فَمن ذَلِك مَنْ وَهِي لمن يعقل تكون فِي الْخَبَر والاسنفهام والمجازاة وَتَكون فِي الْخَبَر معرفَة ونكرةً فإِذا كَانَت معرفَة لزمتها الصِّلَة كَمَا تلْزم الَّذِي وإِذا كَانَت نكرَة لَزِمَهَا النَّعْت لإبهامها فأَمّا كَونهَا فِي الإِستفهام فكقولك مَنْ ضربك ومنْ أَخوك وأَمَّا المجازاة فقولك مَنْ يأْتني آته وأَمَّا الْخَبَر فرأَيت مَنْ عنْدك وأَمَّا كَونهَا نكرَة فقولك مَرَرْت بمَنْ صالحٍ كَمَا قَالَ
(يَا رُبَّ مَنْ يُبْغِضُ أَذْوَادَنا رُحْنَ على بَغْضائهِ واغْتَدَيْنْ)
أَلا ترى أَنَّها فِي جَمِيع هَذَا وَاقعَة على الآذمييّن وَمِنْهَا مَا وَهِي سُؤال عَن ذَات غير الآدمييّن وَعَن صِفَات الآدمييّن وَتَقَع فِي جَمِيع مَوَاضِع مَنْ وإِن كَانَ مَعْنَاهَا مَا وصفت لَك وَذَلِكَ قَوْلك فِي الِاسْتِفْهَام مَا عنْدك فَلَيْسَ جَوَاب هَذَا أَن تَقول زيد أَو عَمْرو وإِنَّما جَوَابه أَن تُخْبر بِمَا شِئْت مِنْ / غير الآدمييّن إِلاّ أَن تَقول رجل فتخرجه إِلى بَاب الأَجناس
[ ١ / ٤١ ]
وَيكون سؤالا عَن جنس الآدمييّن إِذا دخل فِي الأَجناس أَو تجْعَل الصّفة فِي مَوضِع الْمَوْصُوف كَمَا تَقول مَرَرْت بعاقل ومررت بحليم فإِنَّ مَا على هَذِه الشريطة تقع على الآدمييّن لإِبهامِها قَالَ الله ﷿ ﴿إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم﴾ ف (مَا) هَهُنَا للآدمييّن وَكَذَلِكَ تَقول رأَيت مَا عنْدك فِي معنى الَّذِي وَتقول مَا تصنعْ أَصْنعْ على المجازاة وَقد قيل فِي قَوْله ﷿ مَعْنَاهُ أَو مِلْك أَيمانهم وَكَذَا قيل فِي قَوْله ﷿ ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بناها﴾ أَي وبنائها وَقَالُوا وَالَّذِي بناها وأَمَّا وُقُوعهَا نكرةٌ فَقَوله
(رُبَّ مَا تكره النفوسُ من الأَمْر لَهُ فَرْجَةٌ كَحَلِّ العِقَالِ)
وَاعْلَم أَنَّه لَا يكون اسْم على حرفين إِلاَّ وَقد سقط مِنْهُ حرف ثَالِث يُبَيّن لَك ذَاك التصغير وَالْجمع فالأَسماءُ على أُصول ثَلَاثَة بِغَيْر زِيَادَة على ثَلَاثَة وأَربعة وَخَمْسَة والأَفعال على أَصلين ٧ على ثَلَاثَة وأَربعة وَنَذْكُر هَذَا فِي مَوْضِعه / وممّا جاءَ على حرفين من الْحُرُوف الَّتِي جاءَت لِمَعْنى والأَسماءِ الدَّاخِلَة على هَذِه الْحُرُوف قَوْلهم قَدْ وَهِي تكون اسْما إِذا كَانَت فِي مَوضِع حَسْب نَحْو قَوْلك كأَنْ قَدْ وَنَحْو قَوْلك قَدْكَ من هَذَا أَي حسبُك وَتَكون حرفا جاءَ لِمَعْنى فإِذا كَانَت كَذَلِك فلهَا موضعان من الْكَلَام
[ ١ / ٤٢ ]
أَحدهما أَن تكون لقوم يتوقَّعون الْخَبَر نَحْو قَوْلك هَل جاءَ زيد فَيَقُول لَك قد جاءَ وَتقول لمّا يأَتِ فَيَقُول لَك قد أَتى وَتَكون فِي مَوضِع ربمَّا كَقَوْلِه
(قَدْ أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرَّا أَنَامِلُه كأَنَّ أَثْوَابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصَادِ)
وَقَوله
(وقدْ أَقُودُ أَمَامَ الخيلِ سَلْهَبَةً يَهدِي لَهَا نَسَبٌ فِي الحَيّ مَعلومُ)
وَمِنْهَا هَلْ وَهِي للاستفهام نَحْو قَوْلك هَل جاءَ زيد وَتَكون بِمَنْزِلَة قد فِي قَوْله ﷿ ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر﴾ لأَنَّها تخرج
[ ١ / ٤٣ ]
تخرج عَن حدّ الِاسْتِفْهَام تدخل عَلَيْهَا حُرُوف الِاسْتِفْهَام نَحْو قَوْلك أَمْ هَل فعلت وإِن احْتَاجَ الشَّاعِر إِلى أَن يُلْزمها الأَلف فعَلَ كَمَا قَالَ
(سائِلْ فَوَارِسَ يَرْبُوعٍ بِشدَّتِنا أَهلْ رأَوْنا بِسَفْح القُفِّ ذِي الأَكّمِ)
وَمِنْهَا مِنْ وأَصلها ابتداءُ الْغَايَة نَحْو سرت من مكّة إِلى الْمَدِينَة وَفِي الْكتاب من فلَان إِلى فلَان فَمَعْنَاه أَنَّ ابتداءَه من فلَان ومحلَّه فلَان وكونهُا فِي التَّبْعِيض راجعٌ إِلى هَذَا وَذَاكَ أَنَّك تَقول أَخذت مَال زيد فإِذا أَردت الْبَعْض قلت أَخذت من مَاله فإِنَّما رجعت بهَا إِلى ابْتِدَاء الْغَايَة وقولك زيد أَفضل من عَمْرو إِنَّما جعلت غَايَة تفضيله عمرا فإِذا عرفت فضل عَمْرو علمت أَنَّه فَوْقه
[ ١ / ٤٤ ]
وأَمَّا قَوْلهم إِنَّها تكون زَائِدَة فلست أَرى هَذَا كَمَا قَالُوا وَذَاكَ أَنَّ كلّ كلمة إِذا وَقعت وَقع مَعهَا معنى فإِنما حدثت لذَلِك الْمَعْنى وَلَيْسَت بزائدة فَذَلِك قَوْلهم مَا جَاءَنِي من أَحد وَمَا رأَيت من رجل فَذكرُوا أَنَّها زَائِدَة وأَنَّ الْمَعْنى مَا رأَيت رجلا وَمَا جاءَني أَحد وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا / وَذَلِكَ لأَنَّها إِذا لم تدخل جَازَ أَن يَقع النَّفْي بِوَاحِد دون سَائِر جنسه تَقول مَا جاءَني رجل وَمَا جاءَني عبد الله إِنَّما نفيت مَجِيء وَاحِد وإِذا قلت مَا جاءَني من رجل فقد نفيت الْجِنْس كلَّه أَلا ترى أَنَّك لَو قلت مَا جاءَني مِنْ عبد الله لم يجز لأَنَّ عبد الله معرفَة فإِنَّما مَوْضِعه مَوضِع وَاحِد وَمِنْهَا (قَطْ) وَمَعْنَاهَا حَسْب وَهِي اسْم وقولك قطْك فِي معنى قَوْلك حَسْبُك وَمن هَذِه الْحُرُوف (فِي) وَمَعْنَاهَا مَا استوعاه الوِعاءُ نَحْو قَوْلك النَّاس فِي مَكَان كَذَا وَفُلَان فِي الدَّار
[ ١ / ٤٥ ]
فأَمَّا قَوْلهم فِيهِ عَيْبَان فمشتقّ من ذَا لأَنَّه جعله كالوعاء للعيبَيْن وَالْكَلَام يكون لَهُ أَصل ثُمّ يتسَّع فِيهِ فِيمَا شاكل أَصله فَمن ذَلِك قَوْلهم زيد على الْجَبَل وَتقول عَلَيْهِ دَين فإِنَّما أَرادوا أَنَّ الدَّيْن قد ركِبه وَقد قهره وَقد يكون اللَّفْظ وَاحِدًا ويدلّ على اسْم وفِعْل نَحْو قَوْلك زيد على الجبلِ يَا فَتى وَزيد / علا الجبلَ فَيكون (علا) فِعْلاَ وَيكون حرفا خَافِضًا وَالْمعْنَى قريب وَمن كَلَامهم اخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ لاخْتِلَاف الْمَعْنيين وَاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ وَالْمعْنَى وَاحِد واتِّفاق اللَّفْظَيْنِ وَاخْتِلَاف الْمَعْنيين فأَمَّا اخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ لاخْتِلَاف الْمَعْنيين فَهُوَ الْبَاب نَحْو قَوْلك قَامَ وَجلسَ وَذهب وجاءَ وجمل وجبل وأَما اخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ وَالْمعْنَى وَاحِد فنحو جلس وَقعد وقولك بُرَّ وحنطة وذراع وساعد وأَمَّا اتِّفَاق اللَّفْظَيْنِ وَاخْتِلَاف الْمَعْنيين فقولك ضربت مثلا وَضربت زيدا وَضربت فِي الأَرْض إِذا أَبعدت وَكَذَلِكَ وجدت تكون من وِجْدان الضالَّة وَتَكون فِي معنى علمت كَقَوْلِك وجدت زيدا كَرِيمًا وَفِي معنى الموجِدة نَحْو وجَدت على زيد فَهَذَا عَارض فِي الْكتاب ثُمّ نعود إِلَى الْبَاب وَمِنْهَا لَمْ وَهِي نفي للْفِعْل الْمَاضِي ووقوعها على الْمُسْتَقْبل من أَجل أَنَّها عاملة وعملها الْجَزْم وَلَا جزم إِلاَّ لمُعرَب وَذَلِكَ قَوْلك قد فعل فَتَقول مكذِّبا لم يفعلْ فإِنَّما نفيت أَن يكون فَعَل / فِيمَا مضى
[ ١ / ٤٦ ]
والحروف تدخل على الأَفعال فتنقلها نَحْو قَوْلك ذهب وَمضى فتخبر عمّا سلف فإِن اتَّصلت هَذِه الْأَفْعَال بحروف الْجَزَاء نقلتها إِلى مَا لم يَقع نَحْو إِن جئتني أَكرمتك وإِن أَكرمتني أَعطيتك فإِنَّما مَعْنَاهُ إِن تكرمني أُعطك وَمن هَذِه الْحُرُوف (لَنْ) وإِنَّما تقع على الأَفعال نَافِيَة لِقَوْلِك سيفعل لأَنَّك إِذا قلت هُوَ يفعل جَازَ أَن تخبر بِهِ عَن فِعْل فِي الْحَال وعمّا لم يَقع نَحْو هُوَ يصلِّي أَي هُوَ فِي حَال صَلَاة وَهُوَ يصلِّي غَدا فإِذا قلت سيفعل أَو سَوف يفعل فقد أَخلصت الْفِعْل لما لم يَقع فإِذا قلت لن يفعل فَهُوَ نفي لقَوْله سيفعل كَمَا أَنَّ قَوْلك مَا يفعل نفي لقَوْله هُوَ يفعل وَمِنْهَا (لَا) وموضعها من الْكَلَام النَّفْي فإِذا وَقعت على فِعْل نفتْه مُسْتَقْبلا وَذَلِكَ قَوْلك لَا يقوم زيد وحقُّ نَفيهَا لما وَقع مُوجبا بالقسم كَقَوْلِك ليقومَنَّ زيد فَتَقول لَا يقوم يَا فَتى كأَنَّك قلت وَالله ليقومنّ فَقَالَ الْمُجيب وَالله لَا يقوم / وإِذا وَقعت على اسْم نفته من مَوْضِعه كَقَوْلِك لَا رجل فِي الدارَ وَلَا زيدٌ فِي الدَّار وَلَا عمروٌ ويفرد لهَذَا بَاب يستقصى فِيهِ إِن شاءَ الله ولوقوعها زَائِدَة فِي مثل قَوْله ﴿لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ أَنْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ أَي ليعلم كَمَا قَالَ الراجز
(وَمَا أَلومُ البِيضَ أَلاَّ تَسْخَرَا لَمّا رَأَيْنَ الشَمَطَ القَفَنْدرَا)
وَمن الْحُرُوف مَا يُستجمع فِيهِ مَعانٍ فَمن ذَلِك (مَنْ) لَهَا أَربعة مَوَاضِع كَمَا ذكرت لَك
[ ١ / ٤٧ ]
وَمن ذَلِك (مَا) لَهَا خَمْسَة مَوَاضِع تكون جَزَاء فِي قَوْلك مَا تصنعْ أَصنعْ وَتَكون استفهاما فِي قَوْلك مَا صنعت وَتَكون بِمَنْزِلَة الَّذِي فِي قَوْلك أَرأَيت مَا عنْدك إِلاَّ أَنَّها فِي هَذِه الْمَوَاضِع اسْم ووقوعها على ذَات غير الآدميّين نَحْو قَوْلك إِذا قَالَ مَا عنْدك فرس أَو حمَار أَو مَال أَو بُرّ وَلَيْسَ جَوَاب قَوْله مَا عنْدك زيد وَلَا عَمْرو وَقد خبّرتك بعمومها فِي قَوْله ﴿إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم﴾ وأَمَّا وُقُوعهَا لصفات الآدميّين فكقولهم / مَا زيد فَيَقُول شرِيف أَو وضيع وَلها موضعان تقع فيهمَا وَلَيْسَت باسم إِنَّما هِيَ فيهمَا حرف فأَحدهما النَّفْي نَحْو قَوْلك مَا زيد فِي الدَّار وَمَا يقوم زيد والموضع الآخر هِيَ فِيهِ زَائِدَة مؤكِّدة لَا يخلّ طرحها بِالْمَعْنَى كَقَوْل الله ﷿ ﴿فَبِمَارَحْمَةٍ﴾ وَكَذَلِكَ ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم﴾ وَمن الْحُرُوف الَّتِي يستجمع لَهَا مَعانِ أَنْ الْخَفِيفَة لَهَا أَربعة مَوَاضِع فَمن ذَلِك الْموضع الَّذِي تنصب فِيهِ الْفِعْل فمعناها أَنَّها وَالْفِعْل فِي معنى الْمصدر وَذَلِكَ قَوْلك يسرّني أَنْ تقوم يَا فَتى مَعْنَاهُ يسرّني قيامك وأُريد أَن تذْهب يَا فَتى إِنَّما هُوَ أُريد ذهابَك وَلَا يَقع فِي الْحَال إِنَّما يَقع مَعَ الْفِعْل المسْتقبل لما بعْدُ نَحْو يسرّني أَن تذْهب غَدا وَمَعَ الْفِعْل الْمَاضِي لما قد فرط نَحْو يسرّني أَن ذهبت وأَن كلّمت زيدا لأَنَّ مَعْنَاهُ مَا مضى وَتَكون مخفَّفة من الثَّقِيلَة نَحْو قَوْلك / علمت أَنْ زيدٌ خيرٌ من عَمْرو وَمَعْنَاهُ علمت أَنَّ زيدا خيرٌ من عَمْرو
[ ١ / ٤٨ ]
والفصل بَين (أَنْ) خَفِيفَة وَبَين (أَنْ) المخفَّفة من الثَّقِيلَة أَنّ الْخَفِيفَة لَا تقع ثَابِتَة إِنَّما تقع مَطْلُوبَة أَو متوقَّعة نَحْو أَرجو أَنْ تذهبَ وأَخاف أَنْ تقومَ فإِذا وَقعت مخفَّفة من الثَّقِيلَة وَقعت ثَابِتَة على معنى الثَّقِيلَة نَحْو أَعلم أَنْ ستقومُ على معنى قَوْلك أَنَّك ستقوم وَلَا يصلح أَرجو أَنَّك ستقوم لأَنَّه لم يسْتَقرّ عِنْده لأَنَّ الثَّقِيلَة إِنَّما تدخل على ابتداءِ مستقرّ فأَمَّا (ظَنَنْت) فإِنَّ الثَّقِيلَة والخفيفة يجوزان بعْدهَا تَقول ظَنَنْت أَنَّك منطلق تخبر أَنَّ هَذَا قد استقرّ فِي ظنِّك كَمَا اسْتَقر الأَول فِي عِلْمك وَيجوز للتشكُّك أَن تقع على الْخَفِيفَة لأَنَّها ترجع إِلى معنى أَرجو وأَخاف وَمن ذَلِك قَول الله ﷿ ﴿تظن أَن يفعل بهَا فاقرة﴾ وَتَقَع (أَنْ) فِي / مَوضِع (أَيْ) الْخَفِيفَة للعِبارة وَالتَّفْسِير كَقَوْلِه ﷿ ﴿وَانْطَلق الْمَلأ مِنْهُم أَن امشوا واصبروا على آلِهَتكُم﴾ مَعْنَاهُ أَي امشوا وَلَا تقع إِلاَّ بعد كَلَام تَامّ لأَنَّه إِنَّما يفسّر بعد تَمَامه وَتَقَع زَائِدَة توكيدا كَقَوْلِك لمّا أَنْ جاءَ ذهبت وَوَاللَّه أَنْ لَو فعلت لفَعَلت فإِن حُذِفتْ لم تُخلِلْ بِالْمَعْنَى فَهَذِهِ أَربعة أَوجه وَكَذَلِكَ الْمَكْسُورَة تقع على أَربعة أَوجه فمنهنَّ الجزاءُ نَحْو إِنْ تأْتني آتِك
[ ١ / ٤٩ ]
ومنهنّ أَن تكون فِي معنى مَا نَحْو إِنْ زيد فِي الدَّار أَي مَا زيد فِي الدَّار وَقَالَ الله ﷿ ﴿إِن الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غرور﴾ وَقَالَ ﴿إِن يَقُولُونَ إِلَّا كذبا﴾ وَتَكون مخفَّفة من الثَّقِيلَة فإِذا كَانَت كَذَلِك لزِمتها اللَّام فِي خَبَرهَا لئلاّ تلتبسَ بالنافية وَذَلِكَ قَوْلك إِنْ زيدٌ لمُنْطلقٌ وَقَالَ الله ﷿ ﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ / فإِن نصبتَ بهَا لم تَحْتَج إِلى اللَّام نَحْو أَنْ زيدا منطلق لأَنَّ النصب قد أَبان وَجَاز النصب بهَا إِذا كَانَت مخفَّفة من الثَّقِيلَة وَكَانَت الثَّقِيلَة إِنَّما نصبتْ لشبهها بِالْفِعْلِ فلمَّا حُذف مِنْهَا صَار كفِعْل مَحْذُوف فعَمَلُ الْفِعْل واحدٌ وإِن حُذِف مِنْهُ كَقَوْلِك لم يَكُ زيد مُنْطَلقًا وكقولك عِ كلَاما وأَمّا الَّذين رفعوا بهَا فَقَالُوا إِنّما أَشبهت الفِعْل فِي اللَّفْظ لَا فِي الْمَعْنى فلمّا نقصت عَن ذَاك اللَّفْظ الَّذِي بِهِ أَشبهت الْفِعْل رَجَعَ الْكَلَام إِلى أَصله لأَنَّ مَوضِع إِنَّ الابتداءُ أَلا ترى أَنَّ قَوْلك إِنَّ زيدا لمنطلق إِنَّما هُوَ زيد منطلق فِي الْمَعْنى ولمّا بَطل عَملهَا عَاد الْكَلَام إِلى الِابْتِدَاء فبالابتداء رفعته لَا بإِنَّ وَمَا بعده خَبره وَهَذَا القَوْل الثَّانِي هُوَ الْمُخْتَار وَلَيْسَ كَذَا كأَنَّ إِذا خفّفت لأَنَّك إِذا قلت كأَنَّ تشبّه فإِذا خفَّفُّت فَذَلِك الْمَعْنى تُرِيدُ
[ ١ / ٥٠ ]
وقولك (لكنَّ) بِمَنْزِلَة إِنَّ فِي تخفيفها وتثقيلها فِي النصب وَالرَّفْع وَمَا يخْتَار فيهمَا لأَنَّها على الِابْتِدَاء دَاخِلَة / وَتَكون (إِنْ) زَائِدَة فِي قَوْلك مَا إِنْ زيد منطلق فَيمْتَنع (مَا) بهَا من النصب الَّذِي كَانَ فِي قَوْلك مَا زيد مُنْطَلقًا كَمَا يمْتَنع (إِنَّ) الثَّقِيلَة بهَا من النصب فِي قَوْلك إِنَّما زيد أَخوك فَمن ذَلِك قَوْله
(فَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ ولكنْ مَنايانا ودَوْلةُ آخِرينا)
فقد ذكرنَا من الْحُرُوف والأسماء الَّتِي تقع على حرفين مَا فِيهِ دَلِيل على تَأْوِيل مَا كَانَ مثله ممّا لم نذكرهُ إِن شاءَ الله وَنَذْكُر من الْآلَات الَّتِي على ثَلَاثَة أَحرف مَا يدلّ على مَا بعده من ذَلِك عِنْد وَمَعْنَاهَا الحضرة نَحْو قَوْلك زيد عنْدك فإِن قلت عِنْد فلَان عِلْم أَو عِنْده مَال أَي لَهُ مَال وإِن لم يكن بِحَضْرَتِهِ فإِنّما أَصْله هَذَا وإِن اتَّسع كَمَا تَقول على زيد ثوبٌ فَهَذَا صَحِيح فإِن قلت عَلَيْهِ مالٌ فتمثيل لأَنَّه قد رَكبه وَمن هَذِه الْحُرُوف لَدُنْ وَهِي اسْم فمعناها عِنْد يدلُّك على أَنَّه اسْم دُخُول الْآلَات كَقَوْلِك مِنْ لَدُنْك كَمَا تَقول من عنْدك
[ ١ / ٥١ ]
وَمِنْهَا أَيَّان وأَصله الثَّلَاثَة وإِن / زَادَت حُرُوفه وَمَعْنَاهُ مَتى كَقَوْلِه ﷿ ﴿يسْأَل أَيَّانَ يَوْم الْقِيَامَة﴾ فَهَذِهِ الْحُرُوف تفتح لَك مَا كَانَ من هَذِه الْآلَات
[ ١ / ٥٢ ]