اعْلَم أَنَّك إِذا قلت افْتَعَل ومُفْتَعل وَمَا تصرّف مِنْهُ فإِن / الْوَاو من هَذَا الْبَاب تقلب فِيهِ تَاء وَذَلِكَ الِاخْتِيَار والقولُ الصَّحِيح وإِنَّما فعلوا ذَلِك لأَنَّ التاءَ من حُرُوف الزَّوَائِد وَالْبدل وَهِي أَقرب الزَّوَائِد من الْفَم إِلى حُرُوف الشّفة فإِن قلت إِنَّ السِّين من حُرُوف الْبَدَل فسنبين أَنَّ السِّين لَيست من حُرُوف الْبَدَل وإِنَّما تلْزم استفعل وَمَا تصرّف مِنْهُ وَقد مضى تَفْسِير هَذَا وَقد كَانَت التاءُ تبدل من الْوَاو فِي غير هَذَا الْبَاب فِي قَوْلك أَتْلَجَ وإِنَّما هُوَ من ولج وَكَذَلِكَ فلَان تُجاه فلَان وَهُوَ فُعال من الْوَجْه والتراثُ من ورِثت والتُخَمة من الوخامة وَهَذَا أَكثر من أَن يُحْصى فلمّا صرت إِلى افتعل من الْوَاو كَرهُوا ترك الْوَاو على لَفظهَا لما يلْزمهَا من الانقلاب بالحركات قبلهَا وَكَانَت بعْدهَا تاءٌ لَازِمَة فقلبوها تَاء وأَدغموها فِي التاءِ الَّتِي بعْدهَا وَذَلِكَ قَوْلك اتَّعد واتَّزن ومُتَّعِد ومُتَّزِن ومُتَّجِل من وجِلت
[ ١ / ٩١ ]
وَكَانَت الياءُ من قِبَل الزَّوَائِد مخالفةٌ للواو فِيمَا فاؤه واوٌ وَذَلِكَ قَوْلك يَبِس ويَئِس وإِذا قلت يَيْبِس ويَيْئِس وَكَذَلِكَ مَا كَانَ فعَلَ مِنْهُ مَفْتُوحًا نَحْو يعَرَ الجَدْي يَيْعِر وينَع يينِع لم تحذف الياءَ / لوقوعها بَين الياءِ والكسرة لأَنَّه لَيْسَ فيهمَا مَا فِي الْوَاو فَلذَلِك ثبتتْ كَمَا ثبتَتْ ضاد يضْرب وَعين يَفْعَل فَمن قَالَ فِي يبِس ويئِس ييبس ويَيْأَس فَهُوَ على قِيَاس من قَالَ يَوْجَل وَبَعض من يَقُول يَا جَل يَقُول ياءَس ويابَس وَهَذَا رَدِيء جدّا فإِذا صرت إِلى بَاب يَفْتَعِل ومُفْتَعِل صَارَت الياءُ فِي الْبَدَل كالواو تَقول مُتَّيِس ومُتَّئِس وإِنَّما صَارَت كَذلك لأَنَّ الياءَ إِذا انْضَمَّ مَا قبلهَا صَارَت واوا لسكونها فالتبست بِالْوَاو ولأَنَّ الْوَاو إِذا انْكَسَرَ مَا قبلهَا صَارَت يَاء أَلا ترى أَنَّك تَقول مُوْسِر ومُوْقِن فتقلب الياءَ واوا كَمَا فعلت ذَلِك بِالْوَاو فِي ميزَان فقد خرجنَا فِي مفْتَعل إِلى بَاب وَاحِد فأَمّا من يَقُول يَا جلّ فإِنه يَقُول ياتئِس وياتزِن وموتئِس وموتزن فإِذا أَراد افتعل قَالَ ايْتَزَنَ الرجل وَيَقُول ايْتَبَس إِذا أَرادوا افتعل من اليبس ويقيس هَذَا أَجْمعَ على مَا وصفت لَك وَهُوَ قَول أَهل الْحجاز والأَصل وَالْقِيَاس مَا بدأْنا بِهِ والضَّمّة مستثقلة فِي / الْوَاو لأَنَّها من مخرجها وهما جَمِيعًا من أَقلّ المخارج حروفا ونبيّن هَذَا فِي بَابه إِن شاءَ الله
[ ١ / ٩٢ ]
فَمَتَى انضمّت الْوَاو من غير علَّة فهمزها جَائِز وَذَلِكَ قَوْلك فِي وُجوه أُجوه وَفِي وُعِدَ أُعِدَ وَمن ذَلِك قَوْله ﴿وَإِذا الرُّسُل أقتت﴾ إِتَّما هِيَ فُعِّلت من الْوَقْت وَكَانَ أَصلها وُقِّتت وأَمَّا قَوْلنَا إِذا انضمت لغير علَّة فإِن العلَّة أَن يحدث فِيهَا حَادث إِعراب وَذَلِكَ قَوْلك هَذَا غَزْوٌ وَعَدْو وَيكون لالتقاء الساكنين كَقَوْلِك اخْشَوُا الرجل ﴿لترون الْجَحِيم﴾ ﴿وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ وإِنَّما وَجب فِي الأَوّل مَا لم يجب فِي هَذَا لأَنَّ الضمة هُنَاكَ لَازِمَة تَقول وُعِدَ فَلَا تزايلها الضمة مَا كَانَت لما لم يُسَّم فاعلُه
[ ١ / ٩٣ ]
وَفِي قَوْلك وُجوه لَا يكون على غير هَذِه البِنْية وَكَذَلِكَ كلّ مَا كَانَت ضمّته على هَذِه البِنْية فأَمَّا من ضمَّ للإِعراب فإِنَّ ضمّته / لِعَلَّة مَتى زَالَت تِلْكَ العلَّة زَالَت الضمة تَقول هَذَا غَزْوٌ ورأَيت غَزْوًا ومررت بغزْوٍ فالضمة مُفَارقَة وَكَذَلِكَ مَا ضُمَّ لالتقاء الساكنين إِنَّما ضمّته إِذا وَقع إِلى جَانب الْوَاو سَاكن نَحْو اخشَوْا الرجل فإِن وَقع بعْدهَا متحرّك زَالَت الضمّة نَحْو قَوْلك اخشوْا زيدا واخشَوْا عبد الله فإِن انْكَسَرت الْوَاو أَوّلا فهمزها جَائِز وَلَا تهمزها مَكْسُورَة غيرَ أَوّل لعلَّةٍ نذكرها إِن شاءَ الله وَذَلِكَ فِي قَوْلك وِسادة إِسادة وَفِي وِشاح إِشاح وإِن الْتَقت فِي أَوَّل الْكَلِمَة واوان لَيست إِحداهما للمدّ لم يكن بُدٌّ من همز الأُولى إِذ كنت مخيّرا فِي همز الْوَاو إِذا انضمَّت
[ ١ / ٩٤ ]
وَذَلِكَ قَوْلك فِي تَصْغِير واصِل أُوَيْصَل وَكَانَ أَصلها وُوَيْصِل لأَنَّ فِي وَاصل واوا وأَلف فاعِل تبدل فِي التصغير واوا تَقول فِي ضَارب ضُويرب وَجمع التكسير بِمَنْزِلَة التصغير وَذَلِكَ قَوْلك فِي جمع ضاربة ضوارب فتقلب الأَلف واوا فاجتمعت فِي وَاصل واوان إِذا صغَّرته أَو جمعت واصلة تَقول فِي جمعهَا أَواصِل وَكَذَلِكَ تَصْغِير وَاقِد وَلَو قيل لَك ابْنِ مِنْ وعد مثل فَوْعَل لَقلت أَوْعَد وَكَانَ أَصلها وَوْعَد لأَنَّ واوا من الأَصل وَبعدهَا وَاو فَوْعَل فهمزت الأُولى على مَا وصفت لَك وأَمَّا قَوْلنَا إِلاَّ أَن تكون الثَّانِيَة مدّة فَإِن المدّة الأَلف والياءُ المكسور مَا قبلهَا وَالْوَاو المضموم مَا قبلهَا فإِذا الْتَقت وَاو فِي أَوّل الْكَلَام إِلى جَانبهَا وَاو والأُولى مَضْمُومَة فإِن شِئْت همزت الأُولى لضمّها وَلَا يكون ذَلِك لَازِما لأَنَّ الْوَاو الَّتِي هِيَ مدّة لَيست بلازمة وَذَلِكَ إِذا أَردت مثل قُووِل زيد وَهُوَ فُوعِلَ من قاولت وَمن وعدت تَقول وُوعِدَ زيد وإِن شِئْت همزت الْوَاو لضمّها وَلَيْسَ من أَجْل اجْتِمَاع / الواوين لَو كَانَ لذَلِك لم يجز إِلاَّ الْهَمْز ولكنّ المدّة بدل من أَلف واعَدَ وَلَيْسَت بلازمة إِنَّما انقلبت واوا لمّا أَردت بناءَ مَا لم يسمّ فَاعله وَمثل ذَلِك قَول الله ﷿ ﴿مَا ووري عَنْهُمَا من سوآتهما﴾ وَلَو كَانَ فِي غير الْقُرْآن لَكَانَ همز الْوَاحِد جَائِزا وأَمَّا الياءُ فَلَا يلْحقهَا من الْهَمْز مَا يلْحق الْوَاو لخروجها من العلَّة وصحتّها فِيمَا تعتلّ فِيهِ الْوَاو من بَاب وعدت
[ ١ / ٩٥ ]