علم أَن الْأَفْعَال إِنَّمَا دَخلهَا الْإِعْرَاب لمضارعتها الْأَسْمَاء وَلَوْلَا ذَلِك لم يجب أَن يعرب مِنْهَا شَيْء وَذَلِكَ أَن الْأَسْمَاء هِيَ المعربة وَمَا كَانَ غير الْأَسْمَاء فمآله لَهَا وَهِي الْأَفْعَال والحروف وَإِنَّمَا ضارع الْأَسْمَاء من الْأَفْعَال مَا دخلت عَلَيْهِ زَائِدَة من الزَّوَائِد الْأَرْبَع الَّتِي توجب الْفِعْل غير ماضي وَلكنه يصلح لوقتين لما أَنْت فِيهِ وَلما لم يَقع والزوائد الْألف وَهِي عَلامَة الْمُتَكَلّم وحقها أَن يُقَال همزَة وَالْيَاء وَهِي عَلامَة الْغَائِب وَالتَّاء وَهِي عَلامَة الْمُخَاطب وعلامة الْأُنْثَى الغائبة وَالنُّون وَهِي للمتكلم إِذا كَانَ مَعَه غَيره وَذَلِكَ قَوْلك أفعل أَنا وَتفعل أَنْت أَو هِيَ ونفعل نَحن وَيفْعل هُوَ وَإِنَّمَا قيل لَهَا مضارعة لِأَنَّهَا تقع مواقع الْأَسْمَاء فِي الْمَعْنى تَقول زيد يقوم وَزيد قَائِم فَيكون الْمَعْنى فيهمَا واحداَ كَمَا قَالَ ﷿ ﴿وَإِن رَبك ليحكم بَينهم﴾ أَي الْحَاكِم
[ ٢ / ١ ]
وَتقول زيد يَأْكُل فيصلح أَن يكون فِي حَال أكل وَأَن يَأْكُل فِيمَا يسْتَقْبل كَمَا تَقول زيد آكل أَي فِي حَال أكل وَزيد آكل غَدا وتلحقها الزَّوَائِد لِمَعْنى كَمَا تلْحق الْأَسْمَاء الْألف وَاللَّام للتعريف وَذَلِكَ قَوْلك سيفعل وسوف يفعل وتلحقها اللَّام فِي (إِن زيدا ليفعل) ُ فِي مَعْنَاهُ لفاعل فالأفعال ثَلَاثَة أَصْنَاف مِنْهَا هَذَا الْمُضَارع الَّذِي ذَكرْنَاهُ و(َفعَلَ) وَمَا كَانَ لمعناه لما مضى وقولك (أفعلْ) فِي الْأَمر وَهَذَانِ الصنفان لَا يقعان فِي مَعَاني الْأَسْمَاء وَلَا تلحقهما الزَّوَائِد كَمَا تلْحق الْأَسْمَاء فَأَما مَا كَانَ من ذَلِك على (فعَلَ) قلت حُرُوفه أَو كثرت إِذا أحَاط بِهِ معنى (فَعَلَ) نَحْو ضرب وَعلم وكرم وَحمد ودحرج وَانْطَلق واقتدر وكلم واستخرج واغدودن واعلوط وَقَاتل وتقاتل وكل مَا كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنى وَكَذَلِكَ أَن بنيته بِنَاء مَا لم يسم فَاعله نَحْو ضرب ودحرج واستخرج فَهَذَا كُله مَبْنِيّ على الْفَتْح وَكَانَ حق كل مبْنى أَن يسكن آخِره فحرك آخر هَذَا لمضارعته المعربة وَذَلِكَ أَنه ينعَت بِهِ كَمَا ينعَت بهَا تَقول جَاءَنِي رجل ضربنا كَمَا تَقول هَذَا رجل يضربنا وضاربنا وَتَقَع موقع المضارعة فِي الْجَزَاء فِي قَوْلك إِن فعلت فعلتُ فَالْمَعْنى إِن تفعل أفعل فَلم يسكنوها
[ ٢ / ٢ ]
كَمَا لم يسكنوا من الْأَسْمَاء مَا ضارع المتمكن وَلَا مَا جعل من المتمكن فِي مَوضِع بِمَنْزِلَة غير المتمكن فالمضارع من الْأَسْمَاء من عل يَا فَتى لم يسكنوا اللَّام لِأَنَّهُ فِي النكرَة من عل يَا فَتى والمتمكن الَّذِي جعل فِي مَوضِع بِمَنْزِلَة غير المتمكن قَوْلهم إبدأ بِهَذَا أَولا وَيَا حكم وَأما الْأَفْعَال الَّتِي تقع لِلْأَمْرِ فَلَا تضارع المتمكن لِأَنَّهَا لَا تقع موقع الْمُضَارع وَلَا ينعَت بهَا فَلذَلِك سكن آخرهَا فَإِن قَالَ قَائِل هِيَ معربة مجزومة لِأَن مَعْنَاهَا الْأَمر أَلا ترى أَن قَوْلك أضْرب بِمَنْزِلَة قَوْلك ليضْرب زيد فِي الْأَمر فَقَوله ذَلِك يبطل من وُجُوه مِنْهَا قَوْلك صه ومه وقدك فِي مَوضِع الْأَمر وَكَذَلِكَ حذار ونزال وَنَحْوهمَا فقد يَقع الشَّيْء فِي معنى الشَّيْء وَلَيْسَ من جنسه وَمن الدَّلِيل على فَسَاد قَوْله أَن هَذِه الْأَفْعَال المضارعة فِي الْأَعْرَاب كالأسماء المتمكنة والأسماء إِذا دخلت عَلَيْهَا العوامل لم تغير أبنيتها إِنَّمَا تحدث فِيهَا الْأَعْرَاب وَكَذَلِكَ هَذِه الْأَفْعَال تلحقها العوامل فَتحدث لَهَا الْإِعْرَاب بالزوائد الَّتِي لحقتها وَهِي التَّاء والهمزة وَالنُّون وَالْيَاء اللواتي فِي يفعل وَتفعل ونفعل وأفعل
[ ٢ / ٣ ]
فَإِذا قلت (افعلْ) فِي الْأَمر لم تلحقها عَاملا وَلم تقررها على لَفظهَا أَلا ترى أَن الجوازم إِذا لحقتها لم تغير اللَّفْظ نَحْو قَوْلك لم يضْرب زيد وَإِن تذْهب أذهب وَكَذَلِكَ ليذْهب زيد وَلَا يذهب عبد الله فَإِنَّمَا يلْحقهَا الْعَامِل وحروف المضارعة فِيهَا وَأَنت إِذا قلت اذهبْ فَلَيْسَ فِيهَا عَامل وَلَا فِيهَا شَيْء من حُرُوف المضارعة فَإِن قَالَ قَائِل الْإِضْمَار يعْمل فِيهَا قيل هَذَا فَاسد من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الْفِعْل لَا يعْمل فِيهِ الْإِضْمَار إِلَّا أَن يعوض من الْعَامِل وَالثَّانِي أَنه لَو كَانَ ينجزم بجازم مُضْمر لَكَانَ حرف المضارعة فِيهِ الَّذِي بِهِ يجب الْإِعْرَاب لِأَن الْمُضمر كَالظَّاهِرِ أَلا ترى لَو أَنَّك أردْت إِضْمَار لم وَكَانَ هَذَا مِمَّا يجوز من قَوْلك لم يضْرب فحذفت لم لبقيت يضْرب على لَفظهَا وَمَعَهَا لم فَإِن قَالَ قَائِل فَلم بناه على مِقْدَار المضارعة نَحْو اضْرِب وَانْطَلق فقد كسرت كَمَا تَقول بِضَرْب وينطلق وَكَذَلِكَ أقتل كَمَا تَقول يقتل قيل إِنَّمَا لحقت هَذِه البنية لِأَنَّهُ لما لم يَقع وَكَذَلِكَ صُورَة مَا لم يَقع فَهَذَا احتجاج مغن وَفِيه مَا هُوَ أَكثر من هَذَا
[ ٢ / ٤ ]