اعْلَم أَنَّ الأَسماءَ أُصولُها تكون على ثَلَاثَة أَحرف بغَير زِيَادَة وعَلى أَربعة وَتَكون على خَمْسَة فَمَا نقص من الأَسماءِ عَن الأَفعال فمعلوم نقصُه ومذكورة علَّته إِن شاءَ الله فَمَا كَانَ من الأَسماءِ على حرفين فنحو يَد وَدم وأَست وَابْن وَاسم وأَخ وأَب ومالم نذْكر فحكمُه حكمُ هَذَا وَهَذِه الأَسماءُ الْمَحْذُوف مِنْهَا لَا يكون مَا حُذف إِلاَّ حرفَ لين أَو حرفا خفيّا كحرف اللين نَحْو الهاءِ وَالنُّون أَو يكون مضاعفا فيستثقل فِيهِ التَّضْعِيف فيحذف فَمَا لم يكن على هَذَا الشَّرْط الَّذِي ذَكرْنَاهُ لم يحذف مِنْهُ شيءٌ لأَنَّه لَا سبيلَ إِلى حذفه فَمَا ذهب مِنْهُ الياءُ وَالْوَاو فنحو ابْن وَاسم وأَخ وأَب وهَنٍ فِي بعض الأَقاويل يدلُّك على مَا ذهب من أَب وأَخ التَّثْنِيَة وَالْجمع والتصغير تَقول أَخوان وأَبوان وأَخوك وأَبوك وَتقول آباءٌ وآخاءٌ يَا فَتى وَكَذَلِكَ أُبَيّ وأُخَيّ وبُني وسُمَيّ أَمّا أَب وأَخ فَلم يسكِّنوا أَوائلها لئلاَّ تدخل أَلف الْوَصْل وَهِي همزَة على الْهمزَة الَّتِي فِي أَوائلها فَيصير إِلى اعتلال ثانٍ وأَمّا ابْن وَاسم واست فبنيت على سُكُون أَوائلها فَدَخلَهَا أَلف الْوَصْل لسكون مَا بعْدهَا وأَلف الْوَصْل لَيست بأَصل فِي الأَسماءِ وإِنَّما حقُّها الأَفعال لتصرّف الأَفعال وأَنَّها تقع مسكَّنةَ الأَوائل فِي مَوَاضِع إِسكان ضَرُورَة لَا محَالة وَهَذِه تذكر عِنْد ذكرنَا الأَفعالَ إِن شاءَ الله فأَمَّا الأَسماءُ فَلَا يلْحقهَا ذَلِك إِلاَّ أَن تكون منقوصة فَتكون قد زَالَت عَن أَصل بنائها فَدَخلَهَا لذَلِك مَا يدْخل الأَفعال لأَنَّها قد أَشبهتها فِي النَّقْص والانتقال
[ ١ / ٢٢٧ ]
فإِن قلت (امرؤْ) لم ينقص مِنْهُ شيءٌ فَمَا بَال أَلف الْوَصْل لحِقته فإِنَّما ذَاك لتغيّره فِي اتِّبَاع مَا قبل آخِره من أَجل الْهمزَة الَّتِي يجوز تخفيفها وَالدَّلِيل على ذَلِك انْتِقَاله من حَال إِلى حَال أَلا ترى أَنَّك تَقول هَذَا امْرُؤ فَاعْلَم / وَهَذَا مَرْءٌ فَاعْلَم كَمَا قَالَ ﷿ ﴿يَحُؤلُ بَيْن المَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ وَتقول فِي مؤنَّثه امرأَة ومَرْأَة فإِنَّما لحقت أَلف الْوَصْل هَذَا الاسمَ لهَذَا الِانْتِقَال والتغيير اللَّذين ذكرتهما لَك فَجَمِيع مَا جاءَت فِيهِ أَلف الْوَصْل من الأَسماءِ ابْن وَاسم واست وامرؤ ومؤنَّث ذَلِك على قِيَاسه نَحْو ابْنة وامرأَة وَكَذَلِكَ اثْنَان وَاثْنَتَانِ وايمُن فِي الْقسم لأَنَّه اسْم يَقع بَدَلا من الْفِعْل فِي الْقسم تَقول اَيم اللهِ واَيمُن اللهِ فأَلفه مَوْصُولَة كَمَا قَالَ
(وَقَالَ فريقٌ لَيْمُنُ اللهِ مَا نَدْرِي ) وتحذف النُّون فَتَقول ليمُ اللهِ مَا كَانَ ذَلِك فيلحقه من التَّغْيِير مَعَ لُزُومه موضعا وَاحِدًا مَا يلْحق امْرأ فَلَا تكون أَلف الْوَصْل إِلاَّ فِيمَا ذكرت لَك من الأَسماءِ إِلاَّ الأَلفَ الَّتِي مَعَ اللَّام للتعريف فإِنَّها دَاخِلَة على حرف لَا يكون إِلاَّ سَاكِنا فأَمَّا المصادر الَّتِي أَفعالُها موصولةُ الأَلفات فَهِيَ كأَفعالها نَحْو انطلاق واستخراج واقتدار فإِن كَانَت أَفعالها مقطوعَةَ الأَلفات فَهِيَ كَذَلِك نَحْو إِكرام وإِحسان فَهَذَا معنى أَلفات الْوَصْل
[ ١ / ٢٢٨ ]
وَذكرنَا مَا ذهب مِنْهُ الياءُ وَالْوَاو فَابْن وَاسم من ذَلِك لِقَوْلِك بُنَيّ وسُمَيّ وأَبناءٌ وأَسماءٌ كَمَا قُلْنَا فِي الأَب والأَخ فأَما الذَّاهِب من الأَب والأَخ فقد بَان لَك أَنَّهما واون وَقُلْنَا كَذَلِك فِي ابْن فإِن قَالَ قَائِل فَمَا الدَّلِيل عَلَيْهِ وَلَيْسَ براجعٍ فِي تَثْنِيَة وَلَا جمع مَا دلّ على أَحدهما دونَ الآخر قُلْنَا نستدلُّ بالنظائرِ أَمّا (ابْن) فإِنك تَقول فِي مؤنَّثه ابْنة وَتقول بنت من حَيْثُ قلت أُخت وَمن قلت هَنْت وَلم نر هَذِه التاءَ تلْحق مؤنَّثا إِلاَّ ومذكَّره محذوفُ الْوَاو ويدلُك على ذَلِك أَخوان وَمن ردّ فِي (هَنٍ) قَالَ هَنَوات فأَمّا (الِاسْم) فقد اخْتلف فِيهِ فَقَالَ بَعضهم هُوَ (فِعْل) ﴿وَقَالَ بَعضهم هُوَ (فُعْل)﴾ وأَسماءٌ تكون جمعا لهَذَا وَهَذَا تَقول فِي جِذْع أَجذاع كَمَا تَقول فِي قُفْل أَقفال وَلَا يدْرك صِيغَة الأَسماءِ إِلاَّ بِالسَّمْعِ - فأَكثرهم أَنشد
(باسم الَّذِي فِي كلِّ سُورةٍ سُمُهْ)
[ ١ / ٢٢٩ ]
فضم وجاءَ بِهِ على فُعْل وأَنشد بَعضهم (سِمُه) وَهُوَ أَقل وأَنشد أَبو زيد الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وأَنشد
(فدَعْ عَنْك ذِكْرَ اللَّهْوِ واعمدْ لِمدْحِة لخير مَعَدٍّ كلِّها حَيْثُمَا انتمَى)
(لأَعظمها قدْرا وأَكْرَمِهَا أَبا وأَحسنِها وجْها وأَعْلَنِها سُما)
فأَمّا (ابْن) فتقديره فَعَل وَذَلِكَ أَنَّك تَقول فِي جمعه أَبناءٌ كَمَا تَقول جمل وأَجمال وجبل وأَجبال فإِن قَالَ قَائِل فلعلَّه (فِعْل) أَو (فُعْل) فإِنَّ جمعهَا على أَفْعال قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَنَّك تَقول بَنون فِي الْجمع فتحرّك بِالْفَتْح فإِن قَالَ قَائِل فَمَا أَنكرت أَن يكون على (فَعْل) ساكنَ الْعين قيل لأَنَّ الْبَاب فِي جمع (فَعْل) أَفْعُل نَحْو كلْب وأَكلْب وكعْب وأَكُعب فَلَو كَانَ فَعْلا لم يجمع إِلاَّ على بَابه ليدلّ عَلَيْهِ وإِنَّما يخرج الشيءُ إِلى غير بَابه إِذا أَمِنْتَ اللّبْس فِي مثل (أَزْناد) وبابه
[ ١ / ٢٣٠ ]
فَهَذَا لَو كَانَ (فَعْلا) لم يجز فِيهِ أَفْعال مثل أَزناد لأَنَّ أَزنادا لَا لبس فِيهِ وَهَذَا يلتبس فَكَانَ يلْزم الْبَاب فأَمّا (دم) فَهُوَ (فَعَل) يدلُّك على ذَلِك أَنَّك تَقول دمِى يَدْمَى فَهُوَ دَمٍ فَهَذَا مثل فرِق فرَقا وَهُوَ فرِق وحذِر حذَرا فَهُوَ حذِر فدَم إِنَّما هُوَ مصدر مثل البطر والحذَر وممّا يدلُّك على أَنَّه (فَعَل) أَنَّ الشَّاعِر لمَّا اضطرّ فأَخرجه على أَصله وردّ مَا ذهب مِنْهُ جاءَ بِهِ متحرّكا فَقَالَ
(فَلَو أَنَّا على حَجَرٍ ذُبحْنا جرى الدمَيَانِ بالخبرِ اليقينِ)
[ ١ / ٢٣١ ]
فإِن قَالَ قَائِل فإِنَّك تجمعه على فِعال كَمَا تَقول كلْب وكِلاب وفِعْل وفِعال فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَنَّ (فِعالا) جمع لفَعَل المتحرّك الْعين كَمَا يكون لفَعْل السَّاكِن الْعين نَحْو قَوْلك جمل وجمال وجبل وجبال فَهَذَا غير خَارج من ذَلِك وأَمَّا (يَد) فتقديرها (فَعْل) سَاكن الْعين لأَنَّك تَقول أَيْد فِي الْجمع وَهَذَا جمع (فَعْل) وَلَو جاءَ شيءٌ مِنْهُ لَا يُعلم مَا أَصله من هَذِه المنقوصات لَكَانَ الحكم فِيهِ أَن يكون فعْلا ساكنَ الْعين لأَنَّ الْحَرَكَة زِيَادَة وَالزِّيَادَة لَا تثبت فأَمّا (اِست) ففعَل متحرّكة الْعين يدلُّك على ذَلِك أَسْتاه فإِن قَالَ قَائِل فلعلَّها
[ ١ / ٢٣٢ ]
فِعْل أَو فُعْل فإِنَّ الدَّلِيل على مَا قُلْنَا (سَهٌ) فَاعْلَم فتردّ الهاءُ الَّتِي هِيَ لَام وتحذف الْعين وَيفتح السِّين كَمَا قَالَ الراجز
(اُدعُ أُحَيْحًا باسمه لَا تنسَهْ إِنَّ أُحَيْحًا هِيَ صِئْبانُ السَّهْ)
وَفِي الحَدِيث " العَيْنُ وِكاءُ السَّهِ " مَعْنَاهُ أَنَّ الإِنسان / إِذا كَانَ منتبّها علم مَا يخرج مِنْهُ من الرّيح فأَمَّا (حِر) المرأَة فتقديره (فِعْل) وَقَوْلهمْ أَفْعَال فِي جمعه بِمَنْزِلَة جِذع وأَجذاع وَدَلِيله بيّن لأَنَّ أَوّله مكسور وَاعْلَم أَنَّه مَا كَانَ على حرفين وَلَا يُدرى مَا أَصله الَّذِي حذف مِنْهُ فإِنَّ حكمه فِي التصغير وَالْجمع أَن تثبت فِيهِ الياءُ لأَنَّ أَكثر مَا يحذف من هَذَا الياءُ وَالْوَاو والياءُ أَغلب على الْوَاو من الْوَاو عَلَيْهَا فإِنّما الْقيَاس على الأَكثر فَلَو سمّينا رجلا (بإِنْ) الَّتِي للجزاءِ ثمَّ صغَّرناها لقلنا أُنىّ وَكَذَلِكَ (أَنْ) الَّتِي تنصب الأَفعال فإِن سمّينا (إِن) المخفَّفة قُلْنَا أُنيْن فَاعْلَم لأَنّا قد علمنَا أَنَّ أَصلها نون أُخرى حذفت مِنْهَا وَكَذَلِكَ لَو سمَّينا (برُب) المخفَّفة من (ربّ) لقلنا رُبَيْب لأَنَّا قد علمنَا مَا حذف مِنْهُ
[ ١ / ٢٣٣ ]
وَكَذَلِكَ (بخ) المخفَّفة من (بخٍّ) تردّ فِيهَا الخاءُ المحذوفة لأَنَّ / الأَصل التثقيل كَمَا قَالَ
(فِي حسَبٍ بَخٍّ وعِزٍّ أَقْعَسا)
وَلَو سمّينا رجلا (ذُو) لقلنا هَذَا ذوّا قد جاءَ لأَنَّه لَا يكون اسْم على حرفين أَحدهما حرف لين لأَنَّ التَّنْوِين يذهبه فَيبقى على حرف فإِنَّما رددت مَا ذهب وأَصله (فعَل) يدلُّك على ذَلِك ﴿ذواتا أفنان﴾ و﴿ذواتي أكل خمط﴾ وإِنَّما قلت هَذَا ذُو مَال فَجئْت بِهِ على حرفين لأَنَّ الإِضافة لَازِمَة لَهُ ومانعة من التَّنْوِين كَمَا تَقول هَذَا فو زيد ورأَيت فا زيد فإِذا أَفردت قلت هَذَا فمٌ فَاعْلَم لأَنَّ الِاسْم قد يكون على حرفين إِذا لم يكن أَحدهما حرفَ لين كَمَا تقدّم من نَحْو يَد وَدم وَمَا أَشبه ذَلِك فإِذا سمّيت رجلا ب (هُوَ) فإِنَّ الصَّوَاب أَن تَقول هَذَا هُوٌّ كَمَا ترى فتثقلِّ
[ ١ / ٢٣٤ ]
وإِن سمّيته ب (فِي) من قَوْلك فِي الدَّار زيد زِدْت على الياءِ يَاء وَقلت هَذَا فِيٌّ فَاعْلَم وإِن سمّيته (لَا) زِدْت على الأَلف أَلفا ثمّ همزت لأَنَّك تحرّك الثَّانِيَة / والأَلف إِذا حرّكت كَانَت همزَة فَتَقول هَذَا لاءٌ فَاعْلَم وإِنَّما كَانَ الْقيَاس أَن تزيد على كلّ حرف من حُرُوف اللين مَا هُوَ مثلُه لأَنَّ هَذِه حُرُوف لَا دَلِيل على ثوالثها وَلم تكن اسْما فيعلمَ مَا سقط مِنْهَا و(هُوَ) و(هِيَ) اسمان مضمران فمجراهما مجْرى الْحُرُوف فِي جَمِيع محالِّهما وإِن دلاَّ على الظَّاهِر بِمَا تقدّم من ذكره فإِنَّما جعلت مَا ظهر فِي كلّ وَاحِد مِنْهُمَا مُتبعا لمثله حتَّى يتمّ اسْما وَلم تجْعَل الشَّاهِد غَائِبا وَكَذَلِكَ قَالَت الْعَرَب فِي (لوْ) حَيْثُ جعلته اسْما قَالَ الشَّاعِر
(لَيْت شِعْرِي وأَين مِنِّيَ ليْتُ إِنَّ ليْتًا وإِنَّ لوًّا عَناءُ)
فَزَاد على الْوَاو واوا لتلحق الأَسماءَ وَقَالَ الآخر
(أُلاَمُ على لوٍّ وَلَو كنت عالِما بأَعقاب لوٍّ لم تفُتني أَوائلُهْ)
وَقَالَ الآخر
(حاوَلتْ لوًّا فقلتُ لَهَا إِنَّ لَوًّا ذاكَ أَعْيانا)
[ ١ / ٢٣٥ ]
وإِن سمّيت رجلا (كيْ) قلت هَذَا كيٌّ فَاعْلَم / وَكَذَلِكَ كلّ مَا كَانَ ﴿على﴾ حرفين ثَانِيه ياءٌ أَو وَاو أَو أَلف أَلا ترى أَنَّ حرفين التهجي مَوْضُوعَة على الْوَقْف نَحْو با تا ثا وَكَذَلِكَ رأَوها إِنَّما هِيَ موقوفات غير منونَّات لأَنَّهنّ عَلَامَات فَهنّ على الْوَقْف أَلا ترى أَنَّك تَقول واوْ زايْ صادْ فتسكِّن أَواخرها لأَنَّك تُرِيدُ الْوَقْف وَلَوْلَا الْوَقْف لم يجمع بَين ساكنين كَمَا تَقول فِي الْوَقْف هَذَا زيدْ وَهَذَا عمْرو فإِذا جعلتهنَّ أَسماءً قلت باءٌ وتاءٌ فزدت على كلّ حرف مثلَه على مَا وصفت لَك قَالَ رجل من الأَعراب يذمّ النحويّين إِذ سمع خصومتهم فِيهِ
(إِذا اجتَمعوا على أَلفٍ وياءٍ وتاءٍ هاجَ بينهمُ قتالُ)
فأَعربها على مَا ذكرت لَك حِين جعلهَا اسْما
[ ١ / ٢٣٦ ]
وحكاها أَبو النَّجْم إِذ جعلهَا فِي موَاضعهَا فَقَالَ
(أَقْبَلتُ من عِنْد زِيادٍ كالخَرِفْ تَخُطُّ رِجْلايَ بخَطٍّ مُخْتلِفْ)
(تُكَتِّبانِ فِي الطَّرِيق لامَ الِفٌ)
فإِن كَانَت اسْما فالإِعراب كَمَا قَالَ
(كَمَا بُيِّنتْ كافٌ تَلوحُ وميمُها)
فأَعرب وأَضاف وكما قَالَ
(كأَنَّ أَخا الْيَهُود يُجِدّ خطًّا بكافٍ فِي منازلها ولامِ)
وفواتح السُّور كَذَلِك على الْوَقْف لأَنَّها حُرُوف تهجٍّ نَحْو (الم) (المر) (حم)
[ ١ / ٢٣٧ ]
(طس) وَلَوْلَا أَنَّها على الْوَقْف لم يجْتَمع ساكنان فإِذا جعلت شَيْئا مِنْهَا اسْما أَعربت كَمَا قَالَ الكُمَيت
(وجدنَا لكمْ فِي آلِ حَامِيمَ آيَة تَأَوَّلَها مِنَّا تَقِيُّ ومُعْرِبُ)
فحرّك وَلم يصرف للعجمة وَقَالَ
(أَوْ كتُبًا بُيّن من حاميما قد علمتْ أَبناءُ إِبارهيما)
وَقَالَ
(يُذكِّرني حاميمَ والرمحُ شاجِرٌ فهلاَّ تَلا حاميمَ قبْلَ التقدُّمِ)
فأَمَّا قراءَة الْحسن (صَادِ وَالقُرْآنِ) فإِنَّه لم يَجْعَلهَا حرفا ولكنَّه / فِعْل إِنَّما أَراد صادِ
[ ١ / ٢٣٨ ]
بِالْقُرْآنِ عَملك وَهَذَا تَفْسِير الْحسن أَيّْ عارِض بِالْقُرْآنِ عَمَلك من قَوْلك صاديت الرجل أَي عارضته وَمِنْه ﴿فَأَنت لَهُ تصدى﴾ أَي تعرّض وأَمّا قَوْلك هَذَا فوزيد - ثمّ تبدل فَتَقول فَم فَهَذَا بِمَنْزِلَة تثقيلك لَو ثقَّلت لأَنَّه إِذا كَانَ على حرفين لَيْسَ أَحدهما حرفَ لين كَانَ على مثالٍ تكون الأَسماءُ المنقوصة عَلَيْهِ وإِنَّما أَصله فَوْه فَاعْلَم وَجمعه أَفْواه كَقَوْلِك ثوب وأَثواب وحوض وأَحواض على ذَلِك مَا تفوّهت بِكَلِمَة فإِذا كَانَ فِي الإِضافة لم تحتج إِلى تَغْيِيره لأَنَّك تأْمَن عَلَيْهِ التَّنْوِين فَتَقول رأَيت فا زيد ومررت بفي زيد وَهَذَا فو زيد كَمَا تَقول هَذَا ذُو مَال ورأَيت ذَا مَال لأَنَّ أَصل هَذِه الأَسماءِ الإِضافة فإِن أَفردتها أَخرجتها إِلى بَاب الأَسماءِ وَمَا ذكرت لَك غَيرهَا من نَحْو (لوْ) و(فِي) إِنَّما تلْحق بجُمَله الأَسماءِ المفردة ثمّ تُضَاف إِذا حدث ذَلِك فِيهَا كَمَا / يُضَاف رجل وَغُلَام وَمَا أَشبهه فَهَذَا بَاب الأَسماءِ تَقول هَذَا فِيُّ زيد ولوُّ عبدِ الله فإِن قَالَ قَائِل أَجعَل ذَلِك غيرَ مثقَّل إِذا سمّيت بِهِ مؤَنثا لأَمْنِي عَلَيْهِ التنوينَ قيل المؤنَّث قد يكون نكرَة فتنوّن كَقَوْلِك هَذِه هندٌ أُخرى وتنوّن زيدا إِذا سمّيت بِهِ امرأَة فِي قَول جمَاعَة من النَّحْوِيين فيستوي المؤنَّث والمذكَّر إِذا لم تكن فِيهَا هاءُ التأْنيث فَلَا يكون فِيهِ التَّنْوِين نَحْو رجل سمّيته بقدَم أَودعْد أَو هِنْد فَلَيْسَ هَذَا الِاعْتِرَاض بشيءٍ وَلَيْسَ من كَلَامهم أَن يكون الِاسْم على هَيْئَة فإِذا سمّى بِهِ غير من هُوَ لَهُ خرج إِلى هَيْئَة أُخرى فَكَذَلِك الْمُفْرد لَا ينْتَقل إِذا أَضفته فأَمّا فُو زيد وَذُو مَال فإِنَّما غيّرا من الأَصل الَّذِي هُوَ لَهما لأَنَّهما أُلزما الإِضافة فَكَانَ حرف إِعرابهما / منتقلا على غير مَا عَلَيْهِ جملَة الأَسماءِ إِنَّما يكون ذَلِك فِي أَسماءٍ بِعَينهَا معتلَّة نَحْو
[ ١ / ٢٣٩ ]
قَوْلك أَخوك وأَخاك وأَبوك وفو زيد وحموك وهنوك فِي بعض اللُّغَات لأَنَّها فِي الإِفراد أَب وأَخ وَهن وحم فَهَذِهِ أَسماءٌ كَانَ أَصلها الإِضافة لأَنَّ رواجعها فِيهِ خاصَّةً فأَمّا فوك فإِنَّما حذفوا لامه لموْضِع الإِضافة ثمّ أَبدلوا مِنْهَا فِي الإِفراد الْمِيم لقرب المخرجين فَقَالُوا فَم كَمَا ترى لَا يكون فِي الإِفراد غَيره وَقد لحّن كثير من النَّاس العجّاج فِي قَوْله
(خالَطٌ من سَلْمَى خياشيمَ وَفَا)
وَلَيْسَ عِنْدِي بلاحن لأَنَّه حَيْثُ اضطرّ أَتى بِهِ فِي قافية لَا يلْحقهُ مَعهَا التَّنْوِين فِي مذْهبه وَمن كَانَ يرى تَنْوِين القوافي فَيَقُول
(أَقِلِّي اللوْمَ عاذِلَ والعِتابَنْ)
لم ينوّن هَذَا لأَنَّ ترك التَّنْوِين هُوَ الأَكثر الأَغلب / لما فِي هَذَا الِاسْم من الاعتلال
[ ١ / ٢٤٠ ]
وَاعْلَم أَنَّ مَا جاءَ من الأَسماءِ على حرفين قَلِيل لأَنَّ الثَّلَاثَة أَقلّ الأُصول فيكرهون الْحَذف مِنْهَا إِلاَّ فِيمَا آخِره حرف خفيّ أَو حرف لين فإِنَّهم يستثقلون فِي ذَلِك الحركات فأَمَّا مثل قُلْ وبعْ فإِنَّما حذفتَ لالتقاءِ الساكنين مَا هُوَ فِي نيّتك وحذفت من عِدّ وزِنْ الواوات الَّتِي ذهبت لأَنَّها وَقعت فِي يعد ويَزِنَ وَيعود جَمِيع ذَلِك فِي تصرّف الْفِعْل إِذا قلت وعد وَوزن وَقَالَ وَبَاعَ وَيَقُول وَيبِيع وَكَذَلِكَ إِذا قلت فِهْ لزيد وعِهْ كلَاما وشِهْ ثوبا إِنَّما لحقها ذَلِك لذهاب الْوَاو من أَولها الَّتِي تذْهب فِي عِدْ وَذَهَاب الياءِ من آخرهَا الَّتِي تذْهب فِي ارْمِ وَلَا يلْزم ذَلِك فِي تصرّف الْفِعْل إِذا قلت وعَيْت وولِيت ووشَيْت فأَمّا مَا جاءَ على حرفين ممّا فِيهِ هاءُ التأْنيث فَهُوَ أَكثر / من ذَا نَحْو سَنة وشِية وعِدة وثُبَة وقُلَة ورِية وَذَاكَ لأَنَّ الهاءَ لمّا اتَّصَلت بِهِ قوى فضارع مَا كَانَ على
[ ١ / ٢٤١ ]
ثَلَاثَة وَكَانَ بالهاءِ أَثبت من ابْن واست واثنين لأَنَّ أَلف الْوَصْل يحذفها الْوَصْل ويحذفها تحرُّك مَا بعْدهَا وَذَلِكَ فِي التصغير ﴿كبنيّ﴾ وَتَخْفِيف الْهَمْز كَقَوْلِك فِي اسأَل سَلْ وَفِي التَّشْدِيد وَهُوَ قَوْلك اردُدْ ثمَّ تَقول رُدَّ إِن شِئْت فأَمّا رُدّا أَو رُدُّوا فحذفها لَازم للُزُوم الإِدغام وهاءُ التأْنيث إِنَّما تذْهب فِي التَّرْخِيم وَفِي النّسَب لأَنَّه عوض مِنْهَا وَقد يردّ فِي النّسَب بعض مَا يذهب مِنْهُ الهاءُ لعلَّة تلْحق وإِنَّما قصدنا أَن تخبر أَن، مَا فِيهِ الهاءُ من ذَوَات الحرفين أَكثر ممّا لَا هاءَ فِيهِ وَهَذَا شيءٌ اتَّصل بالتصريف والإِدغام لما يَقع فِي مثله وَهُوَ مَا أَذكره لَك اعْلَم أَنَّ الحرفين المثلين إِذا كَانَا ملتقيَينِ فِي كلمة وَكِلَاهُمَا متحرّك وَقبل المتحرّك الأَوّل سَاكن طرحت حَرَكَة المتحرّك الأَوّل على ذَلِك السَّاكِن وأَدغمت كنحو مَا ذكرت لَك فِي اقْتتلوا فإِن التقيا وهما سواءٌ أَو متقاربان والأَوّل مِنْهُمَا أَوّل الْكَلِمَة أَدخلت أَلف الْوَصْل وأَدغمت وَذَلِكَ اطَّيّر زيد إِنَّما كَانَت تطيّر فأَسكنت التاءَ فَلم يجز أَن تبتدئ بساكن فأَدخلت أَلف الْوَصْل ثمّ أَدغمت التاءَ فِي الطاءِ وَكَذَلِكَ اتَّرس زيد إِذا أَردته تترّس
[ ١ / ٢٤٢ ]
فدخول الأَلف هَاهُنَا كسقوطها من اقْتَتَلُوا إِذا قلت قَتَّلوا فالتحريك يُسْقِطهَا كَمَا أَنَّ الإِسكان يجلبها وَمن ذَلِك قَوْله ﴿وَإِذ قتلتم نفسا فادارأتم فِيهَا﴾ وإِنما كَانَ (تدارأْتم) فِيهَا فأَدغمت التاءَ فِي الدَّال فَاحْتَجت إِلى أَلف الْوَصْل لِاسْتِحَالَة الابتداءِ بساكن وَمثله ﴿قَالُوا اطيرنا بك وبمن مَعَك﴾ فإِن قلت تتَّكلمون وتدّعون لم يجز الإِدغام وإِدخال أَلف الْوَصْل لأَنَّ أَلف الْوَصْل لَا تدخل على الْفِعْل الْمُضَارع لأَنَّ الأَفعال إِذا كَانَت على (يَفْعَل) وَمَا أَشبهه فَهِيَ مضارعة للأَسماءِ نَحْو فاعِل وَمَا أَشبهه فَكَمَا لَا تكون أَلف الْوَصْل فِي اسْم الْفَاعِل كَذَلِك لَا تكون فِيمَا ضارعه إِنَّما تكون فِي الأَفعال الْمَاضِيَة نَحْو انطلقَ واقتدرَ واحمررت واستخرج واغدودنَ واحرنجمَ أَو فِي الأَمر اضربْ اقتلْ استخرجْ لأَنَّها تضارع أَسماءَ الفاعلين فتمتنع فَهَذَا موضعهَا من الْكَلَام فقد شرحت لَك أَمرها فِي الأَفعال وتصرّفَها وأَمْرَ وُقُوعهَا فِي الأَسماءِ والعلَّة فِي ذَلِك إِذ كَانَ بَابهَا الأَفعال فإِذا قلت فِي المنفصلين هَذَا اسْم مُوسَى لم يجز أَن تطرح حَرَكَة الْمِيم على السِّين / وتحذف أَلف الْوَصْل كَمَا فعلت فِي الأَفعال لأَنَّ الْمُنْفَصِل بَائِن ممّا قبله وإِنَّما الإِدغام على مِقْدَار لُزُومه ولكنَّك تخفي إِن شِئْت وإِن شِئْت حقَّقت والمخفَى بزنة المحقَّق إِلاَّ أَنَّك تختلس اختلاسا كَقَوْلِك أَراك متعفِّفا فتختلس وَلَا يجوز الإِدغام لأَنَّ الَّذِي قبل الفاءِ الْوُسْطَى سَاكن
[ ١ / ٢٤٣ ]
وأَمّا الملحقات من الأَسماءِ فَلَا إِدغام فِيهَا لأَنَّها تنقص عَن مقادير مَا ألحقت بِهِ وَذَلِكَ قَوْلك قَرْدَد ومَهْدَد وَمَا أَشبهه لأَنَّه مُلْحق بِجَعْفَر وَكَذَلِكَ الْجمع نَحْو قَوْلك قَرَادد ومَهادد ليَكُون مثل جَعْفَر فإِن لم يكن مُلْحقًا لزِم الإِدغام نَحْو قَوْلك رجل أَلدّ وأَصَمّ لأَنَّ (أَفْعَلَ) لَيْسَ بملحق بفعلل أَلا ترى أَن مصادرهما مُخْتَلفَة إِذا كَانَا فِعْلين تَقول دحرج دحرجة وأَكرم إِكراما وَكَذَلِكَ (فَعَّلَ) لَيْسَ بملحق بدحرج لأَنَّ مصدره التفعيل وَلَكِن مثلُ جَدْوَل ملحقٌ بِجَعْفَر وَكَذَلِكَ كوثر / وإِن كَانَا فعلين فهما ملحقان بدحرج تَقول حَوْقَل يحوقل حوقلة وبَيْطَر بيطرة وسَهْوك سَهْوكة وَكَذَلِكَ سلقى يسلقى سلقاة وَفِيمَا ذكرته لَك مَا يدلّ على مَا يرد عَلَيْك مِنْهُ إِن شاءَ الله
[ ١ / ٢٤٤ ]