أعلم أَنَّك إِذا أرت بِالثَّانِي مَا أردْت بِالْأولِ من الإجراء على الْحَرْف لم يكن إِلَّا منسوقا عَلَيْهِ تَقول أُرِيد أَن تقوم فَتضْرب زيد وَأُرِيد أَن تَأتِينِي وتكرمني وَأُرِيد أَن تجْلِس ثمَّ تَتَحَدَّث يَا فَتى فَإِن كَانَ الثَّانِي خَارِجا عَن معنى الأول كَانَ مَقْطُوعًا مستأنفًا وَذَلِكَ قَوْلك أُرِيد أَن تَأتِينِي فتقعد عني وَأُرِيد أَن تكرم زيدا فتهينه فَالْمَعْنى أَنه لم يرد الإهانة إِنَّمَا أَرَادَ الْإِكْرَام فَكَأَنَّهُ فِي التَّمْثِيل أُرِيد أَن تكرم زيدا فَإِذا أَنْت تُهينه وَأُرِيد أَن تَأتِينِي فَإِذا أَنْت تقعد عني كَمَا قَالَ
(والشِعْرُ لَا يَضْبِطُهُ مِنْ يظلِمهُ )
(إِذا أرتقى فيهِ الَّذِي لَا يعْلَمُهُ )
(زَلّتْ بِهِ إِلَى الحَضيضِ قَدَمَهُ )
(يُريدُ أَن يُعرِبَهُ فَيُعجِمَهُ )
[ ٢ / ٣٣ ]
أَي فَإِذا هُوَ يعجمه أَي فَإِذا هُوَ هَذِه حَاله فعلى هَذَا يجْرِي فِي هَذَا الْبَاب وَلَو قَالَ قَائِل أُرِيد أَن تَأتِينِي وَأَنت تكرمني أَي أُرِيد أَن تَأتِينِي وَهَذِه حالك لجَاز وَتقول أُرِيد أَن تَتَكَلَّم بِخَير أَو تسكت يَا فَتى فالنصب على وَجْهَيْن أَحدهمَا أُرِيد ذَا أَو ذَا وَالْوَجْه الآخر أَن يكون حَتَّى تسكت كَمَا تَقول لَأَجْلِسَن مَعَك أَو تَنْصَرِف يَا فَتى على قَوْلك حَتَّى تَنْصَرِف فَأَما قَوْله ﷿ ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا﴾ فَإِن النَّحْوِيين يَزْعمُونَ أَن الْكَلَام لَيْسَ مَحْمُولا على أَن يكلمهُ الله وَلَو كَانَ يُرْسل مَحْمُولا على ذَلِك لبطل الْمَعْنى لِأَنَّهُ كَانَ يكون مَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله أَو يُرْسل أَي مَا كَانَ لبشر أَن يُرْسل الله إِلَيْهِ رَسُولا فَهَذَا لَا يكون وَلَكِن الْمَعْنى وَالله أعلم مَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَي إِلَّا أَن يُوحى أَو يُرْسل فَهُوَ مَحْمُول على قَوْله وَحيا أَي إِلَّا وَحيا أَو إرْسَالًا وَأهل الْمَدِينَة يقرؤن أَو يُرْسل رَسُولا يُرِيدُونَ أَو هُوَ يُرْسل رَسُولا أَي فَهَذَا كَلَامه إيَّاهُم على مَا يُؤَدِّيه الْوَحْي وَالرَّسُول
[ ٢ / ٣٤ ]
وَأم قَوْله ﴿لنبين لكم ونقر فِي الْأَرْحَام﴾ على مَا قبله وتمثيله وَنحن نقر فِي الْأَرْحَام مَا نشَاء وَأما قَوْله ﴿وَلَا يَأْمُركُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَة﴾ فَيقْرَأ رفعا ونصبا فَأَما النصب فعلى قَوْله ﴿مَا كَانَ لبشر أَن يؤتيه الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة ثمَّ يَقُول للنَّاس﴾ أَي مَا كَانَ لَهُ أَن يَقُول للنَّاس وَلَا أَن يَأْمُركُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَة وَمن قَرَأَ ﴿يَأْمُركُمْ﴾ فَإِنَّمَا أَرَادَ وَلَا يَأْمُركُمْ الله وقطعه من الأول فالمعنيان جَمِيعًا جيدان يرجعان إِلَى شَيْء وَاحِد إِذا حصلا وَلَو قَالَ قَائِل أُرِيد أَن تَأتِينِي ثمَّ تحسن إِلَيّ لَكَانَ مَعْنَاهُ أُرِيد إتيانك ثمَّ قد اسْتَقر عِنْدِي أَنَّك تحسن إِلَيّ أَي فَهَذَا مِنْك مَعْلُوم عِنْدِي وَالتَّقْدِير فِي الْعَرَبيَّة أُرِيد أَن تَأتِينِي ثمَّ أَنْت تحسن إِلَيّ - - وَتقول أَمرته أَن يقوم يَا فَتى فَالْمَعْنى أَمرته بِأَن يقوم إِلَّا أَنَّك حذفت حرف الْخَفْض وحذفه مَعَ أَن جيد
[ ٢ / ٣٥ ]
وَإِن كَانَ الْمصدر على وَجهه جَازَ الْحَذف وَلم يكن كحسنه مَعَ أَن لِأَنَّهَا وصلتها اسْم فقد صَار الْحَرْف وَالْفِعْل وَالْفَاعِل اسْما وَإِن اتَّصل بِهِ شَيْء صَار مَعَه فِي الصِّلَة فَإِذا طَال الْكَلَام احْتمل الْحَذف فَأم الْمصدر غير أَن فنحو أَمرتك الْخَيْر يَا فَتى كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(أَمرتك الخيرَ فافعَلْ مَا أُمِرْتَ بهِ فقدْ تركتُكَ وَذَا مالٍ وَذَا ونَشَبِ)
فَهَذَا يصلح على الْمجَاز فَأَما أَن فَالْأَحْسَن مِنْهَا الْحَذف كَمَا قَالَ الله ﷿ ﴿وقّضى رَبُكَ أنْ لَا تَعبُدوا إِلَّا إيّاه﴾ وَمعنى قضى هَا هُنَا أَمر وَأما قَوْله ﴿وَأمرت لِأَن أكون﴾ فَإِنَّمَا حمل الْفِعْل على الْمصدر فَالْمَعْنى وَالله اعْلَم أوقع إِلَى هَذَا الْأَمر لذا
[ ٢ / ٣٦ ]
وَهَذِه اللَّام تدخل على الْمَفْعُول فَلَا تغير مَعْنَاهُ لِأَنَّهَا لَام إِضَافَة وَالْفِعْل مَعهَا يجْرِي مجْرى مصدره كَمَا يجْرِي الْمصدر مجْرَاه فِي الرّفْع وَالنّصب لما بعده لِأَن الْمصدر اسْم الْفِعْل قَالَ الله ﷿ ﴿إِن كُنْتُم للرؤيا تعبرون﴾ وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين فِي قَوْله ﴿قل عَسى أَن يكون ردف لكم﴾ مَعْنَاهُ رِدفَكُمْ وَتقول لزيد ضربت ولعمرو أكرمت إِذا قدمت الْمَفْعُول لتشغل اللَّام مَا وَقعت عَلَيْهِ فَإِن أَخَّرته فَالْأَحْسَن أَلا تدْخلهَا إِلَّا أَن يكون الْمَعْنى مَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فَيكون حسنا وحذفه أحسن لِأَن جَمِيع الْقُرْآن عَلَيْهِ
[ ٢ / ٣٧ ]