فالفعل فِي الثَّلَاثَة يَقع على ثَلَاثَة أَبنية إِذا كَانَ مَاضِيا يكون على فَعَلَ فيشترك فِيهِ المتعدّى وغيرُ المتعدّى وَذَلِكَ نَحْو ضَرَب وقَتَل فَهَذَا مُتَعَّد وَجلسَ وَقعد لما لَا يتعدّى وَيكون على فَعِلَ فيهمَا فَمَا يتعدّى فنحو شرِب ولقِم وأَمَّا مَا لَا يتعدّى فنحو بطِر وخرِق وَالْفِعْل الثَّالِث لما لَا يتعدّى خاصّةً إِنَّما هُوَ للْحَال الَّتِي ينْتَقل إِليها الْفَاعِل وَذَلِكَ مَا كَانَ على فَعُلَ نَحْو كرُم وظرُف وشرُف فأَمَّا مَا كَانَ على فَعِلَ فاللازم فِي مستقبله يَفْعَل تَقول شرِب يشْرَب وعلِم يعْلَم وَمَا كَانَ على فَعُل فاللاوم يَفْعُلُ نَحْو كرُم يكرُم وظرُف يظرُف وأَمَّا مَا كَانَ على فَعَلَ فإِنَّه يَجِيء على يَفْعِل ويَفْعُل نَحْو يضرِب ويقتُل وإِن عرض فِيهِ حرف من حُرُوف الْحلق جَازَ أَن يَقع على / فعَلَ يَفْعَل وَذَاكَ إِذا كَانَ الْحَرْف من حُرُوف الْحلق عينا أَو لاما فأَمّا الْعين فنحو ذهب يذهب وطحنَ يطحَن وأَمّا مَوضِع اللَّام فصنَع يصنَع وقرأَ يقرَأُ وَهَذِه الأَفعال الَّتِي على ثَلَاثَة أَحرف تخْتَلف مصادرها لاختلافها فِي أَنْفُسها لأَنَّ الْمصدر إِنَّما يجْرِي على فِعْله
[ ١ / ٧١ ]
فإِذا خرجت الأَفعال من الثَّلَاثَة لم يكن كلُّ فِعْل مِنْهَا إِلاَّ على طَريقَة وَاحِدَة وَلم تخْتَلف مصادرها وَذَاكَ أَنَّ الْفِعْل إِذا خرج من الثَّلَاثَة إِنّما يخرج لزائد يلْحقهُ إِلاَّ أَن يكون من بَنَات الأَربعة فَيكون فِي الأَربعة أَصلا كَمَا كَانَت بَنَات الثَّلَاثَة فأَمَّا بَنَات الثَّلَاثَة فإِنَّ الْهمزَة تلحقها أَوّلا فَيكون الْفِعْل على أَفْعَل نَحْو أَخرج وأَكرم وَيكون الْمُسْتَقْبل نَحْو يُخْرِج ويُكْرِمُ وَكَانَ الأَصل أَن يكون وَزنه يُؤَفْعِل فحذفت الْهمزَة لأَنَّه كَانَ يلْزمه إِذا أَخبر عَن نَفسه أَن يجمع بَين همزتين وَذَلِكَ مُمْتَنع فلمّا كَانَت زَائِدَة / وَكَانَت تُلْزِم مَا لايقع فِي الْكَلَام مثلُه حذفت وأُتْبِعت حُرُوف الْمُضَارع الْهمزَة كَمَا جرَيْن فِي بَاب وعد مَجْرى الياءِ وَيكون الْمصدر على إِفْعَال وَذَلِكَ قَوْلك أَكرم يُكْرِم إِكراما وأَحسن يُحْسِن إِحسانا وَيكون على فاعَلْت فَيكون مستقبله على وزن مُسْتَقْبل أَفْعَلت قبل أَن يحذف وَذَلِكَ قَوْلك قَاتل يُقاتِل وضارب يُضارِب وَمعنى فاعَل إِذا كَانَ دَاخِلا على فعَلَ أَنَّ الْفِعْل من اثْنَيْنِ أَو أَكثر وَذَلِكَ لأَنَّك تَقول ضربت ثمّ تَقول ضارَبت فتخبر أَنَّه قد كَانَ إِليك مثلُ مَا كَانَ مِنْك وَكَذَلِكَ شاتمت
[ ١ / ٧٢ ]
فإِن لم يكن فِيهِ فعَلَ فَهُوَ فِعْل من وَاحِد نَحْو عَاقَبت اللص وطارقت نعلى والمصدر يكون على مفاعَلة نَحْو قَاتَلت مُقاتلة وشاتمت مُشاتمة وَيَقَع اسْم الْفِعْل على فِعال نَحْو القِتال والضراب وَاعْلَم أَنَّ الْفِعْلَيْنِ إِذا اتَّفقا فِي الْمَعْنى جَازَ أَن يحمل مصدر أَحدهما على الآخر لأَنَّ الْفِعْل
[ ١ / ٧٣ ]
الَّذِي ظهر فِي معنى فعله الَّذِي ينصبه / وَذَلِكَ نَحْو قَوْلك أَنا أَدَعُك ترْكًا شَدِيدا وَقد تطوَّيت انطواءً لأَنَّ تطوّيت فِي معنى انطويت قَالَ الله ﷿ ﴿وتبتل إِلَيْهِ تبتيلا﴾ لأَنَّ تبتَّل وبتَّل بِمَعْنى وَاحِد وَقَالَ ﴿وَالله أنبتكم من الأَرْض نباتا﴾ وَلَو كَانَ على أَنبتكم لَكَانَ إِنباتا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(وَرُضْتُ فذلَّتْ صَعْبَةً أَيَّ إِذْلاَلِ)
وَلَو كَانَ على ذلَّت لَكَانَ أَيّ ذُلٍّ لَكِن رُضْتُ فِي معنى أَذللت وَيكون الْفِعْل على (فعَّل) فَيكون مستقبله على (يُفَعِّل) لأَنَّه فِي وزن فاعَل وأَفْعَل فَلذَلِك وَجب أَن يكون مستقبله ﴿كمستقبَلهما﴾ والمصدر على التفْعِيل نَحْو قطَّعت تقطيعا وكسّرت تكسيرا وَهَذِه الأَفعال الْفَصْل بَين فاعلها ومفعولها كسرةٌ تلْحق الْفَاعِل قبل آخر حُرُوفه وفتحةُ ذَلِك الْحَرْف من / الْمَفْعُول نَحْو قَوْلك مُكرِم ومُكرَم ومُقاتِلٌ ومُقاتَلٌ ومُقطِّع ومُقطَّع وَمَا كَانَ من المصادر الَّتِي فِي أَوائلها الْمِيم أَو أَسماء الْمَوَاضِع الَّتِي على ذَلِك الحدّ أَو الأَزمنةِ فعلى وزن الْمَفْعُول لأَنَّها مفعولات فالمصدر مفعول أَحدثه الْفَاعِل وَالزَّمَان وَالْمَكَان مفعول فيهمَا وَذَلِكَ قَوْلك أَنزلته
[ ١ / ٧٤ ]
مُنْزلا قَالَ الله ﷿ ﴿ليدخلنهم مدخلًا يرضونه﴾ و﴿بِاسْم اللهِ مَجْريها وَمُرْسَاهَا﴾ وَتقول هَذَا مقاتَلنا أَي مَوضِع قتالنا كَمَا قَالَ
(أُقاتِلُ حتّى لَا أَرَى لي مُقاتَلا وأَنجو إِذا غُمَّ الجَبانُ من الكرْبِ)
وَتقول سرّحته مُسرّحا أَي تسريحا قَالَ
(أَلمْ تَعْلمْ مُسَرَّحِيَ القوافِي فلاعِيًا بهنّ وَلَا اجتلابا)
وَيكون الْفِعْل على (افْتعَلَ) فَيكون مستقبله على (يَفْتعِلُ) والمصدر الافْتِعال وَيكون الْفَاعِل مُفْتعِلا على مَا وصفت وَيكون على (انْففعَلَ) وَهُوَ فِي وزن (افْتعَل) وَيكون الْمُسْتَقْبل (يَنْفَعِل) / على وزن (يفْتعِل) وَهُوَ بناءٌ لَا يتَعَدَّى الْفَاعِل إِلى الْمَفْعُول ومصدره (الانْفِعال) على وزن (الافْتِعال) وفاعله (مُنْفعِل) وَلَا يَقع فِيهِ (مفعول) إِلاّ الظرفان الزَّمَان وَالْمَكَان تَقول هَذَا يَوْم مُنْطَلق فِيهِ
[ ١ / ٧٥ ]
و(يَنْفعِل) يكون على ضَرْبَيْنِ فأَحدهما أَن يكون لما طاوع الْفَاعِل وَهُوَ أَن يرومه الْفَاعِل فيبلغَ مِنْهُ حاجَته وَذَلِكَ قَوْلك كسَرته فانكسر وقطعته فَانْقَطع وَيكون للْفَاعِل بالزوائد فِعْلا على الْحَقِيقَة نَحْو قَوْلك انْطلق عبد الله وَلَيْسَ على فعَلْته وَفِي هَذَا الْوَزْن إِلاَّ أَنَّ الإِدغام يُدْرِكهُ لأَنَّك تزيد على اللَّام مِثْلَها وَذَلِكَ قَوْلك احمرَّ واخضرَّ وأَصله احْمَرر يتَبَيَّن ذَلِك لَك إِذا جعلت الْفِعْل لنَفسك وَقلت احمرَرْت لأَنَّ التَّضْعِيف يظْهر إِذا سكن آخِره فَيصير احمررت على وزن انفعلت وافتعلت وَالْفَاعِل / مِنْهُ مُحْمَرّ وأَصله محُمَرِر وَهُوَ فِعْل لَا يتعدّى الْفَاعِل لأَنَّ أَصل هَذَا الْفِعْل إِنَّما هُوَ لما يحدث فِي الْفَاعِل نَحْو احمرَّ واعوَرَّ فإِن وَقع ذَلِك للمكان أَو الزَّمَان قلت مَكَان مُحْمَرّ فِيهِ ومُعْورّ فِيهِ وَيكون الْمصدر على مِثَال (افْعِلال) نَحْو الاحمرار والاصفرار فَذَلِك على وزن الافْتِعَال والانْفِعَال وَيكون الْفِعْل على مِثَال (اسْتفْعَلْت) نَحْو استخرجت واستكثرت
[ ١ / ٧٦ ]
وَيكون مستقبله على (يَسْتفْعِل) نَحْو يَسْتَخْرِج ويَسْتكْثِر وَيكون الْمصدر (اسْتِفْعَالا) نَحْو استخراجا واستكثارا وَالْفَاعِل مُسْتخْرِج وَالْمَفْعُول مُسْتخْرَج وَيكون على مِثَال (افْعَنْللْت) و(افْعَوْعَلْت) إِلاَّ أَنَّ (افْعَنْللْت) فنحتاج أَن نعيد ذكرهَا فِي بَاب الْأَرْبَعَة وَذَلِكَ قَوْلك: اقعنسس، وَفِي افعوعل: اغدودن والمصدر كمصدر (استفعلت) تَقول من (افعنللت): (افْعِنْلالا) وَمن (افْعَوْعَلْت) (افْعِيعَالا) تقلب الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا وسكونها وَيكون على افْعَوَّلْت نَحْو اعْلوَّطْت تَقول اعْلوَّط الرجل إِذا ركب دابّته فضّم بيدَيْهِ على عُنُقهَا إِذا خَافَ السُّقُوط والمصدر (اعْلِوَّاطا) تصحّ الْوَاو لأَنَّها مشدّدة وكلَّما صحّت الْوَاو فِي الْفِعْل صحّت فِي الْمصدر وَيكون على (افْعَاللْت) فَيكون على هَذَا الْوَزْن إِلاّ أَنَّ الإِدغام يُدْرِكهُ والأَصل أَن يكون على وزن استخرجت وَمَا ذكرنَا بعْدهَا وَذَلِكَ قَوْلك احمارَرْت واشهابَبْت واحمارّ الدابّة واشهابّ
[ ١ / ٧٧ ]
والمصدر (افْعِيلال) على وزن اسْتِخْرَاج وَذَلِكَ قَوْلك احمارٌ احميرارا وَهَذَا الْوَزْن أَكثر مَا يكون عَلَيْهِ الِاسْم حروفا وَلَا يُوجد اسْم على سَبْعَة أَحرف إِلاّ فِي مصدر الثَّلَاثَة والأَربعة المزيدة وَيكون الفِعْل على (تَفعَّلَ) فَيكون على ضَرْبَيْنِ على المطاوعة من (فعّل) فَلَا يتَعَدَّى نَحْو قَوْلك قطَّعته فتقطَّع وكسّرته فتكسّر فَهَذَا للمطاوعة وَيكون على الزِّيَادَة / فِي فِعْل الْفَاعِل نَحْو تقحّمت عَلَيْهِ وتقدّمت عَلَيْهِ والأَصل إِنَّما هُوَ من قحّمته فتقحّم وقدّمته فتقدّم والمصدر التَفَعُّل نَحْو التقَدُّم والتقَحُّم فإِذا كَانَ على زِيَادَة غير (فَعَّلَ) كَانَ مثل تكلَّم وَمثل مَا يَقُول النحويّون إِنّه يخرج من هَيْئَة إِلَى هَيْئَة نَحْو نشجّع وتجمّل وتصنّع وَيكون على (تَفَاعَل) كَمَا كَانَ (تَفَعَّل) لأَنَّ هَذِه التاءَ إِنَّما لحقت فعَّل وفاعَل فِي الأَصل فَيكون على ضَرْبَيْنِ أَحدهما المطاوعة وَذَلِكَ نَحْو ناولته فَتَنَاول وَلَيْسَ كَقَوْلِك كسَرْتُه فانكسر لأَنَّك لم تخبر فِي قَوْلك انْكَسَرَ بِفعل مِنْهُ على الْحَقِيقَة وأَنت إِذا قلت قدّمته فَتقدم وناولته فَتَنَاول تخبر أَنَّه قد فَعَل على الْحَقِيقَة مَا أَردت مِنْهُ فإِنَّما هَذَا كَقَوْلِك أَدخلته فَدخل وَيكون على ضرب آخر وَهُوَ أَن يظْهر لَك من نَفسه مَا لَيْسَ عِنْده وَذَلِكَ نَحْو تعاقل وتغابَى وتغافل كَمَا قَالَ
[ ١ / ٧٨ ]
(إِذَا تَخَازَرْتُ وَمَا بِي مِنْ خَزَرْ)
والمصدر (التَّفَاعُل) على وزن / التفعُّل فَفِي مَا ذكرنَا دَلِيل على كلِّ مَا يرد عَلَيْك من هَذِه الأَفعال إِن شَاءَ الله
[ ١ / ٧٩ ]