اعْلَم أَن أَصل الْفِعْل من الثَّلَاثَة فَعَلَ فَمَتَى لحقته زَائِدَة فإِنَّها تلْحقهُ بعد اعتلاله أَو صحّته فَمَا كَانَ معتلًاّ وَقبل يائه أَو واوه حرف متحرك فقصّتُه قصَّة فَعَلَ فِي الانقلاب وإِن كَانَ قبل كلّ وَاحِد مِنْهُمَا سَاكن طرحتَ حَرَكَة حرف المعتلّ على السَّاكِن الَّذِي قبلهَا لئلاّ يلتقي ساكنان لأَنَّك إِذا سلبت المعتلّ حركته سكن وأَبدلته لأَنَّ الزِّيَادَة إِنَّما لحقته بعد أَن ثَبت فِيهِ حكم الْبَدَل فَمن ذَلِك أَن تلْحقهُ الْهمزَة فِي أَوّله فَتَقول أَقام وأَصاب وأَجاد وَنَحْو ذَلِك والأَصل أَقْوَم وأَجْوَد كَمَا أَنَّ أَصل قَالَ قَوَل وأَصل بَاعَ بَيَع فطرحت حَرَكَة الْوَاو والياءِ على مَوضِع الفاءِ من الْفِعْل وقلبتَ الَّتِي تطرح حركتها إِلى الْحَرْف الَّذِي حركتها مِنْهُ إِن كَانَت مَفْتُوحَة / قلبتها أَلفا وإِن كَانَت مَضْمُومَة قلبتها واوًا وإِن كَانَت مَكْسُورَة قلبتها يَاء وَذَلِكَ قَوْلك أَقام للفتحة وَتقول فِي الْمُضَارع يُقِيمُ لأَنَّ أَصله يَقْوِم فَهَذَا مثل يَقُوْل لأَنَّ أَصله يَقْوُل على وزن يقتل والياءُ وَالْوَاو فِي ذَلِك سواءٌ فإِن بنيت مِنْهُ مصدرا قلت إِقامة وإِرادة وإِبانه وَكَانَ الأَصل إِقْوامة وإِبْيَانة ولكنَّك فعلت بِالْمَصْدَرِ مَا فعلت بِالْفِعْلِ فطرحت حَرَكَة الْوَاو أَو الياءِ على مَا قبلهَا فَصَارَت أَلفا لأَنَّها كَانَت مَفْتُوحَة وإِلى جَانبهَا أَلف الإِفعال فحذفت إِحدى الأَلفين لالتقاءِ الساكنين
[ ١ / ١٠٤ ]
فأَمَّا سِيبَوَيْهٍ والخليل فَيَقُولَانِ المحذوفة الزَّائِدَة وأَمَّا الأَخفش فَيَقُول المحذوفة عين الْفِعْل على قِيَاس مَا قَالَ فِي مَبِيع كلا الْفَرِيقَيْنِ جارٍ على أَصله والهاءُ لَازِمَة لهَذَا الْمصدر عِوَضا من حذف مَا حذف مِنْهُ لأَنَّ الْمصدر على أَفْعلت إِفْعالا نَحْو قَوْلك أَكرمت إِكراما وأَحسنت إِحسانا / فَكَانَ الأَصل أَقْوَمت إِقْوَامًا فلمّا لزمَه الْحَذف دخلت الهاءُ عِوَضا ممّا حذف إذكانت الهاءُ لَا تمْتَنع مِنْهَا المصادر إِذا أَردت المّرة الْوَاحِدَة وَيكون فِيهَا على غير هَذَا الْمَعْنى والعوض كَقَوْلِهِم بِطْريق وبطاريق وزِنْدِيق وزناديق فإِن حذفت الْيَاء دخلت الهاءُ فَقلت بطارقة وزنادقة لأَنَّ الْجمع مؤنَّث فأَدخلت الهاءَ لأَنَّها تدخل فِيمَا هُوَ مَوضِع لَهَا أَلا تراك تَقول صَيْقَل وصياقلة وحِمار وأَحْمِرة وكلّ مَا لزمَه حذفٌ من هَذَا الْبَاب بِغَيْر هَذِه الزَّائِدَة فحالهُ فِي الْعِوَض كَحال مَا لحقته الزِّيَادَة الَّتِي ذَكرنَاهَا وَذَلِكَ قَوْلهم استقام استقامة واستطاع استطاعة لأَنَّه كَانَ فِي الأَصل اسْتَطْوَع اسْتِطْواعا كَمَا تَقول استخرج استخراجا فلمّا حذفت لالتقاء الساكنين عوّضت فأَما قَوْلك انْقَادَ انقيادا وَاخْتَارَ اخْتِيَارا فإِنَّه على تَمَامه لأَنَّ الياءَ المنكسر مَا قبلهَا منفتحة فِي هَذِه المصادر فإِتَّما هِيَ بِمَنْزِلَة الياءِ فِي النصب فِي أَواخر الأَسماءِ والأَفعال إِذا كَانَ مَا قبلهَا مكسورا نَحْو قَوْلك رأَيت قَاضِيا يَا فَتى وَيُرِيد أَن يقضيَ / فَاعْلَم ولكنَّها تنْقَلب فِي الانقياد وَنَحْوه من الْوَاو فَيكون هَذَا اعتِلالَها وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلك قياد من انقياد مثل قيام الَّذِي هُوَ مصدر قُمْت فَانْقَلَبَ على جِهَة وَاحِدَة وَفِي هَذِه الْجُمْلَة مَا يدلّ على مَا يرد عَلَيْك من هَذَا الْبَاب إِن شاءَ الله فإِن بنيت شَيْئا من هَذِه الأَفعال بناءَ مَا لم يُسَّم فاعلُه فإِنَّك تُجريها مُجْرَى الثَّلَاثَة فِي الْقلب وتُسلم صدرها لأَنَّها فِي إِلحاق الزَّوَائِد كَالصَّحِيحِ من الأَفعال وَذَلِكَ قَوْلك فِيمَا كَانَ من أَفْعَل قد أُقِيمَ عبدُ الله فَتلقى حَرَكَة الْوَاو على مَا قبلهَا لأنَّها كَانَت قَبْلُ أُقْوِم عبد الله
[ ١ / ١٠٥ ]
مثل أُخْرِج فحوّلت الْحَرَكَة على الْقَاف فَانْكَسَرت الْقَاف وسكنت الْوَاو فَانْقَلَبت يَاء لسكونها وكسرة مَا قبلهَا والأَصل فِي هَذَا مَا ذكرت لَك فِي بَاب (أَفعل) فإِن قلت قد اُختِيرَ واُنقِيدَ ضممت أَلف الْوَصْل لأَنَّ حقّ هَذَا الْكَلَام أَن يكون / افتعل وانفعل ولكنَّك طرحت حَرَكَة الْعين على مَا قبلهَا كَمَا فعلت فِي قِيل وبِيعَ لأَنَّ تِير من اختير وقِيد من انقيد بِمَنْزِلَة قِيل وبِيع وَقد مضى القَوْل فِي هَذَا وَكَذَلِكَ اُسْتُفْعِل نَحْو أُسْتُطِيع وَمن كَانَ قَوْله قد بُوعَ وقُولَ فعل هَهُنَا كَمَا فَعَلَ ثَمَّ وَمن رأَى الإِشمام أَشمّ هَهُنَا فالمجرى وَاحِد
[ ١ / ١٠٦ ]