وهذه مسائل جرت بين أبي جعفر النحاس
وبين أبي العباس بن ولاد
وبعث قولهما إلى ابن بدر ببغداد، ومال مع أبي العباس على أبي جعفر ميلا مفرطا وكأنه قد ارتشى.
وقال لي شيخنا أبو القاسم الشاطبي ﵀- وقد وقفته على هذه المسائل واغتبط بها غاية- الاغتباط-: (أبو جعفر النحاس يسلك في كلامه طريق النحاة، وأبو العباس له ذكاء)، وصدق ﵀، وستقف من كلام الرجلين على ما يدلك على صحة ما قال.
ابتدأ أبو جعفر فقال لابن ولاد: كيف تبني من رجا يرجو (افعللت) و(افعليت) و(افعلوت)؟.
فقال أبو العباس: أما افعليت فارجويت [١١٦/آ]، وأما افعلوت فارجووت، وأما افعللت فارجووت أيضا.
فقال أبو جعفر: هذا كله خطأ:
أما ارجويت في افعليت فلا يعرف في كلام العرب (افعليت)؛
[ ٢ / ٥٦١ ]
ولو جاز أن يكون ارجويت افعليت للزم أن تقول في (أغزيت): (أفعيت)؛ لأن من زعم ان الراء من (جعفر) زائدة لزمه أن يقول: هو (فعلر) وأن يقول في (ضرب) هو (فعب)، ولا يقوله احد.
قلت: هذه العبارة في قوله: (لأن من زعم أن الراء من جعفر زائدة) ليس بجيدة؛ لأنها توهم أن من الناس من يقول ذلك وكان الصواب أن يقول: إذ لو زعم أن الراء من جعفر.
ثم قال: وإما ارجووت في افعلوت وافعللت فأعجب في الخطأ من الأول؛ لأنا لا نعلم خلافا بين النحويين أن الواو إذا وقعت طرفا فيما جاوز الثلاثة من الفعل أنها تقلب ياء كما قالوا في (أفعلت) من غزوت: أغزيت، وفي استفعلت استغزيت. والوجه عند أبي جعفر أن لا يبنى من (رجا) إلا افعللت فيقال: ارجويت، فتقول: ارجويت أرجوى ارجواء وأنا مرجو مثل احمررت أحمر احمرارا وأنا محمر، إلا أنك تقلب في ارجويت
[ ٢ / ٥٦٢ ]
أرجوي، وتدغم في أحمر يحمر، وهو كثير في كلام العرب، نحو: ابيضضت واصفررت.
قال محمد بن بدر: إنما قال في (افعليت) ارجويت بالياء؛ لأنها مبدلة من الواو، والمبدل من الحرف زائد بمعنى البدل، والزائد يمثل على لفظه.
قلت: هذا خطأ؛ لأن هذا لو صح لقبل في باع وقال: وزنه (فال).
قال ابن بدر: وأما جوابه في (افعلوت) ارجووت، وفي (افعللت) ارجووت أيضا، فإنه تمثيل على الأصل قبل الإعلال، وسبيل كل ممثل أن يتكلم بالمثال على [١١٦/ب] الأصل ثم ينظر في إعلاله بعد. فافعللت على الأصل: ارجووت، وعلى الإعلال: ارجويت. ومن قال (كينونة): فيعلولة ذهب إلى الأصل، ومن قال: فيعولة ذهب إلى اللفظ. وإذا بنوا مثال (عصفور) من غزا قالوا: (غزوو)؛ فالفراء يتركه على هذا
[ ٢ / ٥٦٣ ]
ولا يعله، وسيبويه يعله بعد ذلك فيقول: غزوي.
قال ابن بدر: وقول أبي جعفر: (لو جاز أن يكون ارجويت افعليت إلى قوله لا يقوله أحد) فغث لا معنى له ولا للإتيان به وجه؛ لأنه يجري كالهذيان. ثم تمادى في أذاه والإسخاف به.
قلت: أما قول ابن بدر في ارجووت إنه تمثيل على الأصل فغير صحيح؛ لأن ذلك لم ينطق به في الأصل كما نطق بـ (كينونة)، كما قال:
يا ليت أنا ضمنا سفينه
حتى يعود الوصل كينونه
وإنما يمثل بالأصل ما لا يصح تمثيله على اللفظ، كقولك في (عدة): إنه فعلة. ولا تقول: (علة)؛ وفي (غد): إنه فعل، ولا تقول: هو (فع). ثم إنه لم يسأل عن تمثيل الأصل، وإنما
[ ٢ / ٥٦٤ ]
سئل عما يصح أن ينطق به فيه، فماله اقتصر على تمثيل الأصل وترك ما ينبغي أن يقال؟!.
[ ٢ / ٥٦٥ ]