أما إنْ إِذا لم تجزم فالفصل بَينهَا وَبَين مَا عملت فِيهِ فِي الظَّاهِر جَائِز بِالِاسْمِ وَذَلِكَ قَوْله إنِ اللهُ أمكنني من فلَان فعلت وإنْ زيدٌ أَتَانِي أكرمته كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(عَاوِدْ هَرَاةَ وإنْ مَعْمورها خَرَبا )
وَإِنَّمَا تَفْسِير هَذَا أَنَّك أضمرت الْفِعْل بَينهَا وَبَين الِاسْم فتقديره إِن أمكنني الله من زيد وَإِن خرب معمورها وَلكنه أضمر هَذَا وَجَاء بِالْفِعْلِ الظَّاهِر تَفْسِير مَا أضمر وَلَو لم يضمر لم يجز لِأَن الْجَزَاء لَا يكون إِلَّا بِالْفِعْلِ وَإِنَّمَا احتملت إِن هَذَا فِي الْكَلَام لِأَنَّهَا أصل الْجَزَاء كَمَا تحْتَمل الْألف فِي الِاسْتِفْهَام تَقْدِيم الِاسْم فِي نَحْو قَوْلك أزيدٌ قامَ لِأَنَّهَا أصل الِاسْتِفْهَام
[ ٢ / ٧٤ ]
وَلَو قلت هَل زيد قَامَ لَا يصلح إِلَّا فِي الشّعْر لِأَن السُّؤَال إِنَّمَا هُوَ عَن الْفِعْل وَكَذَلِكَ مَتى زيد خرج وَأَيْنَ زيد قَامَ وَجَمِيع حُرُوف الِاسْتِفْهَام غير ألف الِاسْتِفْهَام لَا يصلح فِيهِنَّ إِذا اجْتمع اسْم وَفعل إِلَّا تَقْدِيم الْفِعْل إِلَّا أَن يضْطَر الشَّاعِر وَالْفِعْل فِي الْجَزَاء أوجب لِأَن الْجَزَاء لَا يكون إِلَّا بِالْفِعْلِ والاستفهام قد يكون عَن الْأَسْمَاء بِلَا فعل تَقول أَزِيد أَخُوك أَزِيد فِي الدَّار وَلَا يكون مثل هَذَا فِي الْجَزَاء وَسَائِر حُرُوف الْجَزَاء سوى إِن لَا يجوز فِيهَا هَذَا فِي الْكَلَام وَلَا فِي إِن إِذا جزمت لَا تَقول من زيدٌ يَأْته يُكرمه وَلَا إِن زيد يأتني آته وَلَا أَيْن زيد أَتَانِي أَتَيْته وَلَا من زيد أَتَاهُ أكْرمه فَإِن اضْطر شَاعِر جَازَ فِيهِنَّ الْفَصْل جزمن أَو لم يجزمن وَجَاز ذَلِك فِي حُرُوف الْجَزَاء دون سَائِر عوامل الْأَفْعَال لِأَنَّهُ يَقع بعدهن الْمُسْتَقْبل والماضي وَلَا يكون ذَلِك فِي غَيْرهنَّ من العوامل فَلَمَّا تمكن هَذَا التَّمَكُّن احتملن الْإِضْمَار والفصل فمما جَاءَ فِي الشّعْر قَوْله
(صَعْدةٌ نابِتَةٌ فِي حائِرٍ أَيْنَمَا الريحُ تُميِّلْها تَمِلْ)
وَقَالَ آخر
(فَمَنْ نَحْنُ نُؤمِنْهُ يَبِتْ وهوَ آمِنُ ومَنْ لَا نُجِرهُ يُمْسِ مِنا مُفزعا)
[ ٢ / ٧٥ ]
وَقَالَ آخر
(فَمَتَى واغِلٌ يَنُبهمْ يُحيُّوهُ وتَعَطَفْ عَلَيْهِ كأسُ الساقي)
وَأعلم أَن الْمَفْعُول إِذا وَقع فِي هَذَا الْموضع وَقد شغل الْفِعْل عَنهُ انتصب بِالْفِعْلِ الْمُضمر لِأَن الَّذِي بعده تَفْسِير لَهُ كَمَا كَانَ فِي الِاسْتِفْهَام فِي قَوْلك أزيدا ضَربته ﴿أبَشَرًا مَنّا وَحدًا نَتَّبِعُهُ﴾ وَذَلِكَ قَوْلك إِن زيدا ترهُ تكرمه وَمن زيدا يَأْته يُعطهِ وَإِن زيدا لَقيته أكرمته وَكَذَلِكَ إِذا لِأَنَّهَا لَا تقع إِلَّا على فعل تَقول إِذا زيدا لَقيته فَأكْرمه قَالَ
(لَا تَجزَعي إنْ مُنْفِسًا أهْلَكْتُهُ وَإِذا هَلَكتُ فعندَ ذلكِ فاجزَعي)
[ ٢ / ٧٦ ]
وَقَالَ الآخر
(إِذا ابْن أبي مُوسَى بِلالًا بَلَغْتِهِ فَقَامَ بفأسٍ بَيْنَ وَصلَيكِ جازِرُ)
وَلَو رفع هَذَا رَافع على غير الْفِعْل لَكَانَ خطأ لِأَن هَذِه الْحُرُوف لَا تقع إِلَّا على الْأَفْعَال وَلَكِن رَفعه يجوز على مَا لَا ينْقض الْمَعْنى وَهُوَ أَن يضمر بلغ فَيكون إِذا بُلِغَ ابنُ أبي مُوسَى وَقَوله بَلَغْتِهِ إِظْهَار للْفِعْل وَتَفْسِير الْفَاعِل
[ ٢ / ٧٧ ]
وَكَذَلِكَ لَا تجزعي إِن منفِسٌ أهلكته على أَن يكون الْمُضمر هلك
[ ٢ / ٧٨ ]
وَكَذَلِكَ هَذِه الْآيَات كلهَا وَهِي ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ (وَإِذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وَإِنَّمَا وَالْمعْنَى وَالله أعلم إِذا كورتْ الشّمس وَإِذا انشقَتْ السماءُ وَالْجَوَاب فِي جَمِيع هَذَا مَوْجُود لِأَن هَذِه لَا تكون إِلَّا بأجوبة فَالْجَوَاب فِي قَوْله ﴿إِذا الَشَّمْسُ كُوِرُتْ﴾ ﴿علمت نفس مَا أحضرت﴾ وَالْجَوَاب فِي قَوْله ﴿إِذا السَّمَاء انفطرت﴾ (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَمَتْ وأخَرَتْ﴾ فَأَما قَوْله ﴿إِذا السَّماءُ انشَّقَتْ وأَذِنَتْ لِرَبِها وحُقَتْ﴾ فقد قيل فِيهِ أقاويل فقوم يَقُولُونَ ﴿فَأَما منْ أوتيَ كِتابَهُ بِيَميِنِهِ﴾ هُوَ الْجَواب لِأَن الْفَاء وَمَا بعْدهَا جَوَاب كَمَا تكون جَوَابا فِي الْجَزَاء لِأَن إِذا فِي معنى الْجَزَاء وَهُوَ كَقَوْلِك إِذا جَاءَ زيد فَإِن كلمك فَكَلمهُ فَهَذَا قَول حسن جميل وَقَالَ قوم الْخَبَر مَحْذُوف لعلم الْمُخَاطب كَقَوْل الْقَائِل عِنْد تَشْدِيد الْأَمر إِذا جَاءَ زيد أَي إِذا جَاءَ زيد علمت وَكَقَوْلِه إِن عشتَ ويكل مَا بعد هَذَا إِلَى مَا يُعلمهُ الْمُخَاطب كَقَوْل الْقَائِل لَو رَأَيْت فلَانا وَفِي يَده سيف
[ ٢ / ٧٩ ]
وَقَالَ قوم آخَرُونَ الْوَاو فِي مثل هَذَا تكون زَائِدَة فَقَوله ﴿إِذا السَّمَاء انشقت وأذنت لِرَبِّهَا وحقت﴾ يجوز أَن يكون ﴿إِذا الأَرْض مدت﴾ وَالْوَاو زَائِدَة كَقَوْلِك حِين يقوم زيد حِين يَأْتِي عَمْرو وَقَالُوا أَيْضا إِذا السَّمَاء انشقتْ أذنتْ لِرَبِها وحٌ قتْ وَهُوَ أبعد الْأَقَاوِيل أَعنِي زِيَادَة الْوَاو وَمن قَول هَؤُلَاءِ إِن هَذِه الْآيَة على ذَلِك ﴿فَلَمَّا أسلما وتله للجبين وناديناه﴾ قَالُوا الْمَعْنى ناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم قَالُوا وَمثل ذَلِك فِي قَوْله ﴿حَتّى إِذا جاءوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُها﴾ الْمَعْنى عِنْدهم حَتَّى إِذا جاءوها فتحت أَبْوَابهَا كَمَا كَانَ فِي الْآيَة الَّتِي قبلهَا فِي مَوَاضِع من الْقُرْآن كَثِيرَة من هَذَا الضَّرْب قَوْلهم وَاحِد وينشدون فِي ذَلِك
[ ٢ / ٨٠ ]
(حتّى إِذا امتلأتْ بُطُونُكُمُ ورأيتُمُ أبناءَكُمْ شَبّوا)
(وقَلَبْتُمْ ظَهْرَ المِجَنْ لنا إنَّ الغَدورَ الفاحِشَ الخِبُّ)
قَالَ وَإِنَّمَا هُوَ قلبتم ظهر الْمِجَن وَزِيَادَة الْوَاو غير جَائِزَة عِنْد الْبَصرِيين وَالله أعلم بالتأويل فَأَما حذف الْخَبَر فمعروف جيد من ذَلِك قَوْله ﴿وَلو أنَّ قُرآنًا سُيِّرتْ بِهِ الجِبالُ أَو قُطِّعَتْ بِهِ الأرضُ أَو كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ للهِ الأمرُ جَميعًا﴾ قَالَ الراجز
(لوْ قّدْ حَداهُنّ أَبُو الجُوديِّ )
(برجَزٍ مُسْحَنْفرِ الرَّويِّ )
(مُسْتَوياتٍ كَنَوى البَرنِيِّ )
لم يَأْتِ بِخَبَر لعلم الْمُخَاطب وَمثل هَذَا الْكَلَام كثير وَلَا يجوز الْحَذف حَتَّى يكون الْمَحْذُوف مَعْلُوما بِمَا يدل عَلَيْهِ من تقدم خبر أَو مُشَاهدَة حَال
[ ٢ / ٨١ ]