ونبدأُ بحروف الْحلْق أَمَّا الْهمزَة والأَلف فقد قُلْنَا فيهمَا وأَمّا الهاءُ فتدغم فِي الحاءِ نَحْو قَوْلك اجْبَحَّميدا ﴿تُرِيدُ اجبه حميدا﴾ لأَنَّهما متقاربتان وَلَيْسَ بَينهمَا إِلاَّ أَنَّ الحاءَ من وسط الْحلق والهاءَ من أَوّله وهما مهموستان رِخْوتان وَلَا تُدْغَم الحاءُ فِي الهاءِ لأَنَّ الحاءَ أَقرب إِلى اللِّسَان ولأَنَّ حُرُوف الْحلق لَيست بأَصل للإِدغام لبعدها من مخرج الْحُرُوف وقلَّتها وَلَكِن إِن شِئْت قلبت الهاءَ حاءً إِذا كَانَت بعد الحاءِ وأَدغمت ليَكُون الإِدغام فِيمَا قرب من الْفَم وَذَلِكَ قَوْلك أَصْلِحَّيْثَما تُرِيدُ أَصْلِحْ هَيْثما فأَمّا أَن تدعها من غير أَن تقلبها فَلَا وَكَذَلِكَ الْعين لَا تُدْغَم فِي الهاءِ وَلَا تُدْغَم الهاءُ فِيهَا فأَمّا ترك إِدغامها فِي الهاءِ فلقرب الْعين من الْفَم
[ ١ / ٢٠٧ ]
وأَمّا ترك إِدغام الهاءِ فِيهَا فلمخالفتها إِيّاها فِي الهمْس / والرخاوة وَقد تقدّم قَوْلنَا فِي ذَلِك فإِن قلبت الْعين حاءً لقرب الْعين من الحاءِ جَازَ الإِدغام وَذَلِكَ قَوْلك محُّم تُرِيدُ مَعَهم وَهِي كَثِيرَة فِي كَلَام بني تَمِيم وَكَذَلِكَ الْعين والحاءُ إِذا أَدغمت وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي الأُخرى فقلبت ﴿الْعين حاءً﴾ جَازَ تَقول أَصْلِحًا مِرا تُرِيدُ أَصْلِحْ عَامِرًا وَكَذَلِكَ ادْفَحَّا تِما تُرِيدُ ادْفَعْ حاتما أَدغمت الْعين فِي الحاءِ وَهَذَا حسن فأَمّا قلب الْعين إِلى الحاءِ إِذا كَانَت بعْدهَا فَهُوَ جَائِز وَلَيْسَ فِي حسن هَذَا لأَن حقّ الإِدغام أَن يدغم الأَوّل فِي الثَّانِي ويحوّل على لَفظه والمخرج الثَّالِث من الْحلق مخرج الْغَيْن والخاءِ وإِدغام كلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي أُختها جيّد وإِدغام الْعين والحاءِ فيهمَا يجوز فِي قَول بعض النَّاس وَلم يذكر ذَلِك سِيبَوَيْهٍ ولكنَّه مُسْتَقِيم فِي اللُّغَة معروفٌ جَائِز فِي الْقيَاس لأَنَّ الْغَيْن والخاءَ أَدنى حُرُوف الْحلق إِلى الْفَم فإِذا كَانَت الهاءُ تُدْغَم فِي الحاءِ والهاءُ من الْمخْرج الأَوّل / من الْحلق والحاءُ من الثَّانِي وَلَيْسَ حُرُوف الْحلق بأَصل للإِدغام فالمخرج الثَّالِث أَحرى أَن يدغم فِيمَا كَانَ مَعَه فِي الْحلق وَهُوَ متَّصل بحروف الْفَم كَمَا تُدْغَم الباءُ فِي الفاءِ والباءُ من الشّفة مَحْضَة والفاءُ من الشّفة السُّفْلى وأَطراف الثنايا الْعليا تَقول اذْهَفِّي ذَلِك تُرِيدُ اذْهَبْ فِي ذَلِك واضْر فَّرَجا تُرِيدُ اضربْ فَرَجا لقرب الفاءِ من حُرُوف الْفَم فَكَذَلِك تَقول امْدَغَّالِبا تُرِيدُ امدَحْ غَالبا وامدَخَّلَفا تُرِيدُ امدح خلَفا
[ ١ / ٢٠٨ ]
وَكَذَلِكَ الْعين نَحْو اسْمَخَّلَفا تُرِيدُ اسمعْ خَلَفا واسْمَغَّالِبا تُرِيدُ اسْمَعْ غَالبًا وسيبويه يأْبى هَذَا لتراخي بَينهمَا وأَنَّ الْغَيْن والخاءَ أَقرب إِلى الْفَم فِي الْمخْرج مِنْهُمَا إِليه وأَمّا مَا لَا اختلافَ فِيهِ فإِنَّك تُدْغَم الْغَيْن فِي الخاءِ لاشْتِرَاكهمَا فِي الرخاوة وأَنَّه لَيْسَ بَينهمَا إِلاَّ الهمس والجهر فَتَقول فِي قَوْلك اصبغْ خلفا اصبخَّلفا وَهُوَ أَحسن من الْبَيَان وَكَذَلِكَ / ادْمَخَّالدا تُرِيدُ ادْمغْ خَالِدا وَالْبَيَان جَائِز حسن وتدغم الخاءُ فِي الْغَيْن فَنَقُول اسلَغَّنَمَك تُرِيدُ اسلَخ غَنمك وَالْبَيَان أَحسن لأَنَّ الْغَيْن مجهورة والتقاءُ المهموسين أَخفُّ من التقاءِ المجهورين وكلٌّ جَائِز حسن ويحتجّ سِيبَوَيْهٍ بأَنَّه قد يجوز لَك أَن تخفي النُّون مَعَهُمَا كَمَا تفعل بهَا مَعَ حُرُوف الْفَم وَذَلِكَ قَوْلك مُنْغُل ومُنْخُل لأَنَّهما وإِن قربتا من الْفَم فأَصلهما الْحلق ثمّ نذْكر حُرُوف الْفَم وَهِي حَيِّز على حدَة تُدْغَم الْقَاف فِي الْكَاف وَالْقَاف أَدنى حُرُوف الْفَم إِلى الْحلق وَالْكَاف تَلِيهَا وَذَلِكَ قَوْلك الحكِّلدة تُرِيدُ الحقْ كِلْدة فتدغم لقرب المخرجين والإِدغام أَحسن لأَنَّ الْكَاف أَدنى إِلى سَائِر حُرُوف الْفَم من الْقَاف وَهِي مهموسة وَالْبَيَان أَحسن وتدغم الْكَاف فِيهَا وَالْبَيَان أَحسن لأَنَّ الْقَاف أَدنى إِلى حُرُوف الْحلق وَهُوَ قَوْلك انْهَقَّطَنا تُرِيدُ انهكْ قطنا والإِدغام أَحسن
[ ١ / ٢٠٩ ]
/ ثمّ نذْكر الشين وأُختيها الْجِيم والياءَ اعْلَم أَنَّ الياءَ لَا تُدْغَم فِي الْجِيم وَلَا فِي الشين لأَنَّها حرف لين وحروف اللين تمْتَنع من الإِدغام لعلل مِنْهَا أَنَّ الأَلف الَّتِي هِيَ أَمكن حُرُوف اللين لَا تُدْغَم فِي شيءٍ وَلَا يدغم فِيهَا شيءٌ لأَنَّها لَا تكون إِلاَّ سَاكِنة وَفِي الياءِ وَالْوَاو الشَبه بهَا فَيجب أَن تمتنعا كامتناعها وَبعد هَذَا فإِنَّ حُرُوف المدّ واللين لَا يلائمها فِي القوافي غَيرهَا أَلا ترى أَنَّك تَقول عَمْرو وبَكْر وَمَا أَشبه ذَلِك فِي القوافي فتعادل الْحُرُوف بعضُها بَعْضًا وَلَو وَقعت وَاو أَو ياءٌ بحذاءٍ حرف من هَذِه الْحُرُوف نَحْو جَوْر أَو خَيْر مَعَ بكر وَنصر لم يجز وَكَذَلِكَ تكون القافية على سعيد وقعود وَلَو وَقع مَكَان الياءِ وَالْوَاو غَيرهمَا لم يصلح فَهَذِهِ علل لَازِمَة وَمِنْهَا أَنَّ فِي الياءِ وَالْوَاو مَدّاولينًا فَلَو أَدغمت الياءَ فِي الشين أَو الْجِيم أَو أَدغمت / الْوَاو فِي الباءِ وَالْمِيم لذهب مَا كَانَ فيهمَا من المدّ واللين وَهِي حُرُوف بَائِنَة من جَمِيع الْحُرُوف لأَنَّها لَا يمدّ صَوت إِلاَّ بهَا والإِعراب مِنْهَا وتحذف لالتقاءِ الساكنين فِي الْمَوَاضِع الَّتِي تحرّك فِيهَا غَيرهَا نَحْو قَوْلك هَذَا الْغُلَام وأَنت تغزو الْقَوْم وَتَرْمِي الْغُلَام وَلَو كَانَ غَيرهَا من السواكن لحرِّك لالتقاءِ الساكنين نَحْو اضربِ الْغُلَام وقلِ الْحق
[ ١ / ٢١٠ ]
وَلَا تُدْغَم الشين وَلَا الْجِيم فيهمَا لئَّلا يدْخل فِي حُرُوف المدّ مَا لَيْسَ بمدّ فالياءُ بَائِنَة مِنْهُمَا للمدّ واللين الَّذِي فيهمَا فَهِيَ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَة حرف بعيد الْمخْرج من مخرجهما وإِن كَانَت من ذَلِك الْموضع كَمَا أَنَّها والواوَ بِمَنْزِلَة مَا تدانت مخارجُه وإِن كَانَت بعيدةَ الْمخْرج مِنْهَا وَذَلِكَ لما يجمعهما من المدّ واللين وَالْكَثْرَة فِي الْكَلَام لأَنَّه لَيْسَ كلمة تَخْلُو مِنْهُمَا وَمن الأَلف أَو من بَعضهنَّ وبعضُهنّ حركاتُهنّ فحروف المدّ حيّزٌ على حِدة أَلا ترى أَنَّك تذكرهنّ فِي مَوَاضِع الحركات فيَدْلُلْن من الإِعراب على / مَا تدلّ عَلَيْهِ الحركات نَحْو مسلمِين ومسلمون ورجلُين ورجلان وَكَذَلِكَ أَخوك وأَخاك وأَخيك ويبدل بَعضهنَّ من بعض وَلَيْسَ هَكَذَا شيءٌ من الْحُرُوف تَقول مِيْزان ومِيعاد فتقلب الْوَاو يَاء وَتقول مُوسِر ومُوقن فتقلب الياءَ واوا ورمَى وغزا إِنما هِيَ وَاو غزوت وياءُ رميت وَكَذَلِكَ مَا أشِبه هَذَا وَالْجِيم تُدْغَم فِي الشين لقرب المخرجين وَذَلِكَ قَوْلك أَخْرِشَّبئا تُرِيدُ أَخْرج شبئا والإِدغام حسن وَالْبَيَان حسن وَلَا تُدْغَم الشين فِي الْجِيم البتّة لأَنَّ الشين من حُرُوف التفشِّي فلهَا استطالة من مخرجها حتَّى تتَّصل بمخرج الطاءِ والإِدغام لَا يبخس الْحُرُوف وَلَا ينقصها افرش جبلة تظهر وتخفي وَلَا تُدْغَم والإِخفاءُ فِي وزن المتحرّك إِلاَّ أَنه خفض صَوت وإِنما يحكمها المشافهة نَحْو قَوْلك أَراك متعقِّفا إِنَّما هُوَ كالاختلاس
[ ١ / ٢١١ ]
فَهَذِهِ حَالَة الشين مَعَ الْجِيم / وَلها أَخوات نصل ذكرهَا بهَا يدغم فيهنّ مَا جاورهنّ وَلَا يدغمْن فِي شيءٍ من تِلْكَ الْحُرُوف مِنْهَا الضَّاد وَالْمِيم والفاءُ والراءُ تُدْغَم الطاءُ وأُختاها فِي الضَّاد وَلَا تُدْغَم الضَّاد فِي شيءٍ مِنْهَا لانحرافها والباءُ وَالنُّون تدغمان فِي الْمِيم وَلَا تُدْغَم الْمِيم فِي وَاحِدَة مِنْهُمَا وتدغم الباءُ فِي الفاءِ وَلَا تُدْغَم الفاءُ فِيهَا وتدغم اللَّام وَالنُّون فِي الراءِ وَلَا تُدْغَم الراءُ فِي وَاحِدَة مِنْهُمَا لأَنَّ فِيهَا تَكْرَارا فَيذْهب ذَلِك التكرير
[ ١ / ٢١٢ ]
أَلا ترى أَنك تَقول فِي الْوَقْف هَذَا عمْرو فينبو اللسانُ نَبْوَةً ثمّ يعود إِلى مَوْضِعه وإِذا تفطَّنت لذَلِك وجدته بيّنا وإِذا صرنا إِلى مَوضِع هَذِه الْحُرُوف ذكرنَا العلَّة فِي ذَلِك إِن شاءَ الله ثمّ نذْكر الْحَرْف المنحرف وَهُوَ أَكثر فِي الْكَلَام من غَيره وَله اتِّصَال بأَكثر الْحُرُوف وَهُوَ اللَّام ومخرجه من حرف اللِّسَان متَّصلا بِمَا يحاذيه من الضاحك والثنايا والرباعيات وَهُوَ يدغم إِذا كَانَ للمعرفة / فِي ثَلَاثَة عشر حرفا لَا يجوز فِي اللَّام معهنّ إِلاَّ الإِدغام فَمِنْهَا أَحد عشر حرفا تجَاوز اللَّام وحرفان يتصَّلان بهَا وإِنَّما كَانَ ذَلِك لَازِما فِي لَام الْمعرفَة لعلَّتين إِحداهما كَثْرَة لَام الْمعرفَة وأَنَّه لَا يعرى منكور مِنْهَا إِذا أَردت تعريفة والأُخرى أَنَّ هَذِه اللَّام لَازم لَهَا السّكُون فَلَيْسَتْ بِمَنْزِلَة مَا يتحرّك فِي بعض الْمَوَاضِع فإِن كَانَت اللَّام غير لَام الْمعرفَة جَازَ إِدغامها فِي جَمِيع ذَلِك وَكَانَ فِي بعض أَحسن مِنْهُ فِي بعض وَنحن ذاكروها مستقصاة إِن شاءَ الله فَهَذِهِ الْحُرُوف مِنْهَا أَحد عشر حرفا مجاورة للام وَهِي الراءُ وَالنُّون والطاءُ وأُختاها الدَّال والتاءُ والظاءُ وأُختاها الذَّال والثاءُ وَالزَّاي ﴿وأُختاها الصَّاد وَالسِّين﴾
[ ١ / ٢١٣ ]
والحرفان اللَّذَان يبعدان من مخرجها ويتَّصلان بهَا فِي التفشِّي الَّذِي فيهمَا الشين وَالضَّاد فأَمّا الشين فَتخرج من وسط / اللِّسَان من مخرج الْمِيم والياءِ ثمّ تتفشَّى حتَّى تتَّصل بمخرج اللَّام فلام الْمعرفَة مدغمة فِي هَذِه الْحُرُوف لَا يجوز إِلاَّ ذَلِك لكثرتها ولزومها نَحْو التَّمْر وَالرَّسُول والطرفاءَ والنمر فكلّ هَذِه الْحُرُوف فِي هَذَا سواءٌ فإِن كَانَ اللَّام لغير الْمعرفَة جَازَ الإِدغام والإِظهار والإِدغام فِي بعض أَحسن مِنْهُ فِي بعض إِذا قلت هَل رأَيت زيدا وَجعل رَاشد جَازَ أَن تسكَّن فَتَقول جَعَرّا شِد كَمَا تسكّن فِي المثلين والإِدغام هَهُنَا أَحسن إِذا كَانَ الأَوّل سَاكِنا فإِن كَانَ متحرّكا اعتدل الْبَيَان والإِدغام فإِن قلت هَل طرَفك أَو هَل دَفعك أَو هَل تَم لَك فالإِدغام حسن وَالْبَيَان حسن وَهُوَ عِنْدِي أَحسن لتراخي المخرجين وقرأَ أَبو عَمْرو ﴿بَتُّؤثِرُوْن﴾ َ فأَدغم ﴿هَثُّوِّبَ الكُفَّارُ﴾ / والإِدغام فِي الضَّاد والشين أَبْعَد لما ذكرت لَك من تراخي مخارجها وَهُوَ جَائِز وَهُوَ فِي النُّون قَبِيح نَحْو هَنَّرَي هَنَّحْن إِذا أَردت هَل نرى وَهل نَحن وَذَلِكَ لأَنَّ النُّون تُدْغَم فِي خَمْسَة أَحرف لَيْسَ منهنّ شيءٌ يدغم فِيهَا وَاللَّام أَحد تِلْكَ الْحُرُوف فاستوحشوا من إِدغامها فِيهَا إِذ كَانَت النُّون لَا يدغم فِيهَا غَيرهَا وَهُوَ جَائِز على قبحه وإِنَّما جَازَ لقرب المخرجين
[ ١ / ٢١٤ ]
فإِن كَانَت الْحُرُوف غير هَذِه فتباعدت عَن مخرجها لم يحز الإِدغام نَحْو قَوْلك الْكَرم الْقَوْم الْعين الْهَادِي وَكَذَلِكَ حُرُوف الشّفة وَمَا اتَّصل بهَا نَحْو الفرَج والمثل والبأْس والوعد فَهَذَا سَبِيل اللَّام وأَمّا النُّون فإِنَّ لَهَا مخرجين كَمَا وصفت لَك مخرج الساكنة من الخياشيم مَحْضا لَا يَشْرَكها فِي ذَلِك الْموضع شيءٌ بِكَمَالِهِ ولكنّ النُّون المتحرّكة ومخرجها ممّا يَلِي مخرج الراءِ / وَاللَّام وَالْمِيم مخرجها من الشّفة تتناولان الخياشيم بِمَا فِيهَا من الغُنَّة وللنونات أَحكام نذكرها ثمّ نعود إِلى سَائِر الْحُرُوف اعْلَم أَنَّ النُّون إِذا وَليهَا حرف من حُرُوف الْفَم فإِنَّ مخرجها مَعَه من الخياشيم لَا يصلح غير ذَلِك وَذَلِكَ لأَنَّهم كَرهُوا أَن يجاوروا بهَا مَالا يُمكن أَن يدغم مَعَه إِذا وجدوا عَن ذَلِك مندوحة وَكَانَ العِلْم بهَا أَنَّها نون كالعِلْم بهَا وَهِي من الْفَم وَذَلِكَ قَوْلك مَن قَالَ ومَن جاءَ وَلَا تَقول مَنْ قَالَ ومَنْ جاءَ فتبيّن وَكَذَلِكَ مَن سُلَيْمَان ﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين﴾ وَلَا تَقول مَنْ سُلَيْمَان وَلَا ﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين﴾ فتبيّن فإِن كَانَ مَعهَا حرف من حُرُوف الْحلق أُمِنَ عَلَيْهَا الْقلب فَكَانَ مخرجها من الْفَم لَا من الخياشيم
[ ١ / ٢١٥ ]
لتباعد مَا بَينهمَا وَذَلِكَ قَوْلك مَنْ هُوَ فتظهر مَعَ الهاءِ وَكَذَلِكَ مَنْ حَاتِم / وَلَا تَقول مَنْ حَاتِم فتخفى وَكَذَلِكَ مَنْ عليّ وأَجود القراءَتين ﴿أَلا يعلم من خلق﴾ فتبيّن وإِنَّما قلت أَجود القراءَتين لأَنَّ قوما يجيزون إِخفاءَها مَعَ الخاءِ والغين خاصّة لأَنَّهما أَقرب حُرُوف الْحلق إِلى الْفَم فَيَقُولُونَ مُنْخُل ومُنْغُل وَهَذَا عِنْدِي لَا يجوز وَلَا يكون أَبدا مَعَ حُرُوف الْحلق إِلاَّ الإِظهار فأَمَّا حجّة سِيبَوَيْهٍ فِي أَنَّها تخرج مَعَ حُرُوف الْفَم إِلى الخياشيم فإِنَّما ذَلِك عِنْده لأَنَّها إِن أَدغمت مَعَ مَا تخفى مَعَه لم يستنكر ذَلِك وَلَا يصلح الإِدغام لتباعد المخارج فلمّا وجدوا عَن ذَلِك مندوحة صَارُوا إِليها وأَنا أَرى تَقْوِيَة لهَذَا القَوْل أَنَّ امتناعهم من تبيينها مَعَ حُرُوف تتفرّق فِي الْفَم ويتباعد بعضُها من بعض فكرهوا أَن يبيّنوها فِي حَيِّز مَا يدغم فِي نَظِيره أَلا تَرى أَنَّها تُدْغَم فِي الْمِيم فِي قَوْلك مّمثلك وتقلب مَعَ الباءِ ميما إِذا كَانَت سَاكِنة وَذَلِكَ عَمْبَرٌ وشَمْباءُ ومِمْبَر فَهِيَ فِي كلّ هَذَا مِيم فِي اللَّفْظ
[ ١ / ٢١٦ ]
وتدغم فِي اللَّام والراءِ نَحْو مَن رَّأَيْت وَمن لّك فَهَذَا مخرج آخر وتدغم فِي الْوَاو نَحْو مَنْ ولَّى إِذا قلت موّلَّى فَهَذَا مخرج الْمِيم والباءِ وتدغم فِي الياءِ نَحْو منْ يُرِيد وَمن يقوم فلمّا كَانَت تُدْغَم فِي حُرُوف بأَعينها من جَمِيع المخارج استنكر إِظهارها مَعَ مَا جاور هَذِه الْحُرُوف وَسَنذكر بعقب هَذَا من أَين جَازَ إِدغامها فِي هَذِه الْحُرُوف على تبَاعد بَعْضهَا من بعض إِن شاءَ الله أَمّا إِدغامها فِي اللَّام والراءِ فلأَنَّ مخرجها بَينهمَا تَقول أَشهد أَنَّ محمَدا رَّسول الله وأَحْسِرَّأْيك تُرِيدُ أَحسن رأْيك ومحَمّد لَّك وإِدغامها فيهمَا على وَجْهَيْن بغُنَّة وَبِغير غُنَّة وإِظهار الغنَّة أَحسن لئَّلا تبطل وإِن شِئْت أَذهبت الغنَّة كَمَا تخلص مَا تدغمه فِي لفظ الْحَرْف الَّذِي يدغم فِيهِ وأَمَّا إِدغامها فِي الْمِيم وإِن خرجت من الشّفة فَهِيَ تجاورها لما فِي الْمِيم من الغُنَّة وتشاركها / فِي الخياشيم وَالنُّون تسمع كالميم وَكَذَلِكَ الْمِيم كالنون وتقعان فِي القوافي المُكْفَأَة فَتكون إِحدى القافيتين نونا والأُخرى ميما فَلَا يكون عَيْبا كَمَا قَالَ
(بُنَيّ إِنَّ البِرّ شيءٌ هَيِّنُ المنطقُ الليّنُ والطُّعَيِّمُ)
[ ١ / ٢١٧ ]
وَقَالَ آخر
(مَا تنقِم الحربُ العَوانُ منِّي بازِلَ عَاميْنِ حديثَسِن)
(لمثْل هَذَا ولَدَتني أُمّي)
وَقَالَ الآخر
(يطعَنها بخَنْجَرٍ من لَحْمِ بَيْنَ الذُّنابَى فِي مكانٍ سخْنِ)
وَلَا يصلُح مِثْلُ هَذَا إِلاَّ فِي حُرُوف مُتَقَارِبَة المخارج لأَنَّ القوافي نسق وَاحِد فالمتقارب يلْحق مَا كَانَ من لَفظه وَذَلِكَ قَوْله
(إِذا ركِبتُ فاجعلاني وَسَطا إِنِّي كَبيرٌ لَا أُطِيقُ العُنُدا)
وَلَا تُدْغَم الْمِيم فِيهَا لأَنَّ الْمِيم تنفرد بالشفة وإِنَّما تُشرب غُنَّة من الخياشيم فالميم دَاخِلَة عَلَيْهَا وَهِي بَائِنَة من الْمِيم والراءُ لَا تُدْغَم فِيهَا وَلَا شيءَ ممّا تُدْغَم فِيهِ / يدغم فِيهَا إِلاَّ اللامُ وَذَلِكَ قَبِيح وَقد ذكرته لَك وأَمّا قَلبهَا ميما مَعَ الباءِ فلأَنَّ الْكَلَام لَا يَقع فِي شيءٍ مِنْهُ مِيم سَاكِنة قبْلَ الباءِ فأَمِنوا
[ ١ / ٢١٨ ]
الالتباس وقلبوها ميما لشبهها الميمَ فِي الغنَّة ليَكُون الْعَمَل من وَجه وَاحِد فِي تقريب الْحَرْف إِلى الباءِ وأَمّا إِدغامها فِي الْوَاو فلعلل غير وَاحِدَة مِنْهَا مضارعةُ النُّون للياءِ وَالْوَاو لأَنَّها تزاد فِي مَوضِع زيادتها فتزاد ثَانِيَة وثالثةَ ورابعة فأَمّا زيادتها ثَانِيَة فنحو عَنْسل وعَنْبس لأَنَّ من العُسول والعُبوس وجُنْدَب وعُنْظَب وَجَمِيع مَا كَانَ على هَذَا الْوَزْن وَهَذَا مَوضِع زِيَادَة حُرُوف اللين نَحْو كَوْثَر وبيطر وتابل وضارب وَمَا أَشبه ذَلِك وتزاد ثَالِثَة فِي حَبْنَطّي وجَحَنْفَل وَهُوَ مَوضِع زِيَادَة الأَلف فِي قبائل / وحُبارَى وَالْوَاو فِي جَدْول وعجوز والياءِ فِي عِثْيَر وقضيب وَكَذَلِكَ ﴿تزاد﴾ النُّون رَابِعَة فِي رَعْشَن وضَيْفَن بحذاءِ الْوَاو والياءِ والأَلف فِي مثل قَوْلك سلْقَيْت وحبلى وَترْقُوة وَعرْقوة وَهَذَا أَكثر من أَن يُحْصى وَتَكون النُّون عَلامَة إِعراب فِي مثل قَوْلك يفْعَلَانِ والتنوين الَّذِي يدْخل الأَسماءَ وَالنُّون الثَّقِيلَة والخفيفة فِي الأَفعال وتبدل من الأَلف وتبدل الأَلف مِنْهَا تَقول رأَيت زيدا يَا فَتى فإِذا وقفت قلت رأَيت زيدا وأَمّا بدَلها من الأَلف فقولك فِي بهراءَ بهرانيّ وَفِي صنعاءَ صنعانيّ
[ ١ / ٢١٩ ]
وَكَذَلِكَ فَعْلان الَّذِي لَهُ فَعْلى إِنَّما نونه بدل من الأَلف الَّتِي هِيَ آخر حمراءَ وَقد مضى تَفْسِير هَذَا فِي الْكتاب فَهِيَ تصرّف مَعهَا فِي الزِّيَادَات والعلامات وَقد أُدغمت فِيمَا جاورها فِي الْمخْرج فأَشبهتها / لفظا وَمعنى وَكَذَلِكَ الياءُ فِي بَاب الزِّيَادَات والشبه وَمَعَ ذَلِك فإِنَّ النُّون تُدْغَم فِي الراءِ والياءِ على طَرِيق الراءِ وإِن بَعُد مخرجها مِنْهَا وَكَذَلِكَ اللَّام على طريقها أَلا ترى أَنَّ الأَلثغ بالراءِ يَجْعَلهَا يَاء وَكَذَلِكَ الأَلثغ بِاللَّامِ لأَنَّ هَذِه الحروفَ بعضُها يَقع على سنَن بعض وبعضٌ ينحرف عَن ذَلِك السنَن فأُدغمت فِي الياءِ لذَلِك فإِذا كَانَت فِي كلمة وَاحِدَة مَعَ ياءٍ أَو وَاو أَو مِيم ظَهرت لئلاَّ يلتبس بالمضاعف من غَيره نَحْو كنية وزَنْماءَ وقَنْواء وَزعم سِيبَوَيْهٍ أَنَّ النُّون إِنَّما أُدغمت فِي الْوَاو لأَنَّ الْوَاو من مَوضِع تعتلّ فِيهِ النُّون لأَنَّ الْوَاو وَالْمِيم من الشّفة وَلذَلِك تقلب النُّون الساكنة مَعَ الباءِ ميما لتعتلّ مَعَ الباءِ كَمَا اعتلَّت مَعَ ماهو من مخرجها وَلم تدغمها فِيهَا / لأَنَّها لَا تجانسها ولأَنَّ الياءَ لَا يدغم فِيهَا مَا هُوَ من مخرجها - لتصرّف الْمِيم وَالْوَاو وَذَلِكَ قَوْلك العَنْبَر والشَنْبَاءُ يَا فَتى وممّن أَنت وأُمن الالتباس لأَنَّه لَيْسَ فِي الْكَلَام مِيم سَاكِنة قبل ياءٍ وأَدغم النُّون فِي الياءِ لأَنَّ الياءَ وَالْوَاو عِنْده بِمَنْزِلَة مَا تقاربت مخارجه أَلا ترى أَنَّهما إِذا التقتا والأُولى سَاكِنة لزم الإِدغام نَحْو سيّد وأَيّام ولويت يَده لَيَّا وشويته شَيّا وَهَذَا يبيّن بعد فراغنا من أَمر النُّون إِن شاءَ الله
[ ١ / ٢٢٠ ]
النُّون تُدْغَم فِي خَمْسَة أَحرف الراءِ وَاللَّام والياءِ وَالْوَاو وَالْمِيم وتقلب مَعَ الباءِ كَمَا وصفت لَك وَزعم سِيبَوَيْهٍ أَنَّها مَعَ مَا تُدْغَم فِيهِ مخرجها من الْفَم لَا من الخياشيم لأَنَّها لَو كَانَت تُدْغَم فِي حُرُوف الْفَم وَهِي من الخياشيم مَعَ تبَاعد مَا بَينهمَا لجَاز أَن يدغم الأَبعد فِي الأَبعد وَهَذَا نقض الْبَاب وَالْخُرُوج من الْمَعْقُول وَالْقَوْل عِنْدِي كَمَا قَالَ / فِي جَمِيع هَذِه الحروفَ إِلاّ حُرُوف الشّفة فإِنَّ النُّون لَو كَانَت من مخرج الراءِ وَاللَّام لبعُدت من الْمِيم ولكنّ مخرجها مَعَ الْمِيم من الخياشيم لأَنَّ الْمِيم تخرج من الشّفة وَتصير إِلى الخياشيم للغُنَّة الَّتِي فِيهَا فتدغم فِيهَا الْمِيم لتِلْك الْمُجَاورَة فَهَذِهِ قصّة النُّون وَاعْلَم أَنَّ الياءَ وَالْوَاو بِمَنْزِلَة مَا تدانت مخارجه وَذَلِكَ لأَنَّهما مشتركتان فِي المدّ واللين وأَنَّهما يخرجَانِ جَمِيعًا مِنْهُمَا إِذا تحرّكتا وَكَانَ قبل كلّ وَاحِد مِنْهُمَا فَتْحة وَالْوَاو تخرج من الشّفة ثمّ تهوِي فِي الْفَم حتَّى تَنْقَطِع عِنْد مخرج الأَلف والياءُ تخرج من وسط اللِّسَان من مخرج الشين وَالْجِيم حتَّى تَنْقَطِع عِنْد مخرج الأَلف فهما متجاورتان فإِذا التقتا فِي كلمة والأُولى مِنْهُمَا سَاكِنة أَدغمت إِحداهما فِي الأُخرى فَمَا كَانَت الأُولى واوا وَالثَّانيَِة يَاء هُوَ نَحْو قَوْلك لويت يَده ليّة وشويته شَيَّا وأَصله لَوْية / وشَوْيا وإِن كَانَت الثَّانِيَة واوا قلبتها يَاء ثمّ أَدغمت الياءَ فِيهَا لأَنَّ الْوَاو تقلب إِلى الياءِ وَلَا
[ ١ / ٢٢١ ]
تقلب الياءُ إِليها لأَنَّ الْوَاو من الشّفة وَلَيْسَت من مجمع الْحُرُوف وإِنَّما الإِدغام نقلُ الأَثقل إِلى الأَخف والياءُ من مَوضِع الْحُرُوف وَذَلِكَ قَوْلك أَيّام فِي جمع يَوْم وإِنَّما الأَصل أَيْوام وَمثله سيّد وميّت وأَصلهما سَيْوِد ومَيْوِت وَكَذَلِكَ قَيَّام وقَيُّومُ إِنَّما هُوَ فَيْعَال وفَيْعُول وَاعْلَم أَنَّ مثل سيّد وميّت يجوز فِيهِ التَّخْفِيف فَتَقول سَيْد ومَيْت لأَنَّه اجْتمع تثقيل الياءِ والكسرة فحذفوا لذَلِك وَقَالُوا ميْت وهيْن ولَيْن وَقد فسّرنا حَال (فَيْعَلُول) من هَذَا فِيمَا تقدم نَحْو كَيْنُونة وقَيْدُود وَذكرنَا مَا يكون بَدَلا من الأَلف أَو غَيرهَا فَلَا يجوز إِدغامه نَحْو سُوِيْر وقُوْوِل وَزعم الْخَلِيل أَنَّ (يَوْمَ) كأَنَّه من " يُمْتُ " وَكَذَا يجب أَن يكون لَو كَانَ فِعْلا لأَنَّ ذَوَات الْوَاو إِذا كَانَت (فَعَلْت) فَهِيَ منقولة إِلى (فَعُلْت) مثل القَوْل والحوْل وَلَكِن اجْتمع فِيهَا حرفا علَّة وَكَانَ يجب أَن يقعا فِي (يفْعَل) ضمّة مَعَ ياءٍ وواو وَتَكون / الضمة فِي الياءِ وَهَذَا كلُّه مطَّرح من الْكَلَام فَلذَلِك لم يكن مِنْهَا فِعْل كَمَا لم يكن فِي ويل وويْح ووَيْس ووَيْب وَمَعْنَاهَا المصادر لما يجْتَمع فِيهَا من العلَّة وَلَا يكون فِعْل فِي مثل آءَة لأَنَّها حُرُوف كلُّها معتلّ لأَنَّ الأَلف من حُرُوف العلَّة وَكَذَلِكَ الهمزتان وَمثل ذَلِك (أَوّل) لأَنَّ الفاءَ وَالْعين واوان وَمَعْنَاهُ أَفْعَل أَلا ترى أَنَّك تَقول هُوَ أَوّل مِنْهُ والأَوّل والأُولى فَهَذِهِ أَشياءُ لَهَا مواقع من الْفِعْل وَكَانَ يجب فِي (أَفْعل) أَن يكون أَصله الفِعْل كَقَوْلِك
[ ١ / ٢٢٢ ]
هُوَ أَفضل من زيد إِنَّما مَعْنَاهُ يحسن فَوق حُسْن زيد فَكَذَلِك كَانَ يجب فِي (أَوّل) لَوْلَا مَا ذكرت لَك وَقَالَ الْخَلِيل لَو قلت (أَفْعَلْت) من الْيَوْم على قَول من قَالَ أَجْوَدت وأَطْيَبت لَقلت أَيّمت وَهَذَا لَا اختلافَ فِيهِ لأَنَّه كَانَ أَومت فلزمك الإِدغام لسكون الياءِ كَمَا قلت أَيّام وَقد مضى تَفْسِير هَذَا وَكَانَ يَقُول - وَهُوَ الَّذِي يُخَالِفهُ فِيهِ كثير من النحويّين - لَو قلت أُفْعِلَ من الْيَوْم لَقلت / أَووِم فقلبت الياءَ واوا لانضمام مَا قبلهَا كَمَا تَقول أُوقِن من أَيقنت وَلَا تُدْغَم لأَنَّ الأُولى حرف لين لأَنَّها منقلبة كانقلاب وَاو سُويِر وإِن كَانَت أَصلية أَلا ترى إِلى قَوْلك أُوقِنَ وبُوطِرَ من البيطرة لأَنَّا لمّا قلبنا ذَلِك جرى مجْرى الزَّائِد وَكَانَ يرى الملحق والأَصليّ إِذا كَانَ منقلبا كحروف اللين لَا يفصل بَين بعض ذَلِك وَبَعض والنحويّون أَجمعون على خِلَافه يَقُولُونَ فِي (أُفْعِلَ) من الْيَوْم أُيِّمَ لأَنَّ الْعين تلْزم الفاءَ كلزوم الْعَينَيْنِ إِحداهما فِي الأُخرى فِي قُوِّل وبُيِّع ويصرفون هَذَا على هَذَا فأَمَّا ظلمُوا واقِدا فَلَا يلْزم الْخَلِيل لأَنَّ الْوَاو قبلهَا ضمّة وَهِي بِمَنْزِلَة الأَلف فِي ظلما لأَنَّها تحلّ من الْجمع محلّ الأَلف من التَّثْنِيَة فيضارع سُويِرَ من سَايرَ فإِن قَالَ قَائِل فأَنت تطرح عَلَيْهَا حَرَكَة الْهمزَة إِذا خفّقت فَتَقول ظلموَ اخاك فإِن كَانَ حرف لين فَلَا يَنْبَغِي أَنْ / تُحَوَّل عَلَيْهَا الْحَرَكَة كَمَا لَا تحوّلها فِي النَّبِىء وخطيئة وبريئة
[ ١ / ٢٢٣ ]
قيل هَذَا لَا يلْزم لأَنَّها حرف لين فِي اللَّفْظ وَدخلت الْمَعْنى فَلَيْسَتْ كَمَا لَا تدخل إِلاَّ للمدّ نَحْو ياءِ فَعِيل وواو فَعُول أَلا ترى أَنَّ هَذِه إِذا كَانَت قبلهَا فَتْحة حرّكت لالتقاءِ الساكنين نَحْو اخشَوُا الرجل و﴿لتبلون فِي أَمْوَالكُم﴾ وَكَذَلِكَ الياءُ فِي قَوْلك اخْشَى الرجل فَهَذَا هَكَذَا وَلَو قَالَ رجل هُوَ يَغْزوَ باه للزمه مثل هَذَا وَالْوَاو لَام الْفِعْل وَتقول زيد يَغْزُوُمَّه فتضمّ الْوَاو لأَنَّ الضمّة فِي الْحَقِيقَة للهمزة وَكَذَلِكَ هُوَ يَغْزُوِ خْوانه فتكسر لهَذَا العلَّة وَهِي لَام الْفِعْل ولفظها لفظ اللين لسكونها وانضمام مَا قبلهَا وَكَذَلِكَ ياءُ (يقْضِي) فإِن دخل عَلَيْهَا مَا ينصب نصبتهما جَمِيعًا وأَنت تَقول هُوَ يقْضِي يَاسر ويغزو وَاقد فَلَا تُدْغَم لما ذكرنَا من لفظ اللين فإِن كَانَت قبل كلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا فَتْحة لم يكن إِلاَّ الإِدغام نَحْو اخشَوْا واقدا واخشَىْ ياسرا لأَنَّ لفظ / اللين قد ذهب وَفِي هَذَا دَلِيل على جَمِيع هَذَا الْكتاب
[ ١ / ٢٢٤ ]