وَذَلِكَ أَنَّ للأَشياءِ أُصولا ثمّ يحذف مِنْهَا مَا يُخرجهَا عَن أُصولها فَمن هَذَا الْمَحْذُوف مَا يبلغ بالشيءِ أَصلَه وَمِنْه مَا يحذف لأَنَّ مَا بَقِي دالّ عَلَيْهِ وإِن يكن ذَلِك أَصلَه فأَما مَا يبلغ بِهِ أَصله فإِنَّ كِنَايَة الْمَجْرُور فِي الْكَلَام ككناية الْمَنْصُوب وَذَلِكَ لأَنَّ الأَصل الرّفْع وَهُوَ الَّذِي لَا يتمّ الْكَلَام إِلاَّ بِهِ كالابتداءِ وَالْخَبَر وَالْفِعْل وَالْفَاعِل وإِنَّما الْمَنْصُوب والمخفوص لِما خرجا إِليه عَن هَذَا الْمَرْفُوع فَلذَلِك اشْتَركَا فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع نَحْو مسلمَين ومسلمِين ومسلمات وَلذَلِك كَانَ مَالا ينْصَرف إِذا كَانَ مخفوضا فتح وَحمل على مَا هُوَ نَظِير الْخَفْض نَحْو مَرَرْت بعثمانَ وأَحمرَ يَا فَتى وَذَلِكَ قَوْلك فِي الْكِنَايَة ضربتك ومررت بك وضربته ومررت بِهِ وضربتهم وَعَلَيْهِم وَاحِد وَتقول هَذَا غلامي وَهَذَا الضاربي فيستويان فإِذا قلت ضَرَبَنِي زِدْت نونا على المخفوض ليسلم الْفِعْل لأَنَّ الْفِعْل لَا يدْخلهُ جرّ وَلَا كسر فإِنَّما زِدْت هَذِه النُّون ليسلم لأَنَّ هَذِه الياءَ تكسر مَا وَقعت عَلَيْهِ فإِن قلت قد قلت الضاربي والياءُ مَنْصُوبَة فإِنَّما ذَلِك لأَنَّ الضَّارِب اسْم فَلم يكره الْكسر فِيهِ وَالدَّلِيل على أَن الياءَ مَنْصُوبَة قَوْلك الضَّارِب زيدا فإِن قلت فقد يدْخل الْفِعْل الكسرة فِي قَوْلك اضربِ الرجل فإِنَّما ذَلِك لالتقاءِ الساكنين
[ ١ / ٢٤٨ ]
وَلَيْسَ بِلَازِم وإِنَّما كسروا ليُعْلموا أَنَّه عارضٌ فِي الْفِعْل إِذ لم يكن من إِعرابه وَنَظِير زِيَادَة هَذِه النُّون فِي الْمَنْصُوب قَوْلهم / فِي الْمَجْرُور منِّي وعنِّي وقَدنْي زادوا النُّون ليسلم مَا قبلهَا على سكونه كَمَا سلم الْفِعْل على فَتحه فقد زيدت فِي الْمَجْرُور كَمَا زيدت فِي الْمَنْصُوب وَلَو كَانَ آخر الِاسْم متصرّفا بالحركة لم تزد نَحْو قَوْلك هَذَا هَنِي ودَمِي فَالَّذِي ذكرنَا ممّا يحذف قَوْلك إِنَّني وكأَنَّني ولعلَّني لأَنَّ هَذِه الْحُرُوف مشبهة للْفِعْل
[ ١ / ٢٤٩ ]
مَفْتُوحَة الأَواخر فزدت فِيهَا النُّون كَمَا زدتها فِي الْفِعْل لتسلم حركاتها وَيجوز فِيهِنَّ الْحَذف فَتَقول إِنِّي وكأَنِّي ولكنِّي وإِنَّما جَازَ لأَنَّ النُّون فِي (إِنَّ) و(كأَنَّ) ثَقيلَة وَهِي مَعَ ذَلِك مُشبَّهة بِالْفِعْلِ وَلَيْسَت بأَفعال فحذفت كَرَاهِيَة التَّضْعِيف وإِنْ أَثبتَّ فَلَمَّا وَصفته فإِن قَالَ قَائِل فأَنت تَقول لعلِّي وَلَيْسَ فِي لعلّ نون فإِنَّما ذَلِك لأَنَّ (لعلّ) مضعَّفة وَهِي أَقرب الْحُرُوف من النُّون وتعاقبها وتدغم كلّ وَاحِدَة / مِنْهُمَا فِي صاحبتها وَقد مضى القَوْل فِي هَذَا فأَمَّا (لَيْتَني) فَلَا يجوز حذف النُّون مِنْهَا إِلاَّ أَن يضطَّر شَاعِر فيحذفها لأَنَّ الضَّرُورَة تردّ الأَشياءَ إِلى أُصولها والأَصل الياءُ وحدَها وَلَيْسَت (لَيْت) بِفعل إِنَّما هِيَ مشبّهة فَمن ذَلِك قَوْله
(تَمَنَّى مَزْيدٌ زيدا فَلاقَى أَخا ثِقةٍ إِذا اخْتلف العَوالي)
(كمُنْيةِ جابرٍ إِذ قَالَ لَيْتَني أُصَادفُه ويَهْلِكَ جُلُّ مَالِي)
فَهَذَا من الْمَحْذُوف الَّذِي بُلغ بِهِ الأَصل
[ ١ / ٢٥٠ ]
وممّا حذف اسْتِخْفَافًا لأَنَّ مَا ظهر دَلِيل عَلَيْهِ قَوْلهم فِي كلِّ قَبيلَة تظهر فِيهَا لَام الْمعرفَة مثل بني الْحَارِث وَبني الهُجَيم وَبني العنبر هُوَ بَلْعَنبر وبَلْهُجيم فيحذفون النُّون لقربها من اللَّام لأَنَّهم يكْرهُونَ التَّضْعِيف فإِن كَانَ مثل بني النجّار والنمر والتيم لم يحذفوا لئلاَّ يجمعوا عَلَيْهِ علَّتين الإِدغام والحذف وَيَقُولُونَ عَلْماءِ بَنو فلَان يُرِيدُونَ على الماءِ فيحذفون لَام على كَمَا قَالَ /
(وَمَا سُبِقَ القَيْسيُّ من ضعْفِ حِيلةٍ ولكنْ طفت عَلْمَاءِ قُلْفةُ خَالدِ)
وَاعْلَم أَنَّ كلّ مدغم فِيمَا بعده إِذا كَانَا من كَلِمَتَيْنِ فإِظهار الأَوّل جَائِز لأَنَّه غير لَازم للثَّانِي إِلاَّ أَنَّه فِي بعضٍ أَحسن مِنْهُ فِي بعض على قَدْر تداني المخارج وبُعْدها فإِذا لقِيت التاءُ دَالا أَو طاء كَانَ الإِدغام أَحسن لأَنَّ مخرج الثَّلَاثَة وَاحِد وإِنَّما يفصل بَينهمَا أَعراض فِيهَا وَذَلِكَ قَوْلك ذهبطَّلحة الإِدغام أَحسن وَكَذَلِكَ هُدِّ مدَّارُ زيدٍ وَمثل ذَلِك لم يعد تَّميم وَلم يعد طَّاهر فإِن قلت انقط دَاوُد كَانَ الإِدغام بأَن تطبق مَوضِع الطاءِ أَحسن لأَنَّ فِي الطاءِ إِطباقا فيكرهون ذَهَابه تَقول انقطَّاود وَلَو قلت انقدّاود كَانَ حسنا ولكنّ الِاخْتِيَار مَا ذكرت لَك وإِن لم تُدْغَم / فَجَائِز
[ ١ / ٢٥١ ]
والظاءُ والثاءُ والذال هَذَا أَمر بَعضهنَّ مَعَ بعض فِي تبقية الإِطباق وحذفه وَحسن الإِدغام وَجَوَاز التَّبْيِين وَفِيمَا ذكرت لَك من قرب المخارج وَبعدهَا كِفَايَة فأَمّا قراءَة أَبي عَمْرو ﴿هَثُّوِّبَ الكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فإِنَّ التَّبْيِين أَحسن مِمَّا قرأَ لأنَّ الثاءَ لَا تقرب من اللَّام كقرب التاءِ وأُختيها وَكَذَلِكَ التاءُ فِي قراءَته ﴿بتُّؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وَلَيْسَت هَذِه اللَّام كَلَام الْمعرفَة لَازِمَة لكلّ اسْم تُرِيدُ تَعْرِيفه فَلَيْسَ يجوز فِيهَا مَعَ هَذِه الْحُرُوف الَّتِي ذكرت لَك وَهِي ثَلَاثَة عشر حرفا إِلاَّ الإِدغام وَقد ذكرنَا بتفسيرها وإِنَّما يلْزم الإِدغام على قدْر لُزُوم الْحَرْف أَلا ترى / أَنَّها إِذا كَانَت فِي كلمة وَاحِدَة لم يجز الإِظهار إِلاَّ أَن يضطرّ الشَّاعِر فيردّ الشيءَ إِلى أَصله نَحْو ردَّ وفَرَّ ودَابّة وشابّة لأَنَّ الباءَ الأُولى تلْزم الثَّانِيَة فأَمَّا قَوْلهم أَنتما تكلِّمانني وتكلمانيّ وَقَوله ﴿أفغير الله تأمروني﴾ وَفِي الْقُرْآن ﴿لم تؤذونني وَقد تعلمُونَ﴾ فلأَنَّ الثَّانِيَة مُنْفَصِلَة من الأُولى لأَنَّها اسْم الْمَفْعُول تَقول أَنتما تظلمان زيدا وأَنتم تظْلمُونَ عمرا وأَمّا (دابّة) فَهِيَ فاعِلة وَكَذَلِكَ (ردَّ) فَعَلَ فهما لَازِمَة إِحداهما للأُخرى لَا تنفصل مِنْهَا فإِذا اضطرّ شَاعِر جَازَ رَدَد وضَنِن كَمَا قَالَ
(تَشْكُو الوَجَى من أَظْلُلٍ وأَظْلُلِ)
[ ١ / ٢٥٢ ]
وَقَالَ
(مَهْلًا أَعاذلُ قدْ جَرَّبتِ منْ خُلُقي أَنِّي أَجُودُ لأَقْوامٍ وإِن ضَنِنُوا)
وَقَالَ
(الحمدُ لله العلِيّ الأَجْلَلِ)
وَاعْلَم أَنَّ أَلف الْوَصْل الَّتِي تكون مَعَ اللَّام للتعريف تخَالف سَائِر أَلفات الْوَصْل وإِن كَانَت فِي الْوَصْل مثلَهنّ وَذَلِكَ أَنَّها مَفْتُوحَة لأَنَّها لم تلْحق اسْما وَلَا فعلا نَحْو اضربْ واقْتُلْ وَابْن وَاسم وإِنَّما لحقت حرفا فَلذَلِك فتحت وخولف بلفظها لمُخَالفَة مَا وَقع هليه الأَسماءُ والأَفعال فإِذا كَانَت فِي درَج الْكَلَام سَقَطت كسقوط سَائِر أَلفات الْوَصْل وَذَلِكَ قَوْلك لقِيت الْقَوْم فَسَقَطت وَتقول وَالْقَوْم ذاهبون وَكَذَلِكَ جَمِيع مَا صرّفت فِيهِ إِلاَّ أَن تلحقها أَلف الِاسْتِفْهَام فتجعلها مَدّة وَلَا تحذفها فيلتبس الْخَبَر بالاستفهام لأَنَّها مَفْتُوحَة فَلَو حذفتها لاستوى اللفظان وَذَلِكَ قَوْلك فِي الِاسْتِفْهَام آلرجل لقِيك وَقَوله ﴿آللهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ﴾ وَكَذَلِكَ أَلف (آيْم) لأَنَّها لَزِمت اسْما لَا يسْتَعْمل إِلاَّ فِي الْقسم فَهُوَ مضارع لأَلف اللَّام تَقول آيم الله لقد كَانَ / ذَاك آيمن الله لقد كَانَ ذَاك وَلذَلِك قَالُوا يَا الله اغْفِر لنا لمّا كَانَت فِي اسْم لَا تُفَارِقهُ وَثبتت فِي الِاسْتِفْهَام فعلوا بهَا ذَلِك وَكَذَلِكَ أَفأَللهِ لتفعلنّ لما وصفت لَك فإِذا كَانَت مستأْنفة وتحرّكت اللَّام بعْدهَا بحركة الْهمزَة فإِنَّ النحويّين يَخْتَلِفُونَ فِيهَا فَيَقُول قوم أَلحَمر جاءَني فيثبتوها وإِن تحركت اللَّام وَلَا يجعلونها مثل قَوْلك ﴿سل بني إِسْرَائِيل﴾ لأَنَّها كَانَت اسأَل فلمّا تحرّكت السِّين سَقَطت أَلف الْوَصْل فهؤلاءِ يحتجّون بثباتها فِي الِاسْتِفْهَام وأَنَّ بعْدهَا سَاكن الأَصل لَا يكون إِلا على ذَلِك
[ ١ / ٢٥٣ ]
وهؤلاءِ لَا يدغمون مَا قبل اللَّام فِي اللَّام ممّا قرب جِواره مِنْهَا لأَنَّ حكم اللَّام عِنْدهم حكم السّكُون فَلذَلِك ثبتَتْ أَلف الْوَصْل وَمِنْهُم من يَقُول لَحمر جاءَني فيحذف الأَلف / لتحرّك اللَّام وعَلى هَذَا قرأَ أَبو عَمْرو ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادَ لُّوليَ﴾ وَكَانَ الأَخفش يُجِيز اِسَلْ زيدا لأَنَّ السِّين عِنْده سَاكِنة لأَنَّ الْحَرَكَة للهمزة وَهَذَا غلَط شَدِيد لأَنَّ السِّين متصرّفة كَسَائِر الْحُرُوف وأَلف الْوَصْل لَا أَصل لَهَا فَمَتَى وُجد السَّبِيل إِلى إِسقاطها سَقَطت وَاللَّام مبنيَّة على السّكُون لَا موضعَ لَهَا غيرُه فأَمرها مُخْتَلف وَلذَلِك لحقتها أَلف الْوَصْل مَفْتُوحَة مُخَالفَة لسَائِر الأَلفات