تَقول مَا تَأتِينِي فتحدثني فالنصب يشْتَمل على مَعْنيين يجمعهما أَن الثَّانِي مُخَالف للْأولِ فأحد الْمَعْنيين مَا تَأتِينِي إِلَّا لم تُحَدِّثنِي أَي قد يكون مِنْك إتْيَان وَلَكِن لست تُحَدِّثنِي وَالْمعْنَى الثَّانِي لَا يكون مِنْك إتْيَان وَلَا حَدِيث فاعتباره مَا تَأتِينِي مُحدثا وَكلما أتيتني لم تُحَدِّثنِي وَالْوَجْه الآخر مَا تَأتِينِي فَكيف تُحَدِّثنِي أَي لَو أتيتني لحدثتني وَأما الرّفْع فعلى وَجْهَيْن أَحدهمَا مَا تَأتِينِي وَمَا تُحَدِّثنِي وَالْآخر شريك للْأولِ دَاخل مَعَه فِي النَّفْي
[ ٢ / ١٦ ]
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن تَقول مَا تَأتِينِي فتحدثني أَي مَا تَأتِينِي وَأَنت تُحَدِّثنِي وتكرمني وَكَذَلِكَ مَا تُعْطِينِي فأشكرك أَي مَا تُعْطِينِي وَأَنا أشكرك على حَال وَمثل ذَلِك فِي الْجَزْم ألم أعطك فتشكرني جزم تشكرني بلم ودخلا مَعًا فِي الِاسْتِفْهَام وَالرَّفْع على قَوْلك فَأَنت تشكرني وَلَو قلت مَا أَنْت بصاحبي فأكرمك لَكَانَ النصب على قَوْلك فَكيف أكرمك وَلم يجز الرّفْع على الشّركَة لِأَن الأول اسْم فَلَا يُشْرك الْفِعْل مَعَه وَلَكِن لَو حَملته على فَأَنا أكرمك على حَال ثمَّ تعطف جملَة على جملَة لجَاز وعَلى هَذَا قَوْله
(فَمَا أنتَ مِنْ قَيْسٍ فَتَنْبَحَ دُونها وَلَا مِنْ تَميمِ فِي الرءُوسِ الأعاظِمِ)
وَلَو رفع على أَنْت تنبَحُ على حَال جَازَ
[ ٢ / ١٧ ]
وَأما قَول الله ﷿ ﴿لَا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُتوا﴾ فَهُوَ على قَوْلك لَا تَأتِينِي فأعطيك أَي لَو أتيتني لأعطيتك وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي أحد الْوَجْهَيْنِ من قَوْلك مَا تَأتِينِي فتحدثني إِذا أردْت لَو أتيتني لحدثتني وَتقول كَأَنَّك لم تأتنا فتحدثنا إِذا أردْت الْوَجْه فِي قَوْلك مُحدثا وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي مَا تَأتِينِي فتحدثني أَي كلما أتيتني لم تُحَدِّثنِي فَهُوَ مَا تَأتِينِي مُحدثا أَي قد يكون مِنْك إتْيَان وَلَا حَدِيث كَمَا قَالَ
(كأنَّكَ لَمْ تذْبَحَ لأهلِكَ نَعْجَةً فيُصْبِحَ مُلْقى بالفِناءِ إهابُها)
وَأما قَوْله ﷿ ﴿فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ النصب هَا هُنَا محَال لِأَنَّهُ لم يَجْعَل فَيكون جَوَابا هَذَا خلاف الْمَعْنى لِأَنَّهُ لَيْسَ هَهُنَا شَرط إِنَّمَا الْمَعْنى فَإِنَّهُ يَقُول لَهُ كن فيكونُ وكُنْ حِكَايَة وَأما قَوْله ﷿ ﴿أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ فالنصب وَالرَّفْع فَأَما النصب فعلى أَن تَقول فيكونَ يَا فَتى وَالرَّفْع على هُوَ يَقُول فَيكون
[ ٢ / ١٨ ]
وَأما قَول الشَّاعِر
(وَمَا أَنا للشيءِ الَّذِي ليسَ نافِعي ويَغضَبُ صَاحِبي بِقَؤولِ﴾ فَإِن الرّفْع الْوَجْه لِأَن يغْضب فِي صلَة الَّذِي لِأَن مَعْنَاهُ الَّذِي يغْضب مِنْهُ صَاحِبي وَكَانَ سِيبَوَيْهٍ يقدم النصب ويثنى بِالرَّفْع وَلَيْسَ القَوْل عِنْدِي كَمَا قَالَ لِأَن الْمَعْنى الَّذِي يَصح عَلَيْهِ الْكَلَام إِنَّمَا يكون بِأَن يَقع يغْضب فِي الصِّلَة كَمَا ذكرت لَك وَمن أجَاز النصب فَإِنَّمَا يَجْعَل يغْضب مَعْطُوفًا على الشَّيْء وَذَلِكَ جَائِز وَلكنه بعيد وَإِنَّمَا جَازَ لِأَن الشَّيْء منعوت فَكَانَ تَقْدِيره وَمَا أَنا للشَّيْء الَّذِي هَذِه حَاله وَلِأَن يغْضب صَاحِبي وَهُوَ كَلَام مَحْمُول على مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَقُول الْغَضَب إِنَّمَا يَقُول مَا يُوجب الْغَضَب وَمثل هَذَا يجوز
[ ٢ / ١٩ ]
تَقول إِنَّمَا جَاءَ بِهِ طَعَام زيد وَالْمعْنَى إِنَّمَا جِئْت من أَجله وَكَذَلِكَ قَوْلك إِنَّمَا شِفَاء زيد السَّيْف وَإِنَّمَا تحيته الشتم أَي هَذَا الَّذِي أَقَامَهُ مقَام التَّحِيَّة ومقام الشِّفَاء كَمَا قَالَ
(وخيْلٍ قَدَ دُلَفْتُ لَهَا بخيلٍ تحيّةُ بَينهُم ضرْبٌ وَجيعُ)
فَهَذَا كَلَام مَفْهُوم وَتَحْقِيق لَفظه مَا ذكرت لَك وَأما قَول الله ﷿ ﴿ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء فَتُصْبِح الأَرْض مخضرة﴾ فَهَذَا هُوَ الْوَجْه لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَوَاب لِأَن الْمَعْنى فِي قَوْله ﴿ألم تَرَ﴾ إِنَّمَا هُوَ انتبه وَانْظُر أنزل الله من السَّمَاء مَاء فَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَيْسَ كَقَوْلِك ألم تأتِ زيدا فيكرمك لِأَن الْإِكْرَام يَقع بالإتيان وَلَيْسَ اخضرار الأَرْض وَاقعا من أجل رؤيتك وَكَذَلِكَ قَوْله ﷿ ﴿وَمَا يعلمَانِ من أحد حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحن فتْنَة فَلَا تكفر فيتعلمون﴾ لِأَنَّهُ لم يَجْعَل سَبَب تعليمهم قَوْله ﴿لَا تكفر﴾ كَمَا تَقول لَا تَأتِينِي فأضربك لِأَنَّهُ يَقُول إِنَّك إِن أتيتني ضربتك وَقَوله ﴿فَلَا تكفر﴾ حِكَايَة عَنْهُم وَقَوله ﴿فيتعلمون﴾ لَيْسَ مُتَّصِلا بِهِ وَلَو كَانَ كَذَلِك كَانَ لَا تكفر فَتَتَعَلَّمُ يَا فَتى وَلَكِن هُوَ مَحْمُول على قَوْله ﴿يعلمُونَ النَّاس السحر﴾ فيتعلمون مِنْهُم لَا يَصح الْمَعْنى إِلَّا على هَذَا أَو على الْقطع أَي مِنْهُم يتعلمون
[ ٢ / ٢٠ ]
وَأما قَول النَّابِغَة
(فَلَا زالَ قَبْرٌ بَيْنَ بُصرى وجاسِمٍ عليهِ منَ الوَسْمِيِّ سُحٌ ووابِلٌ)
(فَيُنْبِتُ حَوذانا وعَوفا مُنَوِّرا سأُتبِعُهُ مِنْ خَيْرِ مَا قالَ قائلُ)
فَإِن الرّفْع الْوَجْه لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَوَاب إِنَّمَا هُوَ فَذَاك يُنبت حوذانا وَلَو جعله جَوَابا لقَوْله
(فَلَا زالَ)
كَانَ وَجها جيدا وَتقول لَا تمددها فتشققها على الْعَطف فَإِن أردْت الْجَواب قلت فتشُّقها على مَا فسرت لَك وَتقول أَيْن بَيْتك فأزورك فَإِن أردْت أَن تَجْعَلهُ جَوَابا نصبت وَإِن أردْت أَن تجْعَل الزِّيَارَة وَاقعَة على حَال قلت أَيْن بَيْتك فَأَنا أزورك على حَال
[ ٢ / ٢١ ]
وَتقول فِي الْجَزَاء من يأتني فيكرمني أعْطه لَا يكون إِلَّا ذَلِك لِأَن الْكَلَام مَعْطُوف على مَا قبله فَإِن قلت من يأتني آته فَأكْرمه كَانَ الْجَزْم الْوَجْه وَالرَّفْع جَائِز على الْقطع على قَوْلك فَأَنا أكْرمه وَيجوز النصب وَإِن كَانَ قبيحا لِأَن الأول لَيْسَ بِوَاجِب إِلَّا بِوُقُوع غَيره وَقد قرئَ هَذَا الْحَرْف على ثَلَاثَة اضْرِب ﴿يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله فَيغْفر لمن يَشَاء﴾ بِالْجَزْمِ وَالرَّفْع وَالنّصب وينشد هَذَا الْبَيْت رفعا ونصبا لِأَن الْجَزْم يكسر الشّعْر وَإِن كَانَ الْوَجْه وَهُوَ قَوْله
(ومنْ يَغْتَرِبْ عَنْ قومهِ لَا يَزَلْ يَرى مصارِعَ مَظلومٍ مَجَرَّا ومَسحَبا)
(وتُدْفَنْ مِنهُ الصالحاتُ وَإِن يُسِيءُ يكَنْ مَا أساءَ النارِ فِي رأسِ كَبْكَبَا)
[ ٢ / ٢٢ ]
وَالْوَاو الْفَاء فِي هَذَا سَوَاء فَأَما قَوْله
(فقلتُ لهُ قرّبْ وَلَا تَجْهدَنَّهُ فَيَذِرُكَ مِنْ أُخْرَى القطاةِ فَتَزْلَقَ)
فَإِنَّمَا هُوَ على الْعَطف فَدخل كُله فِي النَّفْي أَرَادَ وَلَا يدنك وَلَا تزلقّن وَتقول أَلا تأتني فتكرمني أقعد عَنْك فالجزم الْوَجْه فِي فتكرمني وَالنّصب يجوز من أجل النَّفْي لِأَن مَعْنَاهُ إِلَّا تأتني مكرما كَمَا قَالَ مَا تَأتِينِي فتحدثني أَي مَا تَأتِينِي مُحدثا وعَلى هَذَا ينشد هَذَا الْبَيْت
(ومنْ لَا يُقدِّم رِجْلَهُ مُطْمئنَّةً فَيُثبِتَها فِي مُستَوى الأرضِ يَزَلِقِ)
وَأعلم أَن الشَّاعِر إِذا اضْطر جَازَ لَهُ أَن ينصب فِي الْوَاجِب وَالنّصب فِي إِضْمَار أَن يذهب بِالْأولِ إِلَى الِاسْم على الْمَعْنى فَيَقُول أَنْت تَأتِينِي فتكرمني تُرِيدُ أَنْت يكون مِنْك إتْيَان فإكرام فَهَذَا لَا يجوز فِي الْكَلَام وَإِنَّمَا يجوز فِي الشّعْر للضَّرُورَة كَمَا يجوز صرف مَا لَا ينْصَرف وتضعيف مَا لَا يضعف فِي الْكَلَام قَالَ
[ ٢ / ٢٣ ]
(سأتركُ مَنزلي لبني تَميمٍ وألحقُ بالعراقٍ فأستَريحا)
وَقَالَ الشَّاعِر
(لنا هَضبَةٌ لَا يَنزِلُ الذلَّ وسطَها ويأوى إِلَيْهَا المُستَجيرُ فيُعصما)
هَذَا إنشاد بَعضهم وَهُوَ فِي الرداءة على مَا ذكرت لَك وَأَكْثَرهم ينشد
(لِيُعصَما)
وَهُوَ الْوَجْه الْجيد
[ ٢ / ٢٤ ]