اعْلَم أَنَّ كلَّ اسْم كَانَ على مِثَال الْفِعْل وزيادته لَيست من زَوَائِد الْأَفْعَال فإِنَّه مُنْقَلب حرف اللين كَمَا كَانَ ذَلِك فِي الأَفعال إِذ كَانَ وَزنهَا وَكَانَت زِيَادَته فِي مَوضِع زيادتها والنحويّون البصريّون يرَوْنَ هَذَا جَارِيا فِي كلّ مَا كَانَ على هَذَا الْوَزْن الَّذِي أَصفه لَك وَلست أَراه كَذَلِك إِلاَّ أَن تكون هَذِه الأَسماءُ مصَادر فتجري على أَفْعالها أَو تكون أَسماءً لأَزمنة الْفِعْل أَو لأَمكنته الدالَّة على الفِعْل فأَمَّا مَا صِيغ مِنْهَا / اسْما لغير ذَلِك فَلَيْسَ يلازمه الاعتلال لبعده من الفِعْل وسنأْتي على شرح ذَلِك إِن شاءَ الله تَقول فِي مَفْعَل إِذا أَردت بِهِ مَذْهَب الْفِعْل من القَوْل وَالْبيع وَمَا كَانَ مثل وَاحِد مِنْهُمَا مَقال ومَباع لأَنَّه فِي وزن أَقال وأَباع فالميم فِي أَوّله كالهمزة فِي أَوّلِ الْفِعْل فَلم تخف التباسا لأَنَّ الْمِيم لَا تكون من زَوَائِد الأَفعال فإِن بنيت مِنْهُ شَيْئا على مُفْعَل قلت مُقال ومُراد كَمَا كنت تَقول يُقال ويُراد
[ ١ / ١٠٧ ]
فإِن صغت اسْما لاتريد بِهِ مَكَانا من الْفِعْل وَلَا زَمَانا للْفِعْل وَلَا مصدرا قلت فِي مَفْعَل من القَوْل هَذَا مَقْوَل وَمن البيع مَبْيَع كَمَا قَالُوا فِي الأَسماءِ مَزْيَد وَقَالُوا إِنَّ الفُكاهة مَقْوَدةٌ إِلى الأَذى وعَلى هَذَا قَالُوا مَرْيَم وَلَو كَانَ مصدرا لَقلت مَراما وَهَذَا مَرامك إِذا أَردت الْموضع الَّذِي تروم فِيهِ وَكَذَلِكَ الزَّمَان وعَلى هَذَا استخرت مُستخارا فِي معنى الاستخارة / وانقدت منقادا فى معنى قَوْلك انقيادا وَاعْلَم أَن الْمصدر وَاسم الْمَكَان وَالزَّمَان بِزِيَادَة الْمِيم فى أَوائلها يكون لَفظهَا لفظ الْمَفْعُول اذا جَاوَزت الثَّلَاثَة من الْفِعْل وذالك لآنها مفعولات وَذَلِكَ نَحْو قَوْله ﴿وَقُلْ رَبِّيْ أَنْزِلْنِيْ مُنْزَلًا مُبَارَكا﴾ و﴿بِاسْمِ اللهِ مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ وَمَا أَشبه ذَلِك فأَمّا الْفَاعِل مِنْهَا فَيجْرِي عِلّة وزن (يُفْعِل) إِلا أَنَّ الْمِيم فِي أَوّل اسْمه مَضْمُومَة ليفصل بَين الِاسْم وَالْفِعْل وَالْمَفْعُول يجْرِي على مِثَال (يُفْعَل) إِلا أَنَّ الْمِيم فِي أَوّله ﴿مَضْمُومَة﴾ لأَنَّه اسْم وَالْمِيم آيَة الأَسماء فِيمَا كَانَ من الأَفعال المزيدة وَذَلِكَ قَوْلك للْفَاعِل مُقِيم ومُرِيد لأَنَّ فعله يُقِيم ويُرِيد وَالْمَفْعُول مُقام ومُراد على مِثَال يُقام ويُراد فإِن كَانَت هَذِه الْمِيم فِي اسْم وَلم يكن بهَا على مِثَال الْفِعْل فالاسم تامّ وَذَلِكَ قَوْلك رجل مِقْوَل ومِخْيَط ومِشْوَار من الشارة والهيئة ومِسْواك فَيتم لأَنَّه إِنَّما اعتلّ الِاسْم لإِجرائه على الْفِعْل فلمّا خرج عَن ذَلِك كَانَ على أُصول الأَسماءِ
[ ١ / ١٠٨ ]
وَلَو / بنيت مثل جَعْفَر من قلت وبعت لَقلت قَوْلَل وبَيْعَع فإِن قَالَ قَائِل هَذَا ممّا تلْزمهُ العلَّة لأَنَّه على مِثَال دحرج قيل لَهُ يمْتَنع هَذَا من العلَّة لشيئين أَحدهما الإِلحاق بدحرج لأَنَّ الملحق بأَلا صلىِّ يَقع على مِثَاله والعلَّة الأُخرى أَنَّ الياءَ وَالْوَاو لَا تقع وَاحِدَة مِنْهُمَا أَصلا فِي ذَوَات الأَربعة إِلاَّ فِيمَا كَانَ مضاعفا نَحْو الوَحْوَحَة والوَعْوَعَة وَمَا كَانَ مثله فَلهَذَا امتنعنا من العلَّة فِي هَذَا البناءِ ونبيّن هَذَا فِي مَوْضِعه بعد مقدّماته إِن شاءَ الله فإِن كَانَت الياءُ وَالْوَاو بعد حرف متحرّك لم تُلْقَ على مَا قبلهمَا حركةُ وَاحِدَة مِنْهُمَا لأَنَّ قِيَاس المتحرّك الَّذِي قبلهمَا قياسُ قَاف قَالَ وباءِ بَاعَ وَذَلِكَ قَوْلك اخْتَار الرجل وانقاد وأَصلهما اخْتَيَر وانْقَوَد لأَنَّ اخْتَار انفعل من الْخَيْر وانقاد انفعل من القوْد فَصَارَت أَواخرهما كقال وَبَاعَ فَمَا كَانَ يلْزم فِي ذَاك فَهُوَ فِي هَذَا لَازم فَهَذِهِ جملَة كَافِيَة فِيمَا يرد عَلَيْك من بابهما إِن شاءَ الله فإِن كَانَت زَوَائِد الأَسماءِ كزوائد الأَفعال / لم يكن فِي الأَسماءِ إِلاَّ التصحيحُ لئلاَّ يلتبسا وَذَلِكَ أَنَّك لَو بنيت أَفْعَل من القَوْل وَالْبيع اسْما لَقلت أَقْوَلُ وأَبْيَعُ يَا فَتى كَمَا تَقول زيد أَقْوَلُ النَّاس وأَبْيَعُهم لئلاَّ يلتبسا بِمثل أَخاف وأَراد وَمَا أَشبهه وعَلى هَذَا تَقول أَقْوِلة وأَبْيِعة لئلاَّ يلتبس بِقَوْلِك أَبِيع وَمَا أَشبهه
[ ١ / ١٠٩ ]
وَكَذَلِكَ أَبْيِناءُ لأَنَّ أَلف التأْنيث لَا يُعْتدّ بهَا فَالْكَلَام بِغَيْر الأَلف إِنَّما هُوَ أَفْعَل فَهَذَا ممَّا لَا اخْتِلَاف فِيهِ بَين النحويّين فإِن كَانَت الزَّائِدَة لَا تبلغ بِهِ مثالَ الأَفعال فإِنَّ الِاسْم يعتلّ عِنْد سِيبَوَيْهٍ والخليل وَغَيرهمَا من البصريّين وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ بَينه وَبَين مِثَال الأَفعال فصْل بحركة فَيَقُولُونَ لَو بنينَا مثل (تِفْعِل) من القَوْل لقلنا تِقِيْل وَكَانَ أَصله تِقْوِل ولكنَّا أَلقينا حَرَكَة الْوَاو على مَا قبلهَا فسكنت وَقبلهَا كسرة فَانْقَلَبت يَاء فَلَو قُلْنَاهُ من البيع لقلنا تِبِيع وَكَذَلِكَ لَو بنينَا (تفعل) مِنْهُمَا لقلنا تُقُوْل وتُبُوْعٌ كَمَا يَقُولُونَ فِيمَا لحقته الْمِيم وَلَيْسَ بمشتق من الْفِعْل مصدرا وَلَا مَكَانا وَقَالُوا فُعِل هَذَا لأَنَّ زِيَادَته من زِيَادَة الأَفعال والحركةُ قد رفعت اللّبْس / وَلَا أَراه كَمَا قَالُوا لأَنَّه لَيْسَ مبنيّا على فِعْل فتلحقه علَّته وَلَا هُوَ على مِثَاله
[ ١ / ١١٠ ]