جاءَت لأَنَّها ضمير / الْمَنْصُوب والمخفوض ثمّ لحقها زِيَادَة للْجمع أَلا ترى أَنَّك تَقول ضربتك وضربتكما وضربتكمو وَتقول إِذا كَانُوا فاعلين ضربت ضربتما وضربتمو وَتقول ضَرَبْتُمْ بِغَيْر وَاو لما أَخبرتك فِي أَوّل الْبَاب فَهَذَا ذَاك بِعَيْنِه فإِن كَانَ المذكَّرون غُيَّابا وضعت الهاءَ مَكَان الْكَاف إِذا كَانُوا منصوبين أَو مخفوضين تَقول رأَيتهمو يَا فَتى ومررت بهمو فَاعْلَم وَيجوز الْحَذف وَيكون حسنا يختاره أَكثر النَّاس كَمَا كَانَ فِي المخاطبين إِلاَّ أَنَّه يجوز فِي الهاءِ أَن تكسر إِذا كَانَ قبلهَا كسرة أَو ياءٌ فَتَقول مَرَرْت بهِمى وَنزلت عليهِمى وَمن حذف قَالَ مَرَرْت بهِمْ وَنزلت عليْهِمْ وإِنَّما جَازَ هَذَا فِي الهاءِ لخفائها كَمَا ذكرت لَك فِي الْوَاحِد وَمِنْهُم من يكسر الهاءَ لخفائها ويدع مَا بعْدهَا مضموما لأَنَّه لَيْسَ من الْحُرُوف الخفيّة فَيَقُول مَرَرْت بهِمو والإِتباع أَحسن وَهُوَ أَن يَقُول مَرَرْت بهِمِى وَنزلت عليهِمى وناس من بكر بن وَائِل يُجْرون الْكَاف مُجْرَى الهاءِ إِذ كَانَت مهموسة مثلهَا / وَكَانَت عَلامَة إِضمار كالهاءِ
[ ١ / ٢٦٩ ]
وَذَلِكَ غلط مِنْهُم فَاحش لأَنَّها لم تشبهها فِي الخفاءِ الَّذِي من أَجله جَازَ ذَلِك فِي الهاءِ وإِنَّما يَنْبَغِي أَن يجْرِي الْحَرْف مجْرى غَيره إِذا أَشبههه فِي علَّته فَيَقُولُونَ مَرَرْت بكِم وينشدون هَذَا الْبَيْت
(وإِن قَالَ مَوْلَاهُم على جُلِّ حادثٍ منَ الدَّهْر رُدُّوا فَضْلَ أَحلامِكِمْ رَدّوا)
وَهَذَا خطأْ عِنْد أَهل النّظر مَرْدُود وَاعْلَم أَنَّ المذكَّر الْوَاحِد لَا تظهر لَهُ عَلامَة فِي الْفِعْل وَذَلِكَ قَوْلك زيد قَامَ وإِنَّما ضَمِيره فِي النيّة وإِنَّما كَانَ للمخاطب عَلامَة الْجِهَة حرف المخاطبة فإِن ثنَّيت الْغَائِب أَلحقته أَلفا فَقلت فَعَلا وإِن جمعته أَلحقت واوا فَقلت فَعَلُوا لأَنَّ الأَلف إِذا لحقت فِي التَّثْنِيَة لحقت الْوَاو فِي الْجمع فأَمّا (يَفْعَلُونَ) وَمَا كَانَ مثله فإِنَّا أَخَّرنا ذكره حتَّى نذكرهُ فِي إِعراب الأَفعال وَاعْلَم أَنَّ الْمُؤَنَّث يجْرِي فِيمَا ذكرنَا مجْرى المذكَّر إِلاَّ أَنَّ عَلامَة المؤنَّث الْمُخَاطب أَن يلْحقهُ الكسرة لأَنَّ الكسرة / ممّا تونِّث وَجمع المؤنَّث بالنُّون مكانَ الْمِيم فكلّ مَوضِع ﴿لَا تكون عَلامَة المذكَّر﴾ فِيهِ واوا فِي الأَصل فالنون للمؤنَّث فِيهِ مضاعفة ليَكُون الحرفان بإِزاءِ الحرفين وكلّ مَوضِع ﴿عَلامَة﴾ المذكَّر ﴿فِيهِ﴾ الْوَاو وَحدهَا فنون الْمُؤَنَّث فِيهِ مُفْردَة
[ ١ / ٢٧٠ ]
وَتقول فِيمَا كَانَ لمؤنث ضربتنّ وقلتن وَقلت للمذكَّرين ضربتمو وقلتمو وَفِي الْمَفْعُول (ضربتكنّ) كَمَا تَقول ضربتكمو وأَكرمتكمو والموضع الَّذِي تكون فِيهِ مُفْردَة ضربْنَ كَمَا تَقول للمذكَّرين ضربُوا وأَكرمُوا فَلَا تلْحق إِلاَّ واوا وَاحِدَة فإِن قلت فَمَا بَال الْوَاو سَاكِنة وَنون جمع المؤنَّث متحرّكة قيل نون التأْنيث أَصلها السّكُون ولكنَّها حرَّكت لالتقاءِ الساكنين لأَنَّ مَا قبلهَا لَا يكون إِلاَّ سَاكِنا فإِ، قيل فَلم فتحت فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَنَّها نون جمع فَحملت على نظيرها وَمن قَالَ قمتمْ وضربتمْ لم يحذف إِحدى النونين لأَنَّها إِنّما تحذف هَاهُنَا استثقالا للضمّة وَالْوَاو وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ / الأَصل إِثباتها وإِنَّما هِيَ فِي المؤنَّث نون مدغمة - فإِذا أَدغمت الْحَرْف فِي الْحَرْف رفعت لسَانك رَفْعةً وَاحِدَة تمّ بِحَمْد الله
[ ١ / ٢٧١ ]