فأَقلّ مَا تكون عَلَيْهِ الْكَلِمَة حرف وَاحِد وَلَا يجوز لحرف أَن ينْفَصل بِنَفسِهِ لأَنَّه مُسْتَحِيل وَذَلِكَ أَنَّه لَا يمكنك أَن تبتدئ إِلاّ بمتحرك وَلَا تقف إِلاَّ على سَاكن فَلَو قَالَ لَك قَائِل الفِظ بِحرف لقد كَانَ سأَلك أَن تُحيل لأَنَّك إِذا ابتدأْت بِهِ ابتدأت متحرّكا وإِذا وقفت عَلَيْهِ وقفت سَاكِنا فقد قَالَ لَك اجْعَل الْحَرْف سَاكِنا متحرّكا فِي حَال وَلَكِن سنذكر اللَّفْظ بالحروف ساكِنها ومتحرّكها فِي مَوْضِعه ليوصل إِلى التَّكَلُّم بِهِ إِن شاءَ الله فَمَا كَانَ على حرف فَلَا سَبِيل إِلى التكلُّم بِهِ وحدَه فممّا جاءَ على حرف ممّا هُوَ اسْم التاءُ فِي قمْت إِذا عَنى المتكلِّم نَفسه أَو غَيره من ذكر أَو أُنثى إِلاَّ أَنَّها تقع لَهُ مضمومةٌ ذكرا كَانَ اَوْ انثى وَلغيره اذا كَانَ ذكرا مَفْتُوحَة وإِن كَانَت أُنثى مَكْسُورَة وَالْكَاف من نَحْو ضربتك ومررت بك تنفتح للمذكَّر وتنكسر للمؤنَّث والهاءُ فِي ضَربته ومررت بِهِ وَلها أَحكام نبيّنها إِن شاءَ الله وَذَلِكَ أَنَّ أَصْل هَذِه الهاءِ أَن تلحقها وَاو زَائِدَة لأَنَّ الهاءَ خُفْيَة فتُوصِل بهَا الْوَاو إِذا وصلت فإِن وقفت لم تُلحق الْوَاو لئلاّ يكون الزَّائِد كالأَصليّ وَذَلِكَ قَوْلك رأَيتُهو يَا فَتى ورأَيتُهو يَا فَتى فتلحق بعد المضموم والمفتوح
[ ١ / ٣٦ ]
فإِن كَانَت قبلهَا كسرة جَازَ أَن تُتبعها واوا أَو يَاء أَيّهما شِئْت أَمَّا الْوَاو فعلى الأَصل الَّذِي ذكرت لَك وأَمّا الياءُ فلقرب الْجوَار لأَنَّ الضمّة مستثقلة بعد الكسرة وَالنَّاس عامّة للكسرة والياءُ بعْدهَا أَكثر اسْتِعْمَالا فأَمّا أَهل الْحجاز خاصّة فعلى الأَمر الأَوّل فِيهَا يقرءُون ﴿فَخَسَفْنَا بِهُو وَبدَارِهُو الأَرْضَ﴾ لزموا الأَصل وهما فِي الْقيَاس على مَا وصفت لَك فإِن كَانَت هَذِه الهاءُ بعد / وَاو أَو ياءٍ ساكنتين أَو أَلف فَالَّذِي يُختار حذف حرف اللين بعْدهَا تَقول عليهِ مَال يَا فَتى بِكَسْر الْهَاء من أجل الياءِ الَّتِي قبلهَا كَمَا فعلت ذَلِك للكسرة وَمن لزم اللُّغَة الحجازيّة قَالَ عليهُ مالٌ وَتقول هَذَا أَبوه فَاعْلَم ﴿فَألْقى مُوسَى عَصَاهُ﴾ وإِنَّما حذفت الياءُ وَالْوَاو لأَنَّ الهاءَ خفيّة والحرف الَّذِي يلْحقهَا سَاكن وَقبلهَا حرف لين سَاكن فكره الْجمع بَين حرفي لين ساكنين لَا يفصلهما إِلاّ حرف خفيّ وإِن شِئْت أَلحقت الياءَ وَالْوَاو على الأَصل لأَنَّ الهاءَ حرف متحرّك فِي الْحَقِيقَة وَذَلِكَ قَوْلك على قَول العامّة عليهى مَال وعَلى قَول أَهل الْحجاز عليهو مَال ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُو فَإِذَا هِيَ﴾ وَهَذَا أَبوهو فَاعْلَم
[ ١ / ٣٧ ]
فإِن كَانَ قبل الهاءِ حرف سَاكن من غير حُرُوف المدّ واللين فأَنت مخيّر إِن شِئْت أَثبتَّ وإِن شِئْت حذفت أَمّا الإِثبات فعلى مَا وصفت لَك وأَمَّا الْحَذف فلأَنَّ الَّذِي قبل الهاءِ سَاكن وَبعدهَا سَاكن وَهِي خفيّة فكرهوا أَن يجمعوا بَينهمَا كَمَا كَرهُوا الْجمع بَين الساكنين وَذَلِكَ قَوْلك ﴿مِنْهُ آيَات محكمات﴾ وإِن شِئْت قلت ﴿مِنْهُو آياتٌ﴾ وعنهو أَخذت فَهَذَا جملَة هَذَا وَاعْلَم أَنَّ الشَّاعِر إِذا احْتَاجَ إِلى الْوَزْن وَقبل الهاءِ حرف متحرك حذف الياءَ وَالْوَاو اللَّتَيْنِ بعد الهاءِ إِذا لم يَكُونَا من أَصل الْكَلِمَة فَمن ذَلِك قَوْله
(فإِنْ يكُ غَثًّا أَو سَمينا فَإِنَّني سَأَجْعَلُ عَيْنَيْهِى لِنَفْسِهِ مَقْنَعَا)
وَقَالَ آخر
(أَوْ مُعْبَرُ الظَّهْرِ يُنْبِي عَن وَلِيَّتِه مَا حَجّ ربُّهُ فِي الدُّنْيَا وَلَا اعْتَمَرا)
وَقَالَ آخر
(وَمَا لهُ منْ مَجْدٍ تَليدٍ وَمَا لَهو من الرّيح فَضْلٌ لَا الجَنُوبُ وَلَا الصَّبَا)
[ ١ / ٣٨ ]
وأَشدّ من هَذَا فِي الضَّرُورَة أَن يحذف الْحَرَكَة كَمَا قَالَ
(فَظِلتُ لدَى البيتِ العَتِيقِ أُرِيغُهُ ومِطْوايَ مُشْتاقان لَهُ أَرقانِ)
فأَمّا مَا كَانَ من هَذِه الْحُرُوف الَّتِي جَاءَت لمعان فَهِيَ مُنْفَصِلَة بأَنفسها ممّا بعْدهَا وَقبلهَا إِلاّ أَنَّ الْكَلَام بهَا مُنْفَرِدَة محَال كَمَا وصفت لَك فإِنَّ مِنْهَا كَاف التَّشْبِيه الَّتِي فِي قَوْلك أَنت كزيد وَمَعْنَاهُ مثل زيد و(اللَّام) الَّتِي تسمى لَام المِلْك نَحْو هَذَا لِعبد اللَّه ولَك تكون مَكْسُورَة مَعَ الظَّاهِر ومفتوحة مَعَ الْمُضمر لعلَّة قد ذكرت فِي موضعهَا وَهِي الَّتِي فِي قَوْلك جِئْت لأُكرمَك لأَنَّ الْفِعْل انتصب بإِضمار أَنْ وأَنْ وَالْفِعْل مصدر فقد صَار الْمَعْنى جِئْت لإِكرامك وَمِنْهَا (الباءُ) الَّتِي تكون للإِلصاق والإستعانة فأَمّا الإِلصاق فقولك مَرَرْت بزيد وأَلممت بك وأَمّا الإستعانة فقولك كتبت بالقلم وَعمل النجّار بالقَدوم
[ ١ / ٣٩ ]
وَمِنْهَا (وَاو) الْقسم الَّتِي تكون بَدَلا من الباءِ لأَنَّك إِذا قلت بِاللَّه لأَفعلَّن فَمَعْنَاه أَحلف بِاللَّه فإِذا قلت وَالله لأَفعلّن فَذَلِك مَعْنَاهُ لأَنَّ مخرج الباءِ وَالْوَاو من الشّفة وَمن ذَلِك الْكَاف الَّتِي تلْحق آخر الْكَلَام لَا مَوضِع لَهَا نَحْو كَاف ذَاك وروُيدك و﴿أَرَأَيْنَكَ هَذّا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيّ﴾ وَقَوْلهمْ أَبْصِرْكَ زيدا وَهَذِه الْحُرُوف كَثِيرَة إِلاَّ أَنَّا نذْكر مِنْهَا شَيْئا يدلّ على سائرها
[ ١ / ٤٠ ]