سأل عن قوله ﷿: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون﴾، فقال: إن (أن) الأولى لم يأت لها خبر. وسأل عن العامل في (إذا)؛ ثم قال: (إذا) بمعنى الوقت وهو يضاف إلى الجمل على تأويل المصدر؛ فإذا قلت: تقديره: مخرجون وقت موتكم، كان محالا؛ لأن الإخراج وقت الموت لا يتصور؛ لأنه جمع بين ضدين.
ثم أجاب هو عما سأل فقال: والجواب:
أما الأول فنقول: إن العرب قد حذفت خبر (أن) كثيرا في شعرها وكلامها، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى لاسيما إذا دل على الخبر مثله. وههنا خبر الثانية دل على خبر الأولى، ونوي عاملا في (إذا) والتقدير: أيعدكم أنكم مخرجون بعد وقت مماتكم؛ إلا أن (بعد وقت) حذفت وأريدت.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
ألا ترى إلى قوله ﷿: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ و(ينفعكم) لا يعمل في ظرفين مختلفين أحدهما حال والآخر ماض، وذلك محال؛ ولكن المعنى: ولن ينفعكم اليوم بعد إذ ظلمتم. وكذلك يضارع هذا قوله عز اسمه: ﴿إن مع العسر يسرا﴾ والعسر ضد اليسر، والضدان لا يجتمعان، ولكن الأصل: إن مع انقضاء العسر يسرا، إلا أن المضاف حذف.
فأما فائدة تكرير (أن) فالعرب تكرر الشيء في الاستفهام استبعادا، كما يقول الرجل لمخاطبه، وهو يستبعد أن يجيء منه الجهاد: أأنت تجاهد، أأنت تجاهد!! فكذا ههنا [١٦١/آ]، قالوا: أيعدكم أنكم مخرجون أنكم مخرجون استبعادا.
فقيل له: أما سؤالك الأول عن خبر (أن) وكونه لم يأت
[ ٢ / ٧٧٥ ]
فهو سؤال من قطع بما حكاه، ولم يعرف وجها سواه. وهذا قول من لم يتقدم له بهذا العلم فضل دراية، ولا وقف على ما سطره فيه أولو النقل والرواية؛ إذ كان معظم النحويين قد أجمعوا على أن خبر (أن) في هذه المسألة ثابت غير محذوف.
فلو قلت: يسأل عن خبر (أن) لم حذف في هذه الآية على قول بعض النحويين= لأتيت بعذر مبين.
وللنحويين، في هذه الآية، أربعة أقوال:
الأول منها قول أبي العباس المبرد ومن تابعه، وهو: أن تجعل موضع (أنكم مخرجون) رفعا بالابتداء، و(إذا) ظرف زمان في موضع خبره، والجملة في موضع خبر (أن)؛ فيصير التقدير: أيعدكم أنكم إذا متم إخراجكم، كما تقول: أيعدكم أنكم يوم الجمعة إخراجكم، فيكزن (إخراجكم) مرفوعًا بالابتداء،
[ ٢ / ٧٧٦ ]
ويوم الجمعة خبره والجملة في موضع خبر (أن) الأولى؛ وهذا مذهب بين ظاهر لا يحتاج فيه إلى خبر محذوف.
والقول الثاني قول أبي عمر الجرمي: أن تجعل (مخرجون) خبر (أن) الأولى، وتكون الثانية كررت توكيدا لتراخي الكلام، على حد قوله سبحانه: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾، فكرر (رأيتهم) توكيدا لتراخي الكلام، ويكون انتصاب (ساجدين) بـ (رأيت) الأولى، كأنه قال: رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين؛ ومثل قوله سبحانه: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبهم بمفازة من العذاب﴾ فيكون (تحسبنهم) توكيدا لتراخي الكلام. ومن ذلك قولهم في النداء:
[ ٢ / ٧٧٧ ]
يا تيم تيم عدي
الثالث: قول أبي الحسن الأخفش: أن تجعل (أنكم) في موضع رفع بـ (إذا) على أن يكون [١٦١/ب] فاعلا به على حد قياس مذهبه في الرفع بالظرف في نحو قولك: يوم الجمعة الخروج، فالخروج عنده مرتفع بالظرف، كأنه قال: يستقر الخروج يوم الجمعة. ومذهب سيبويه وأصحابه أن الخروج مرفوع بالابتداء لا غير.
القول الرابع قول سيبويه، وهو: أن تجعل (أنكم مخرجون) بدلا من (أن) الأولى، على حد قوله ﷿: ﴿ويوم
[ ٢ / ٧٧٨ ]
تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون﴾. فقوله (يومئذ) بدل من قوله (يوم تقوم الساعة). ويحتاج في هذا القول إلى حذف شيء يتم به الكلام؛ لأنه لا يصح أن يبدل من (أن) إلا بعد تمامها وتكملتها من اسمها وخبرها.
وقد وجه أبو علي قول سيبويه في هذه الآية على وجهين، أحدهما: أن يكون قد حذف مضافا من (أن) الأولى تقديره: أيعدكم أن إخراجكم إذا متم، فيصح حينئذ أن يبدل (انكم مخرجون) من (أن) الأولى؛ لأنها قد تمت. وإنما احتاج إلى حذف هذا المضاف من جهة أن (إذا) ظرف زمان، وظروف الزمان لا تكون أخبارا عن الجثث. فإذا حملت وقوله: (أنكم إذا متم) على تأويل: أن إخراجكم إذا متم، تم الكلام وصارت إذا خبرا لـ (أن) على حد قولهم: الليلة الهلال، تريد: الليلة حدوث الهلال أو ظهوره، ولولا ذلك لم يجز لأن الهلال جثة والليلة ظرف زمان. ومثل الآية في حذف المضاف قوله ﷿: ﴿هل يسمعونكم إذ تدعون﴾
[ ٢ / ٧٧٩ ]
لابد من تقدير مضاف محذوف تقديره: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعون؛ فحذف الدعاء وهو يريده.
والثاني في توجيه أبي علي لقول سيبويه، وهو أن يكون خبر (أن) محذوفا تقديره: أيعدكم أنكم إذا متم مخرجون، ثم حذف خبر (أن)، لدلالة [خبر] (أن) الثانية عليه، على حد قوله ﷿: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ تقديره: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، فحذف خبر المبتدأ الأول [١٦٢/آ] استغناء عنه بخبر الثاني. وعلى ذلك قول الشاعر:
[ ٢ / ٧٨٠ ]
نحن بما عندنا وأنت بما
عندك راض والرأي مختلف
تقديره: نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض إلا أنه حذف استغناء عنه بالخبر الأخير.
وهذا الوجه وحده هو الذي لم يفتح عليك أيها المتقمص بقميص الزهو، التائه في غيابة السهو، الملقب نفسه بملك النحو الأبه.
وأما قولك بعد السؤال الأول: وكذلك يسأل عن العامل في (إذا)، ثم بينت في جوابك انه محذوف= فقولك هذا مبني على ما قام في نفسك من كون خبر (أن) محذوفا، وقد بينا أنه غير محذوف إلا على أحد الوجهين الموجه بهما قول سيبويه؛ وإلا فهو موجود غير محذوف على المذاهب المتقدمة.
أما على مذهب أبي العباس فالعامل عنده في (إذا)
[ ٢ / ٧٨١ ]
الاستقرار؛ لأنها في موضع خبر المبتدأ. وكذلك مذهب الأخفش، هي عنده معمولة الاستقرار المقدر في كل ظرف رفع فاعلا. وأما مذهب الجرمي فإن العامل عنده فيها (مخرجون) التي هي خبر (أن) على ما تقدم ذكره.
وأما قولك بعد السؤال الثاني: إن (إذا) بمعنى الوقت، وهو يضاف إلى الجمل على تأويل المصدر، وما ذكرت من أن المعنى يستحيل إذا جعلت العامل في (إذا) (مخرجون)؛ لأنه يصير التقدير: أنكم مخرجون وقت موتكم، والإخراج وقت الموت لا يتصور، وإجابتك عن ذلك بتقديرك حذف مضاف قبل (إذا) وهو (بعد) = فإنك أتيت في هذا المكان بضرب من الهذيان.
أما قولك: إن (إذا) بمعنى الوقت، وهو يضاف إلى الجمل على تأويل المصدر فليس تقدير الجملة بعدها على تأويل المصدر بصحيح. وذلك ممتنع فيها، وفي (إذ) وفي (لما) خاصة. ألا ترى أنه يحسن أن تقول في نحو: آتيك يوم يقدم زيد: آتيك يوم قدوم زيد، فتقدر ما بعد (يوم) بتقدير المصدر؟. ولو قلت: آتيك إذا يقوم زيد لم يحسن أن تقول: آتيك [١٦٢/ب] إذا
[ ٢ / ٧٨٢ ]
قيام زيد. وكذلك (إذ) تقول: أتيته إذ قام، ولا تقول: أتيته إذ قيامه. وكذلك (لما)، تقول: أكرمته لما قام، ولا تقول: أكرمته لما قيامه؛ لأن هذه الظروف لا تضاف إلى مفرد، ولا تستعمل إلا مضافة إلى الجمل.
وأما قولك: إنه لابد من تقدير حذف مضاف قبل (إذا) وهو (بعد) ليصح المعنى ويسلم من الإحالة؛ فهو قول بين الفساد لا محالة. وذلك أن المتقرر عند جميع النحويين أنه لا يصح أن يصاف إلى (إذا) ولا إلى (لما)، وذلك لتوغلهما في البناء، وقلة تمكنهما. ولا يجوز، على هذا، أن تقول أكرمتك بعد إذا أكرمتني، ولا: قبل إذا أكرمتني، ولا: بعد لما أكرمتني، ولا نحو ذلك من ظروف الزمان ولا غيرها؛ ولم يسمع من ذلك شيء إلا في (إذ) والمعنى، في الآية، يصح على غير هذا التقدير إذ في مفهوم الخطاب من قوله جل وعلا: ﴿وكنتم ترابا وعظاما﴾ أن الإخراج ليس هو وقت الموت، وإنما هو بعد زمان
[ ٢ / ٧٨٣ ]
متراخ يقتضي الاستحالة من اللحمية والدموية إلى الترابية، ثم الإخراج بعد ذلك. و(إذا) وإن كانت بمعنى الوقت فليس يلزم أن يكون وقوع الفعل في أول ذلك الوقت دون آخره؛ مثال ذلك قولهم: إذا جاء زيد أحسنت إليه، ومعلوم، من جهة المعنى، أن الإحسان لم يكن في أول المجيء، إنما كان بعده وتقدير الإعراب يوجب أن وقت المجيء وقت الإحسان؛ لأن (إذا) ظرف، والعامل فيه أحسنت، فيصير التقدير: أحسنت إليه وقت مجيئه، وليس الأمر كذلك.
وسبب ذلك أنه لما تقارب الزمانان، وتجاور الحالان صارا كأنهما وقعا في زمان واحد، وإن كان لابد أن تقدر أن زمان الإحسان بعد زمان المجيء، إذ الإحسان مسبب عن المجيء، والسبب يتقدم المسبب. ويكون تقدير الآية على هذا: أيعدكم أنكم مخرجون آخر وقت موتكم وكونكم ترابا وعظاما؟.
ثم [١٦٣/آ] قلت بعد هذا: (فأما فائدة تكرير (أن)، فإن العرب تكرر الشيء في الاستفهام استبعادا، كما يقول الرجل لمخاطبه إذا كان يستبعد منه أن يجاهد: أنت تجاهد أنت
[ ٢ / ٧٨٤ ]
تجاهد!!) وهذا قول غير محرر ولا محقق. وهذه العبارة بتكرير الاستبعاد شيء خارج عن المألوف المعتاد. وإنما التكرير في كلام العرب لمعنى التأكيد، على ذلك جاء في كتاب الله ﷿: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا﴾ فكرر (دكا) على جهة التأكيد بدلالة قوله في الأخرى: ﴿فدكتا دكة واحدة﴾، وقوله ﷿: ﴿فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا﴾، وقوله عز وعلا: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ كرر (رأيتهم) توكيدا، وقوله ﷿: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب﴾ ومن أمثلة ذلك في كتاب سيبويه: (قد علمت أنه إذا فعل أنه سيمضي)، و(زعم أنه إذا قال أنه
[ ٢ / ٧٨٥ ]
سيفعل). وقول رؤبة:
إني وأسطار سطرن سطرا
لقائل: يا نصر نصر نصرا
وقول الآخر:
ألا فاسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي
ثلاث تحيات وإن لم تكلمي
وقول الآخر:
يا تيم تيم عدي .. .. ..
.. .. .. ..
[ ٢ / ٧٨٦ ]
وليس في شيء من هذا استبعاد.
قلت: قال ابن السراج والمبرد: بيت رؤبة:
يا نصر نصر نصرا
إنه ينشد على وجوه منها:
يا نصر نصر نصرا
قال: تجعل المنصوبين تبيينا للمضموم- يعني عطف بيان على الموضع- وينشد أيضا:
يا نصر نصر نصرا
على أنهما أيضا عطف بيان، لكن أجريت أحدهما على اللفظ، والآخر على الموضع، كما تقول: يا زيد الظريف العاقل.
قال: ولو جعلت العاقل على (أعني) كان جيدا.
وينشد أيضا:
يا نصر نصر نصرا
فيكون الثاني بدلا من الأول، والثالث عطف بيان؛ كأنه قال:
[ ٢ / ٧٨٧ ]
يا نصر يا نصر [١٦٣/ب].
[ ٢ / ٧٨٨ ]